شريعة

ضمانات تحقيق فروض الكفاية

26 فبراير, 2017

29
مشاركة

من الأمور التي جرَّبها كل إنسان منَّا بنفسه، أن إشاعة الأوامر في مجموعة من الناس دون تعيين، يكون غالبا سببا لتضييعها وعدم إنفاذها، فإذا أَمَر الأب أولاده أمرا مشاعا، أن يُطفئوا المصباح المضيء، فالغالب أن أحدا منهم لن يبادر بإطفائه، بتُكَأَة أن الأمر لم يتوجه إليه مباشرة وباسمه، وأنه يحسب أن  بقية إخوته سيكفونه هذه المهمة، ولن يشعر بتأنيب الضمير؛لأنه لم يكن مقصودا بعينه بتنفيذ هذا الأمر. فإذا أراد الأب أن يضمن نفاذ أمره، توجه بأمر مباشر إلى أحد أبنائه بعينه طالبا منه إطفاء المصباح.

وهكذا في كل مؤسسة صغيرة كانت أو كبيرة، إذا أراد المسئول إنفاذ الأمر، لا يسوق أمره على المشاع، ولكنه يُحدِّدُ مأمورا بعينه.

وهذا الأمر من المجرَّبات الاجتماعية التي لا تختلف باختلاف الأديان، فهو يحدث أيضا في المجتمعات الفاضلة، التي يكون الدين المصدر الأول في توجيهها ، ففي صحيح مسلم عن حذيفة- رضي الله عنه- قال : ” لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة” فسكتنا فلم يجبه منا أحد ثم قال “ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة” فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال “ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة” فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال “قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم” فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم.”

فها هم الصحابة، يتواكل بعضهم على بعض، ولا يشعر أحدهم بتأنيب ضمير؛ لأنه لم يُدع باسمه[1]، فلما عيَّن النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة باسمه، لم يجد مناصا من تلبية الأمر.

واجبات مفروضة على الكفاية

وبالرغم من ذلك فإننا وجدنا الإسلام، يسوق جزءًا من أوامره على هذا النحو من الشيوع، فيما يُعرف في الفقه الإسلامي بالواجبات الكفائية، وهي الواجبات التي طلب الشَّرع فعلها من مجموع المكلَّفين دون تحديد شخص بعينه، بحيث إذا قام بها بعضُهم سقط الإثْم عن المجموع، وإذا لم يقُم بفعلها أيّ من أفراد المكلفين لحق الإثْم بالمجموع.

والأكثر من ذلك أننا وجدنا أن الواجبات الكبرى، جعلها الإسلام من هذا القبيل،  فمنها مثلا : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإقامة الدولة المسلمة، وإقامة مؤسسة القضاء، وتجهيز الجيوش للدفاع عن الدولة ضد من يتهددها، وتجهيز عدد كاف من المختصين فيما تحتاج إليها الأمة لمعاشها، مثل الأطباء، والمهندسين، والفلاحين، والتجار، والمعلمين، والتكافل الاجتماعي وغير ذلك.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي :” فرض الكفاية هو كل علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات، وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما. وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين.

فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات؛ فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك؛ فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله.”[2]

وهكذا، فمهام الوزارات التي تنوء بها الدول، أوجبها الإسلام على الأمة وجوبا كفائيا، كمهام وزارة الصحة، ووزارة التضامن الاجتماعي، ووزارة التعليم، ووزارة الدعوة، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية.

فما الضمانات التي قدَّمها الإسلام حتى لا تضييع هذه الواجبات الكبرى تحت وطأة تواكل الأمة بعضها على بعض؟

الضمانة الأولى : واجبات موجهة للأمة جميعا دون تعيين

أما الضمانة الأولى، فهي أن الواجبات الكفائية، موجهة إلى كل أفراد الأمة، فردًا فردًا، بحيث لا يسَعُ أحدا التغافل عن هذا النوع من الأوامر وهو ساكن الضمير؛ يقول الإمام الغزالي :

“ما حقيقة فرْض الكفاية؟ أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض بفعل البعض؟ أو هو فرْض على واحدٍ لا بعينِه أيّ واحدٍ كان، كالواجب المخيَّر في خصال الكفَّارة؟ أو هو واجب على مَن حضَر وتعيَّن؛ أعْنِي: حضر الجنازة أو المنكر، أمَّا مَن لَم يتعيَّن فهو ندب في حقِّه؟ قلنا: الصَّحيح من هذه الأقْسام الأوَّل، وهو عموم الفريضة.” [3]انتهى.

