فكر

تجارب تنموية اسلامية ناجحة.. ماليزيا

16 مارس, 2017

2
مشاركة

 

استطاعت ماليزيا خلال سنوات معدودة أن تتحول من دولة متخلفة يعيش جل سكانها في الغابات حياة بدائية إلي دولة حديثة ذات بنية تحتية قوية واقتصاد مزدهر وتعليم متطور. يتساءل خبراء التنمية كيف استطاع الماليزيون أن يقهروا تلك الطبيعة الجبلية الوعرة ويحولوها إلى حدائق غناء تستهوى كل من سمع عنها قبل أن يراها؟ كيف استطاعوا تحقيق تلك النجاحات الباهرة في الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا؟  بفعل العمل المتواصل والجاد وثمرة لتغيير عقلية الإنسان وبناء ذاته وتطوير مستواه العلمي والمعرفي وزرع قيم المواطنة والإخلاص حققت ماليزيا الدولة المسلمة نجاحات كبيرة في مجالات الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا وأصبحت مثالا للشعوب الطامحة إلى تغيير وضعها وتحسين واقعها و مستوى حياة سكانها.

رجل بحجم أمة

يقول رائد النهضة الماليزية مهاتير بن محمد في مذكراته: كان يدفعني الطموح إلى المزج بين واجباتى كطبيب يقدم العون والمساعدة للسكان وهوايتي كسياسي مهتم بالشأن الداخلي وتداعيات الوضع حيث كانت المنطقة تحت تأثيرات الحرب العالمية الثانية، كنت أقوم بتوعية المرضى والحديث معهم عن مشاكلهم ، طموحاتهم وآراءهم حول القضايا الوطنية. تحدث مهاتير عن تاريخ حافل بالإنجازات الكبرى التي حولت بلده ماليزيا من دولة زراعية إلى قوة صناعية تحتل المركز السابع عشر عالميا في التجارة. تحدث عن العقبات التى واجهته وعن دخوله الحزب وهو الشاب الذي لا ينحدر من الطبقة البرجوازية،  كافح أيما كفاح داخل الحزب وطرد بسبب أفكاره الثورية ليعود إليه من جديد أكثر قوة وأكثر إصرارا على تحقيق حلمه.

حارب المسلكيات الفاسدة، وحارب الكسل والخمول وكتب عن مجتمعه وجلده جلدا من خلال كتابه عقدة الملايو الذي منع من البيع، وحينما وصل السلطة بدأت إصلاحاته تشمل القطاعات الحيوية وخاصة التعليم والصناعة وبدت ماليزيا وكأنها خلية نحل تعمل بدون كلل ولا ملل.

العلم و بناء الإنسان

ركزت النهضة الماليزية على بناء الإنسان والاستثمار فيه على أساس أنه هو الثروة الحقيقة والمحرك الأول لأي نهضة اقتصادية وعلمية، فكانت النتيجة نهضة أبهرت العالم وتغنت بها الشعوب التواقة إلى التغيير والنهوض، وكان أساس  هذه النهضة وركيزتها العنصر البشري بناء وتكوينا وتنظيما، مع زرع قيم العمل والتميز والإبداع والابتكار. وهكذا كان التعليم والبحث العلمي هما الأولوية الأولى على رأس أجندة الحكومة فتم تشييد المدارس والجامعات ومراكز التدريب والبحث، وخصص أكبر قسم في ميزانية الدولة لتحقيق أهداف الخطة التعليمية  التى شملت أيضا تطوير البحوث العلمية وإرسال عشرات الآلاف من الشباب الماليزي للدراسة في أفضل الجامعات الأجنبية خاصة في اليابان.

