فكر

مسيحيو “شرقنا” ومسلمو “غربهم”

11 أبريل, 2017

75
مشاركة

في مطلع هذا الأسبوع طالعتنا وكالة الأنباء الفرنسية بتقرير عن المسيحيين في الشرق ،الذين وقعوا في نفس الأسبوع ضحية اعتداءين تبناهما تنظيم الدولة الإسلامية ،وأشار التقرير إلى أن جذور مسيحيي الشرق تمتد إلى الأيام الأولى للديانة المسيحية في المنطقة حيث يشكلون أقلية لكنهم عرضة لنزاعات دموية تدفع بأعداد منهم إلى الهجرة.

ليس ردا على تقرير الوكالة الفرنسية أوتشكيكا في سردها التاريخي والإحصائي لأوضاع المسيحيين في الشرق ،وهي التي سبق لها أن نشرت تقريرا واحدا عن أوضاع الجالية المسلمة فقط في فرنسا ،التي بلغت فيها الإسلاموفوبيا ذروتها..ولكننا في كل مرة يجري فيه الحديث عن استهداف المسيحيين في الشرق وعن معاناتهم وبؤس حياتهم وظروفهم اليومية ،نجد أنفسنا -وبدون سابق إنذار- نقع في بديهية المقارنة بين أوضاع المسيحيين في الشرق وأوضاع المسلمين في الغرب ،ونجد أنفسنا حبيسين هذه “الحالة الدينية” التي انتابت الشرق والغرب معا، فنذعن لسطوتها ،ونتعمق فكريا في البحث عن أسبابها وأهدافها ونتائجها ،لكننا في الأخير لا نصل إلى شيء يمكنه أن يضع حدا لهذا الاضطهاد المادي والروحي والجسدي. فمن يتحمل مسؤولية هجرة أو تهجير هؤلاء وأولئك؟ من يقف وراء استهدافهم وقتلهم ومضايقتهم؟

مسيحيو الشرق..إسهامات ومناصب

لا أحد يمكنه أن ينكر بأن المسيحيين في الشرق ساهموا بشكل بالغ في إحياء اللغة العربية التي قتلها عصر الانحطاط العثماني ،لا أحد ينكر بأن المسيحيين كانوا دعاة حضارة ونهضة وتمدن ، وساهموا في دفع حركة الفكر والنشر والثقافة إلى مصافات متقدمة للغاية. كما شكلوا وازعا ايجابيا للتنوع الديني والفكري أثرى روح الحداثة بل أن بعض المراقبين ربط وجودهم بالحداثة في الشرق.

ومن ثم فإن حماية مسيحيي الشرق، هي فعل لا علاقة له بعنصرية الغرب ،وهي شأن الشرق وليس الغرب ،لأنها دفاع عن ثقافة هذا الشرق وديانته وروحه التي يعلوها التسامح والإخاء والحرية ،وليس ثقافة “الحروب الصليبية” و”العمالة للغرب”.

من الطبيعي أن يكون في الشرق الإسلامي مسيحيون، وفي الغرب المسيحي مسلمون. فالمسيحيون الذين عاشوا في الشرق قرونا من الزمن لا يمكن إلا أن يكونوا مواطنين أصليين فيه ،و جزء أصيل منه تاريخا وحضارة ولغة ومواطنة، بل إنهم في بعض البلدان العربية يكادون يوصفون بالمسلمين ثقافة وعادات وتقاليد.

لم يعامل نصارى الشرق في يوم من الأيام رسميا أو أهليا على أنهم غرباء أو أقلية، بل مواطنون اختاروا لهم دينا مغايرا، ولم يَحُل هذا الاختيار دون وصولهم إلى كل ما يريدون اعتمادا على مؤهلاتهم وكفاءاتهم. والكل في الشرق منغمس في تفاصيل الحياة دون أن يلمس أي طرف أنه مغاير للآخر في شيء.

حماية مسيحيي الشرق، هي فعل لا علاقة له بعنصرية الغرب ،وهي شأن الشرق وليس الغرب ،لأنها دفاع عن ثقافة هذا الشرق وديانته وروحه التي يعلوها التسامح والإخاء والحرية ،وليس ثقافة “الحروب الصليبية” و”العمالة للغرب”.