ولذلك يرى الإمام الشافعي في قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } [البقرة: 216] أن الفرض هنا على العامة، ووجه الدلالة أن القتال من الواجبات الكفائية وخطاب الأمر فيه متوجّه إلى الجميع، كما ذكر الإمام الشَّافعي أنَّ “الظَّاهر في الآيات – من مثل هذه الآية – أنَّ الفرض على العامَّة”[4].

الضمانة الثانية : الواجبات الكفائية واجبات تضامنية

أن هذه الواجبات تحتاج إلى مؤسسات حتى تتحقق على الوجه المطلوب، فإنه إذا كان يكفي في الواجبات الكفائية، قيام بعض أفراد الأمة بها، فإنه لا بد من ملاحظة أن هؤلاء الأفراد يحتاجون إلى من يُدربهم ويُعِدُّهم للقيام بهذه المهام، كما يحتاجون إلى من يراقب دورهم، ونتائج أعمالهم حتى يتم التأكد من القيام بهذه المهام على الوجه الذي يحقق المقصود.

فإذا كان يكفي في تنفيذ هذه الآية : {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: 104] قيام مجموعة من الأمة بالأمر بالمعروف والتهي عن المنكر، فإن على بقية الأمة أن يقوموا بإعداد هذه المجموعة ومراقبتها، جاء في تفسير المنار  في تفسير هذه الآية:

“ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة، فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة، فهاهنا فريضتان:

إحداهما: على جميع المسلمين.

والثاني: على الأمة التي يختارونها للدعوة.

ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة، وليس معناه الجماعة – كما قيل – وإلا لما اختير هذا اللفظ، والصواب أن الأمة أخص من الجماعة، فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافا أرجعوها إلى الصواب.

وقد كان المسلمون في الصدر الأول لا سيما زمن أبي بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة، حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب – وهو أمير المؤمنين – وينهاه فيما يرى أنه الصواب.

ولا بدع فالخلفاء على نزاهتهم وفضلهم ليسوا بمعصومين، وقد صرح عمر بخطئه ورجع عن رأيه غير مرة.

فهم مكلفون أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين، يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين.[5] انتهى.

وإذا كان يكفي في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] مشاورة أهل العلم دون سائر الأمة، كل في فنه، فإنه يفهم منه بطريق الإرشارة إيجاب إيجاد طائفة من الأمة تمثلها وتستشار في أمرها؛ لأن تنفيذ الأمر ومشاورة الأمة يستلزم ذلك. فالأمة جميعا ملتزمة بإيجاد نظام مؤسسي، يوجب استشارة من يصلحون للمشورة، والالتزام برأيهم.

وإذا كان يكفي في قوله تعالى: {  فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] سؤال أهل الذكر دون بقية أفراد الأمة، فإن النص يفهم منه بطريق الإشارة إيجاب إيجاد أهل الذكر في الأمة. وهو الدور المنوط على الأمة جميعا دون استثناء.[6]

الضمانة الثالثة : تأثيم الأمة جميعا إذا تقاعست عن تحقيق الواجبات الكفائية

وهي أن ذمم أفراد الأمة جميعا لا تبرأ عند تقاعسها في تنفيذ الواجبات الكفائية، فما لم يتخصص في الأمة عدد كاف من الطبيبات الكفء لمداواة النساء، واضطرت امرأة من أجل ذلك أن تتعرى أمام طبيب رجل من أجل العلاج، فإن إثم هذا التعري يقع على أفراد الأمة جميعا.

