فكر

الحضور السياسي و النفوذ الاقتصادي لمسلمي كوت ديفوار

19 مارس, 2017

2
مشاركة

الإسلام في كوت ديفوار هو الديانة الأولي من حيث عدد الأتباع و الانتشار و تبلغ نسبة المسلمين حوالي 50% من سكان البلاد، حتى وإن ظل تأثير المسلمين ضعيفا في تسيير السلطة، قبل وصول الرئيس الحالي الحسن واترا للسلطة سنة 2010.

دخل الإسلام المنطقة منذ قرون عديدة و يعتبر المؤرخون أن من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء دخول الإسلام هي حركة التجارة باتجاه المنطقة و امتداد الإشعاع الديني و الثقافي لبعض المدن الإسلامية كمدينة تومبكتو.

و كانت المنطقة احدى مناطق الجهاد الإسلامي القليلة ضد الاستعمار الفرنسي، حيث قاد المجاهد ساموري توري حملة مسلحة كبيرة على مدار 17 سنة كبدت الفرنسيين خسائر كبيرة و ساهمت في خلق موجة من الكراهية ضد الاستعمار.

و قد ارتبطت بعض مناطق بالتراث الإسلامي من خلال محافظتها على مظاهر و أبعاد معينة فمدينة بوندوكو اشتهرت بالإشعاع الحضاري الإسلامي لدرجة أنها سميت  بمدينة “الألف مسجد” لكثرة مساجدها.

تاريخ و تراث

و يعتبر الإسلام بكوت ديفوار الديانة الأسرع انتشارا رغم موجات التنصير الشرسة التي ترعاها الكنائس العالمية و تحظي بدعم كبير من طرف الحكومات و القوي التقليدية المتنفذة.

فقد كشفت إحصائية أن تعداد المسلمين الذين كانت نسبتهم محصورة بين 14% و 20% بعد استقلال البلاد سنة 1960، وصل سنة 1993 حوالي 43%.

و تعتبر مجموعتي السنوفو و اجيولا أهم قوميتين يدين أبنائهما بالإسلام ، كما يعتبر المذهب المالكي مذهب أهل البلاد، مع وجود نشاط ملحوظ لحركة التشيع في العقود الأخيرة برعاية الجالية اللبنانية التي تعتبر من أهم الجاليات من حيث التأثير المالي و الاقتصادي.

يعتبر الإسلام بكوت ديفوار الديانة الأسرع انتشارا رغم موجات التنصير الشرسة التي ترعاها الكنائس العالمية

تميز حكم أول رئيس للبلاد فليكس هوفيت بوني الذي تقلد السلطة منذ الاستقلال لغاية وفاته سنة 1993 بالانفتاح على المسلمين و محاولة إشراكهم في حدود في السلطة، و ذلك انطلاقا من قناعته أن كوت ديفوار بلد للجميع و يسع الجميع ، لذا تميزت تشكيلة الحكومات الأولي للبلاد بوجود حاملي بعض الجنسيات الإفريقية القريبة لكوت ديفوار كبنين و السنغال و مالي.

و مع هذا فان الرئيس الراحل بوني كان يستشعر خطر و تحدي انتشار الإسلام و توسع رقعته، لذا قام بإضفاء صبغة مسيحية على المظاهر الأساسية للحياة العامة بالبلاد دون أن يتعرض للمسلمين في شعائرهم و معتقداتهم، كما قام بإيعاز من القوي الكنسية العالمية بإنشاء أكبر كاتدرائية كاثوليكية بسعة تقدر بحوالي 50 ألف شخص.

تضييق و استهداف

و قد وضع حجر أساس الكاتدرائية الباب يوحنا بولس الثاني سنة 1985، و حضر نفس البابا تدشينها سنة 1990 و قد كلف بناء الكاتدرائية التي تشبه نمط كاتدرائية القديس بطرس بروما حوالي 40 مليار فرنك إفريقي.

