شريعة

إقامة السلطة من أصول الإسلام

19 مارس, 2017

6
مشاركة

 

ومن الأصول الثابتة التي وضعها الإسلام لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة: وجوب إقامة السلطة. فهي عمود من أعمدة نظام الحكم، وركنٌ في بنائه، ولا يمكن أن يتحقق نظام تام بلا سُلطة تدعمه وتقيمه وتذود عنه، ولذا لا تقل أهمية وجودها في الدولة عن سيادة الشريعة الإسلامية.

والسلطة في اللغة: مصدر سلط، وتعني: القوة والقهر والسيطرة والتحكم. يقال: تسلَّط عليه: تحكم وتمكَّن وسَيْطر. والسُّلطان: القوّة والنفوذ والسيطرة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا}[النحل:99] أي: القهر والغلبة بالإغواء والكفر. وقِيل للخليفة: سُلْطان؛ لأنَّه ذُو السُّلطان، أي ذو الحُجة. وقِيل: لأنه به تقام الحُجج والحقوق[1].

والمقصود بإقامة السلطة في الدولة: اختيار المجموعة الحاكمة أو الهيئة العليا في الدولة، والتي تمتلك من القوة والسيطرة ما يساعدها في قيادة الأمة، وإدارة شؤون الدولة، وتسيير أمورها العامة؛ لأجل حراسة دين الأمة، وسياسة الدنيا به، ورعاية الرعية وتدبير شؤونهم، وحفظ حدود الدولة، وحمايتها من أعدائها.. الى غير ذلك من المقاصد العظيمة.

وهي مجموعة بشريَّة يُسند إليها الحكم في الدولة، ويكون على رأسها الحاكم أو الرئيس الأعلى للدولة، ومن يختارهم لمعاونته في إدارة شؤون البلاد، ويفوِّض إليهم بعض سلطاته.

وتسمى هذه الهيئة: السلطة، أو الحكومة، ويطلق عليها في بعض الكتب القديمة لفظ (الدولة). وسمَّاهم القرآن الكريم: (أولي الأمر)؛ أي الذين يتولون أمر المسلمين؛  وشؤون الدولة.

ووجود السلطة في الدولة، وإن كانت ضرورة اجتماعية إنسانية، كما قال أبو الأسود الدؤلي:

لا يَصلُح الناسُ فوضى لا سَراةَ لَهُم

وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

إلا أن الإسلام قد شدَّدَ في أمر إقامتها، واهتم لها، حتى صارت ضرورة دينيَّة ، تأثم الأمة بتركها، وفي هذا يقول الإمام الماوردي رحمه الله: (عقدها – أي السلطة والإمامة- لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع)[2]، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، لا قيام للدين إلا بها)[3]. ولذا سارع الصحابة رضوان الله عليهم في اختيار الحاكم، قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الموجبات الضرورية

ويرجع اهتمام الإسلام بإقامة السلطة في الدولة، للموجبات الأساسية العديدة التي تفرض قيامها، وما يتعلق بوجودها من مصالح ضرورية، وواجبات رئيسية، ومن ذلك ما يلي:

أولًا: المحافظة على سيادة الشريعة: بحيث تبقى الأصل الأصيل في الدولة: وهذا من أهم موجبات قيام السلطة في دولة الإسلام، وأول شيء يتحقق به ذلك هو خضوع أفراد السلطة لهذه الشريعة، واستمدادهم سلطتهم في الأمر والنَّهي من خلالها،  لا يقدمون آراءهم وعقولهم عليها، ولا يقدمون تشريعًا عليها، ويجعلون الرد في التنازع إليها.

كما تتحقق المحافظة عليها بحراسة دين الأمة وحفظ عقيدتها، والوقوف في وجه أصحاب الدعوات الهدَّامة، التي تسعى لتشويه هذه العقيدة، وعمل كل ما يؤمِّن بقاءها في نفوس الأفراد نقية صافية، (وإن ظهر مبتدعٌ، أو زاغ ذو شبهة، وضحت له الحجة، وبُيِّن له الصواب، وأُخذ بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل)[4].