ولم تسجل أي معاناة مقصودة لشخص اعتمادا على ديانته، وقد تصيب المعاناة الكثيرين لكن بالتأكيد ليست مرتبطة بدين. بل أن هناك مشاهير من المسيحيين العرب في السياسة والاقتصاد والعلم والفكر والأدب والرياضة والفن..لم يعرف أحد ولم يسأل أحد إن كانوا مسلمين أو مسيحيين. من مصر: بطرس بطرس غالي الامين العام السابق للامم المتحدة ونجيب ساويرس: الرئيس التنفيذي لشركة أوراسكوم تيليكوم.ومجدى يعقوب: طبيب القلب العالمي ونجيب الريحاني مؤسس المسرح المصري ورائد السينما المصرية ويوسف شاهين المخرج الكبير وهانى رمزى كابتن المنتخب المصري سابقا). ومن لبنان: فيروز الفنانة وجبران خليل جبران الكاتب والشاعر والياس جيمس خوري عالم الكيمياء الحائز على جائزة نوبل ورؤساء لبنان إميل لحود وميشال سليمان وامين الجميل..

ومن سوريا: غادة شعاع البطلة العالمية فى العاب القوى وميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وحنا مينة الاديب والكاتبز ومن فلسطين والأردن : ادوار سعيد الكاتب والناقد الأكاديمي و جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحنان عشراوي الباحثة والناشطة السياسية وعزمي بشارة السياسي والمفكر ونايف حواتمة مؤسس الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين ومروان المعشر وزير الخارجية ونائب لرئيس الوزراء الأسبق وعبير عيسى الممثلة. ومن العراق: طارق عزيز وزير الخارجية ونائب رئيس مجلس الوزراء وعمو بابا مدرب المنتخب العراقي…وعلى العموم قائمة المشاهير العرب المسيحيين طويلة جدا ولا يتسع المجال لذكر كل الأسماء.

مسيحيو الشرق من الخوف الى الهجرة

في العصر الحديث، كان المسيحيون حسب باحثين، يشكلون أكثر من 14% من إجمالي سكان المنطقة في بدايات القرن الـ20، إلا أن أعدادهم تضاءلت خلال القرن المنصرم لتصل إلى نحو 4%.

يشكل الاقباط الأرثوذكس أكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط وواحدة من أقدمها. ويقدر عدد أفراد هذه الطائفة بنحو 10% من اكثر من تسعين مليون مصري.

وجاءت التفجيرات التي استهدفت كنيستين في مدينة الإسكندرية وطنطا في التاسع من أبريل ضمن سلسلة هجمات متكررة ضد الكنائس في مصر منذ فبراير 2011. وتبنى تنظيم داعش الهجومين اللذين راح ضحيتهما 44 قتيلا وأكثر من 100 جريح.

ومعلوم أن الأقباط ينتشرون في مختلف مناطق مصر مع تركيز في وسط البلاد. لكنهم يشكون من ضعف تمثيلهم في الحكومة والبرلمان و استبعادهم من العديد من الوظائف في مجالات القضاء والجامعات.

العكس يحدث في لبنان الذي يعتبر الدولة العربية الوحيدة التي يتولى فيها مسيحي منصب رئيس الدولة فضلا عن مناصب حكومية كبيرة. ومع ذلك فإن الوجود المسيحي في لبنان كان يشكل حوالي 78% قبل قرن، لكنه تضاءل إلى حوالي 34%، حسب صحيفة “نيويورك تايمز الأميركية” التي عزت أحد عوامل هذا التضاؤل إلى انخفاض في نسبة المواليد بين المسيحيين، وليس إلى الاضطهاد أو الحروب أو التمييز الطائفي.

في العصر الحديث، كان المسيحيون حسب باحثين، يشكلون أكثر من 14% من إجمالي سكان المنطقة في بدايات القرن الـ20، إلا أن أعدادهم تضاءلت خلال القرن المنصرم لتصل إلى نحو 4%.

أما في العراق فيشكل الكلدان غالبية المسيحيين ، وكان عددهم يتجاوز 1.2 مليون،  أغلبهم يسكن العاصمة بغداد قبل سقوط نظام صدام حسين في 2003. لكن بعد هجرة الكثير منهم إلى خارج العراق بسبب الحرب وأعمال العنف تراجع عددهم إلى حوالي 350 ألف نسمة فقط. وفر المسيحيون من مناطقهم في شمال العراق بعد اجتياح تنظيم داعش قراهم ومدنهم، وإجبارهم على الاختيار بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، حسب شهادات مسيحيين فروا من الموصل.