ففلسفة بناء كنيسة بهذا الحجم تهدف من جهة لجعل البلاد محجا كنسيا لمسيحيي منطقة غرب إفريقيا، و كما تسعي لوقف الزحف الإسلامي بمنطقة الغرب إفريقيا بأن تكون كوت ديفوار آخر نقطة يتوقف عندها قطار المد الإسلامي بالمنطقة.

بوفاة هوفيوت بوني سنة 1993 دخلت البلاد مرحلة الصراع على السلطة بين رئيس الجمعية الوطنية ساعتها، المسيحي هنري كونان بيدي، و الذي يسمح له الدستور بقيادة البلاد انتقاليا في حالة الفراغ، و رئيس الوزراء المسلم الحسن واترا، الذي عرفت البلاد في فترته إصلاحات اقتصادية كبيرة.

تحول الصراع على السلطة من صراع سياسي إلي صراع ديني و ثقافي و جغرافي بعد حكم بيدي ، ليستقر على صراع هوية تحت عنوان ” الإفواريتي”

تحول الصراع على السلطة من صراع سياسي إلي صراع ديني و ثقافي و جغرافي بعد حكم بيدي ، ليستقر على صراع هوية تحت عنوان ” الإفواريتي” و تحمل شحنة مفادها  أن المواطنة الكاملة من حق فقط المواطنين المسيحيين المنحدرين من شرق البلاد و جنوبها، و تسببت هذه الحقبة من الحياة السياسية لكوت ديفوار في تأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين و المنحدرين من المناطق الشمالية الذين يتم اعتبارهم كأجانب أو مواطنين من درجة ثانية في أحسن الأحوال.

لكن أصعب مراحل التضييق و الاستهداف التي تعرض لها المسلمون كانت في فترة حكم الرئيس المخلوع لوران اكباكبو الذي وصل السلطة سنة 2001، حيث تعرض المسلمون في فترة نظامه لجرائم القتل و الإبادة و تدنيس المساجد و حرقها و هدمها كما تعرض بعض الأئمة و الدعاة للاغتيالات من طرف كتائب الموت التي أسسها اكباكبو لبث الرعب في نفوس المسلمين و السياسيين المعارضين له.

عهد جديد

ثمة عوامل متعددة أدت لتغييب المسلمين عن المشاركة الفاعلة في الحكم رغم حضورهم الديمغرافي و نفوذهم الاقتصادي، و من هذه العوامل ما هو تراكمي تاريخي كالهوة التي نشأت و اتسعت بين المسلمين و الاستعمار الفرنسي أيام دخوله للمنطقة، و تحولت لشبه قطيعة بعد تبني المسلمين للجهاد ضد الفرنسيين و تبني  الاستعمار الفرنسي بالمقابل لقبائل و مجموعات وثنية و مسيحية كقومية البتي و اعتماده علىها ، قبل أن يُسند لها حكم البلاد بعد الاستقلال سنة 1960.

لكن المسلمين عوضوا حضورهم الضعيف في الإدارة بالتأثير الكبير في الجانب الاقتصادي مع شبه التحكم في قطاعات محورية كالتجارة و النقل و الخدمات الأساسية، كما ظل حزب تكتل الجمهوريين (الحاكم حاليا)، أحد أهم المظلات السياسية الجامعة للمسلمين و المعبرة عن طموحهم السياسية و مطيتهم للبرلمان و المجالس البلدية طوال فترات مقارعة نظامي بيدي و اكباكبو.

وصول الحسن واترا شكل محطة فاصلة في الوضع السياسي للمسلمين، بل و حتى في طبيعة الخلفية الدينية للنظام الحاكم، الذي كانت تطغي عليه المسيحية بشكل كبير، ونجد اليوم نصف وزراء الحكومة من المسلمين ولهم حضور في مختلف المواقع الأمنية و العسكرية .

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017