ثانيًا: رعاية قيام أصول الدين وشعائره في الدولة، فشعائر الإسلام وعباداته التي تعد أصوله وأركانه الأساسية، بحاجة إلى سلطة ترعاها، وتقوم عليها، حتى تؤدَّى حق الأداء، ولذا قال الماوردي رحمه الله في أول ما يجب على صاحب السلطة، (حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة)[5].

فالصلاة التي هي ركن الدين الأعظم، تحتاج في إقامتها إلى أن تُنشئ السلطة المساجد، وتُعيِّن القائمين عليها من الأئمة والمؤذنين والعمال. ومراقبة إقامتها، وخصوصًا صلاة الجمعة. وإن ترك أهل بلد الأذان أو تركوا الجماعة، تدخلت السُّلطة لمعاقبتهم، وهذا مما أجمع عليه فقهاء المسلمين.

والأصل في فريضة الزكاة أن تتولى السلطة العليا في الدولة، (الرئيس أو من ينوب عنه) وضع هيئة منظمة تتولى جمعها وتحصيلها من أهلها، ثم توزيعها على مستحقيها، وجعل الإسلام لهذه الهيئة سهمًا في مصارف الزكاة، وسمَّاهم {العَامِلِينَ عَلَيْهَا}. وقد تولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الزكاة في حياته، وبعث نُوَّابه وعُمَّاله في البلاد الإسلامية، ليأخذوها من أغنيائهم ويردوها على فقرائهم. وهكذا سار الخلفاء بعده، حتى قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة، وتعاون معه الصحابة.

كما تحتاج فريضة الصيام إلى السلطة التي تشجع الصائمين على صومهم، وتتولى رعاية رؤية الهلال وتحري بدء شهر الصيام، وتعاقب من ينتهك حُرمة هذا الشهر بالإفطار، أو الإساءة للصائمين.

ولا يخفى حاجة فريضة الحج إلى السلطة، في تيسير أمر هذه الرحلة إلى البيت العتيق، من توفير الأمن لهم، وحمايتهم من المعتدين، وتعيين من يبين للناس مناسك الحج، وما يجب على من أخطأ في شيء، وتهيئة أماكن الشعائر كمنى وعرفات ومزدلفة لاستقبال الحجيج. ونحو ذلك.

ثالثًا: توجيه الحياة في الدولة وَفقا لقيم الإسلام وآدابه، ومن الموجبات الرئيسية لقيام السلطة في الدولة، توجيه الحياة والنظام العام في الدولة، بحيث يكون في خدمة الإسلام وتحقيق مثُله العليا، فمناهج التربية والتعليم، ووسائل الدعوة والإعلام، وأدوات التوجيه والإرشاد، بل حتى أدوات التسلية والترفيه، كلها يجب أن تتحد في تحقيق وتعظيم القيم العليا للإسلام في نفوس أفراد المجتمع، (وبذلك تكون رسالة المدارس والجامعات والقنوات الإعلامية، مكمِّلة لرسالة المساجد، ويكون الكتاب والرسالة والمجلة والصحيفة والقصة والمسرحية والفيلم والمسلسل، وكل نتاج العلم والأدب والفن في خدمة الإسلام، وتحقيق قيمه)[6].

وتقوم السلطة بقطع الطريق على كل من يحاول إفساد هذا الجو الإسلامي العام بإثارة الشبهات، أونشر الفتن، يقصدون بذلك التشكيك في الإسلام وزعزعة ثقة النَّاس فيه.

وتقوم السلطة بذلك من خلال أمرين: الأول: إقامة الحجة عليهم، وبيان الحق لهم، ورد شبهاتهم، وفضح مخططاتهم. والثاني: بمواجهتهم بالعقوبة المستحقة إن لم يرجعوا عن ذلك، ليكونوا لمن خلفهم آية.