في سوريا ليس هناك رقم دقيق لعدد المسيحيين هناك ،لكن التقديرات تشير إلى أنهم يشكلون بين 5 إلى 9 %من إجمالي السكان. واستهدفت الكنائس والأديرة في سورية أكثر من مرة منذ اندلاع الأزمة في البلاد أواخر عام 2011، وهاجر مئات الآلاف من مسيحيي سوريا إلى الدول المجاورة وأوروبا.

في فلسطين يعيش نحو 50 ألفا من المسيحيين في الضفة الغربية والقدس، معظمهم في منطقة بيت لحم ورام الله. وتعتبر بيت لحم مهد السيد المسيح، وكانت غالبيتها مسيحية قبل أكثر من نصف قرن لكنها أصبحت الآن ذات غالبية مسلمة. وبدأ عدد المسيحين بالانخفاض في قطاع غزة خصوصا بعد سيطرة ـ”حركة المقاومة الإسلامية” (حماس) عليه في 2007.

وتعيش أقلية صغيرة من المسيحيين في الأردن. وتشير الإحصائيات إلى أن نسبتهم انخفضت من 5% في 1970، إلى حوالي 3%. ويشغل المسيحيون تسعة مقاعد برلمانية من أصل 110 مقاعد في الأردن.

ماذا عن المسلمين في الغرب؟

منذ دخول منطقة الشرق الأوسط مرحلة الحروب المتنقلة بين لبنان وفلسطين والعراق ثم سوريا وليبيا واليمن..تراجع عدد المسيحيين تدريجيا لأسباب متداخلة راوحت بين السياسي والاقتصادي والديني. ولعل النزيف الديموغرافي للنصارى كما يسميهم المسلمون إخوانهم في التوحيد “لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون” لا يقل خطرا عن النزيف الديموغرافي للمسلمين الذين يهجرون بالآلاف من ديارهم.

فماذا عن المسلمين في الغرب؟ هذا الخليط من المواطنين الأصليين أو المهاجرين، سواء الذين هاجروا طلبا للرزق، أو فرارا من تعسف، أو نتيجة لفتن وقلاقل طالما كان الغرب نفسه متسببا في العديد منها.

الحقيقة أن كثير من المسلمين في الغرب ،لم يشعروا يوما بكامل حقوقهم ومطلق حرياتهم أو الأمن والأمان على مجمل أوضاعهم، رغم كثرتهم وإيجابياتهم وإسهاماتهم الفاعلة في بناء مجتمعاتهم ورفعة شأنها. فالخمار محظور في الأماكن العامة واللحى مشبوهة وممنوعة ولون البشرة غير مرغوب فيه وبناء المساجد غير قانوني في كثير من الدول، وإذا أنشأوها فلا مآذن تقام، ولا أذان يرفع على عكس ما عليه حال مسيحيي الشرق حيث تقام كنائسهم في كل مكان، وتنصب عليها الأجراس، وتقرع صبيحة كل يوم أحد وفي كل مناسبة.

إن ما يعانيه مسيحيو الشرق هو انعكاس لما يعانيه مسلمو الغرب ،والعكس صحيح .وفي مناخ أزمة عالمية تتلبد غيومها في سماء الشرق الأوسط دون غيره ،لا يمكن التفرقة بين الطرفين

وتُطارَد في الغرب الرموز الدينية للمسلمين، وتُمنع المسلمات من ارتداء ما يستلزمه الدين من لباس كالجلباب وغطاء الرأس والنقاب، وتسنّ القوانين وتصدر التعليمات لتجريم وتغريم المخالفين، وتتخذ الاجراءات والعقوبات.

و عندما اخترع الغرب تهمة “الإرهاب”، ألصقها بالمسلمين ،واتخذها وسيلة وذريعة لحرب الإسلام والمسلمين شرقا وغربا، فكلما حدثت حادثة تخريب أو قتل أو تفجير في أي مكان في العالم، سارعت أجهزة الغرب بالإدانة والتهديد والوعيد ،والبحث عن أدلة التي غالبا ما تكون مجرد حديث باللغة العربية أو قراءة آية أو نسخة من القرآن أو ترديد كلمة “الله أكبر” أو حتى “السلام عليكم”.

إن ما يعانيه مسيحيو الشرق هو انعكاس لما يعانيه مسلمو الغرب ،والعكس صحيح .وفي مناخ أزمة عالمية تتلبد غيومها في سماء الشرق الأوسط دون غيره ،لا يمكن التفرقة بين الطرفين ،الكل في سلة التوترات الدينية والطائفية المستعرة ،التي لا يمكنها الاستقرار إلا بإرساء عدالة عالمية ووضع حد للجشع والظلم الدولي.

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: مصادر متعددة
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017