جاءت النتيجة سريعة ومثمرة وقفزت ماليزيا إلى مصاف الدول المتقدمة في آسيا، وحسب تقرير وزارة التعليم العالي يوجد الآن أكثر من 1,134,134 طالب مسجلين في الدراسات العليا، حوالي 100,000 طالب من الأجانب ، ويبلغ عدد الجامعات 49 جامعة رئيسية و23 جامعة فرعية و411 كلية.  ومن بين هذه الـ 49 جامعة توجد ست جامعات عالمية من بريطانيا واستراليا وكندا والهند.  وقد تبنت ماليزيا سياسة Transitional Higher Education في أواخر التسعينات حيث واجه الطلاب الماليزيين مشاكل مالية لإكمال دراساتهم في الخارج بسبب تدهور العملة الماليزية الناجم عن الأزمة المالية الآسيوية 1997  وهكذا مع زيادة مصروفات الدراسة في الخارج وترشيدا للنفقات ومساعدة للطلاب سمحت ماليزيا بفتح فروع لجامعات عالمية من استراليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

السياسات الإصلاحية

بعد أحداث مايو العرقية 1969 والتى شكلت تحديا كبيرا للتعايش السلمي بين مختلف الأعراق الماليزية (المالاويون، الصينيون، الهنود) اجتمع ساسة ماليزيا ومفكروها للخروج من هذه الأزمة والعمل على إيجاد حلول مستقبيلة تمنع تكرار هذه الأحداث، وهكذا تبنى المجتمعون حلولا جديدة ذات أبعاد اقتصادية وتنموية من شأنها توطيد أواصر المحبة والاحترام و الوحدة الوطنية.

تم الإعلان عن سياسة جديدة تعرف بـMalaysia New Economy Policy ، تستند هذه السياسة على ركيزتين أساسيتين هما: استئصال الفقر وإعادة هيكلة المجتمع من جديد. وهكذا كان التوزيع العادل للثروة ومنح فرصة متساوية للمواطنين في التعليم والصحة والتوظيف في أولويات السياسة الجديدة. بعد سنوات من تطبيق هذه السياسة التنموية الإصلاحية حققت ماليزيا مزيدا من الاستقرار والازدهار واختفى الاحتقان العرقي وانتشر العدل في ربوع البلاد وأصبح المعيار الأول ليس اللون أو اللغة أو العرق بل العلم والعمل والإخلاص للوطن.

حقق البرنامج التنموي الإصلاحي نتائج فاقت التوقعات حيث ارتفعت نسبة الثروة في الطبقة الفقيرة في ماليزيا من 4% سنة 1970 إلى 20% سنة 1997 كما ارتفع الناتج القومي وانتعش الاقتصاد، فقد انتقل مستوى الدخل الفردي من 1141 رينغت (العملة الماليزية) سنة 1970 إلى 12102 رينغت سنة 1997 وفي نفس الفترة انخفضت نسبة البطالة من 50%  لتصل 6.8%.

ثورة التصنيع في ماليزيا

فتحت ماليزيا أبوابها للمستثمرين الأجانب بعد أن حققت نجاحات كبيرة في مجال البنى التحية والأساليب الإدارية والقانونية التى تحتاجها الاستثمارات، ومن أهم وأبرز هذه المجالات قطاع التصنيع الماليزي، حيث أنشأت ماليزيا ثلاث شركات للسيارات تغطي الطلب على السيارات في السوق المحلية وتحمل هذه السيارات مواصفات تكنلوجية وتقنية معاصرة. ويشكل قطاع التصنيع الماليزي 36.8% من الدخل القومي للدولة حسب إحصائيات 2014، ويوظف 36% من اليد العالمة ويشمل هذا القطاع الحيوي: الصناعات الإلكترونية، صناعة السيارات، صناعات أدوات البناء.

وفي مجال الإلكترونيات وصلت قيمة الصادرات الماليزية من الأدوات الإلكترونية والكهربائة 111.19 مليار دولار أي ما يناهز 47% من مجموع إنتاج قطاع (الكهرباء_ الإلكترونيات)، وفي قطاع السيارات أنتجت ماليزيا سنة 2014 ما يقارب 545,122  سيارة وهو ما يجعلها في المرتبة الثانية والعشرين في العالم من حيث تصنيع السيارات.

حسب تقرير IMD World Competitiveness Center2016  فإن ماليزيا تحتل المرتبة 19 من ضمن عشرين أقوى اقتصاد في العالم مقدمة بذلك نموذجا رائعا في النهضة والبناء لشعوب العالم الإسلامي.

 

 


التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017