رابعًا: وضع القوانين والتشريعات وإنشاء التنظيمات والمؤسسات، التي تنظم الجوانب الهامة للحياة في المجتمع، من أجل تحقيق الخدمات الصحية والتربوية والتعليمية والخدمات العامة، وفق أحدث ما توصل إليه العلم. فقد جعل الشرعُ لأصحاب السلطة سعة، تمكنهم من وضع ما يرونه من تنظيمات وتشريعات، تناسب الحوادث الغير متناهية في حياة الناس، في إطار المبادئ العامة للشريعة الإسلامية. ورسم السياسة العامة للدولة والعمل على تنفيذها. وتعيين الوزراء والنواب، والموظفين، ومراقبة أعمالهم، وعزل المفسدين منهم..ونحوه.

خامسًا: الفصل في المنازعات والخصومات، واستيفاء الحقوق ممن مطل بها، ومعاقبة المجرمين والجناة: فقد اقتضت المخالطة بين الناس، وقيام الاجتماعات البشرية، مع الاختلاف بين العقول والضمائر، حصول أنواع من الخلافات والنزاعات، ولذا كان من موجبات قيام السلطة في الدولة: الحكم فيما يحصل من خصومات، والفصل في المنازعات، والجرائم، والمظالم، واستيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها، وتوزيع العدالة بين الناس خضوعًا لما يقتضيه الحق والعدل.

وإقامة الحدود التي حددتها الشريعة، على الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، والذين يقتلون النفس بغير حق، والذين يرمون المحصنات الغافلات، والزانية والزاني، والسارق والسارقة. ووضع التعزيرات المناسبة لما عداها من الجرائم.

وبغير السلطة تسود الفوضى، وتضطرب الأحوال، وينتشر الظلم، ويتغلَّب القوي على الضعيف، وتحكم الناس شريعة الغاب.

سادسًا: حماية الدولة من اعتداءات المعتدين، فقد فرض الله الجهاد لحماية دعوة الإسلام، وأرض المسلمين، وحفظ حدودها، وإرهاب أعدائها، ليكون للمسلمين قوة وشوكة، وهذا يقتضي وجود سلطة تُنشئ جيشًا يقوم على الإنضباط والتنظيم والتفوق الإستراتيجي، ليكون أكثر جيوش العالم قوة وفعالية، يحمل جنوده العقيدة الصافية، يحب الموت في سبيل عزة الإسلام كما يحب أعداؤه الحياة. وهي التي تتولى أمر  إعلان الحرب، أو عقد الصلح والهدنة، وإبرام المعاهدات والاتفاقيات.

وهكذا تعدَّدت الموجبات التي جعلت قيام السلطة أصلًا رئيسًا من أصول نظام الحكم في دولة الإسلام. وقد جعل الشرع للسلطة مساحة كبيرة، تمارس فيها التنظيم وإصدار التشريعات والتشكيلات، التي تساعدها في تحقيق أهدافها، ما لم تتجاوز الأصول العامة الرئيسية. ولم يكن الشرع يومًا قيًدًا على السلطة أو مُصادرًا لها، كما يزعم بعض أعداء الشرع، بل يعطيها سندًا ودعمًا، ويجعل لها حقوقًا تُصان وحدودًا تُراعَى.

 


[1]– مقاييس اللغة لابن فارس (3/95) دار الفكر 1979م. وانظر: تاج العروس للزبيدي (19/374) دار الهداية. وانظر: معجم اللغة العربية المعاصرة للدكتور أحمد مختار عبد الحميد عمر (2/1093)، عالم الكتب ببيروت، الأولى 2008م.مادة (س ل ط)
[2]– الأحكام السلطانية للماوردي (15)، دار الحديث بالقاهرة.
[3]– السياسة الشرعية لابن تيمية (217) دار المعرفة.
[4]– الأحكام السلطانية للماوردي (40)، دار الحديث بالقاهرة.
[5]– الأحكام السلطانية للماوردي (40)، دار الحديث بالقاهرة.
[6]– انظر: الحل الإسلامي فريضة وضرورة، د. يوسف القرضاي (78)، مكتبة وهبة بالقاهرة، السادسة 2001م.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017