ومالم تقم مجموعة من الأمة بإسعاف المرضى، وإيواء المشردين، وتعليم الجاهلين، وإطعام الجائعين، ورد الظلم عن المظلومين، والأخذ على يد الظالمين، وقع الحرج والإثم على أفراد الأمة جميعا.

يقول الشيخ عبد الوهّاب خلاف- رحمه الله-:

“فالواجبات الكفائيَّة المطالب بها مجموع أفراد الأمَّة، بحيث إنَّ الأمَّة بمجموعها عليْها أن تعمل على أن يؤدّى الواجب الكفائي فيها، فالقادر بنفسِه وماله على أداء الواجب الكفائي عليْه أن يقوم به، وغير القادر على أدائِه بنفسِه عليْه أن يحثَّ القادر ويحمله على القيام به، فإذَّا أدى الواجب سقط الإثْم عنهم جميعًا، وإذا أهمل أثِموا جميعًا: إثْمُ القادر لإهماله واجبًا قدر على أدائه، وإثْمُ غيره لإهماله حثَّ القادر وحمله على فعل الواجب المقْدور له، وهذا مقتضى التضامُن في أداء الواجب، فلو رأى جماعةٌ غريقًا يستغيث ومنْهُم مَن يُحْسِنون السِّباحة ويقدرون على إنقاذه، ومنهم مَن لا يُحسنون السّباحة ولا يقْدِرون على إنقاذه، فالواجب على مَن يُحْسنون السباحة أن يبذل بعضُهم جهدًا في إنقاذه، وإذا لم يُبادر مِن تلقاء نفسِه إلى القيام بالواجب، فعلى الآخرين حثُّه وحملُه على أداء واجبه، فإذا أدَّى الواجب فلا إثْمَ على أحد، وإذا لم يؤدّ الواجب أثِموا جميعًا.”[7]

فهذا الإحساس بعدم زوال التبعة عن كل فرد، من شأنه أن يُحوِّل الواجبات الكفائية إلى واجبات جماعية، يسعى كل واحد من الأمة بغية ضمان تنفيذ هذه الواجبات، ولا يكون هذا إلا من خلال عمل مؤسسي منظم.

ويقول الرملي : لو تمالأ الناس على ترك الحرف والصنائع أثموا وقوتلوا. [8]

الضمانة الرابعة: تحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني

 إذا لم يوجد في ناحية من النواحي سوى فردٍ واحدٍ تعيَّن ذلك الفرد للقيام بذلك الفرض أو الواجب، وأصبح ذلك الفرْض فرض عين بالنسبة لذلك الذي تفرَّد وحده بالقيام بذلك الفرْض، فإذا مرِض شخصٌ أو جماعة أو حدَث – لا قدَّر الله – وباء، ولم يكن يستطيع القيام بالعلاج أو مقاومة الوباء إلاَّ شخص واحد، أصبح ذلك الأمر فرضَ عين بالنسبة له حتى لو لم يتم تحديده بالاسم.

وكذلك إذا أشرف فردٌ على الغرق وليس هناك من يستطيع إنقاذه سوى شخص واحد، فإنَّ إنقاذ ذلك المشرفِ على الغرق يصبح واجبًا عينيًّا على ذلك المستطيع إنقاذه”[9]

وإذا اعتدى شخص على شخصٍ آخَر باعتداءٍ ما، ولم يكن ثمَّة إلاَّ شاهد واحد رأى هذا الاعتداء، فإنَّ الشَّهادة – وهي واجب كفائي عمومًا – تنقلب في حقِّه إلى واجب عيني، ويتعيَّن عليه القيام بأدائه.

 


[1]انظر : إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض (6/ 160)
[2]إحياء علوم الدين (1/ 16)
[3]المستصفى: 1/ 217.
[4] الجامع لأحكام القرآن: 4/ 3132.
[5]تفسير المنار (4/ 30)
[6]علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (ص: 139)
[7]علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع ط المدني (ص: 104)
[8] –  نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/ 50)
[9] أصول الفقه الإسلامي، عبداللطيف عامر، ص: 255، 256، وانظر – كذلك -: أصول التشريع الإسلامي: فضيلة الشيخ/ علي حسب الله: ص: 375.

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017