كتب

“الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام” لـأندرو هويتكروفت

Feature image

ليس من شك في أنه أولى بالباحث أن يهرع إلى الكتاب ليتصفحه، ويعيش بين بنات أفكاره، وروائع مؤلفه ومبتكراته، ولكنه قد يلجأ إلى ما يروي غليله إن هو ظفر بملخص للكتاب الذي ينشده، وإن كانت همته لا تقعد به دون الظفر بأصل الكتاب، وعدم الوقوف على ملخصه، الذي يقدم صبابة لا تعدو ضوء مشكاة.

إن لملخصات الكتب أهمية في المجتمعات العلمية، إذ إنها تتيح للباحثين أن يتبادلوا تلك الملخصات بينهم، ويستفيد منها غيرهم، خاصة إذا أراد المرء أن يقرأ في غير تخصصه، فقد تعينه عصارة الكتاب المعروض، على تنمية وعائه المعرفي؛ ولقد ندبني أحد أساتذتي[1] الكرام إلى إعداد عرض عن كتاب: (الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام، لأندرو هويتكروفت)[2]؛ فانتدبت لذلك؛ وها فحواه بين يدي القارئ الكريم.

لقد ناقش كتاب: “الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام” لمؤلفه: (أندرو هويتكروفت)، مشكلة الآخر من خلال فصوله الأربعة عشر، وقد كلَّفه أزيد من عشر سنوات في البحث، قضاها بين المكتبات، وسافر إلى مختلف القارات، ليؤرخ لتاريخ طويل من الصراع اللفظي والدموي العنيف بين العالم المسيحي والإسلام؛ ولقد كشف المترجم (قاسم عبده قاسم) للقراء عن فحوى الكتاب في المقدمة، إذ إنه تحدث عن مدى التنوع الذي يتميز به هذا الكتاب، ومدى سعة اطلاع مؤلفه، فالكتاب طافح بأحداث تاريخية؛ ولقد “بدأ من معركة انتصر فيها أسطول الغرب مجتمعا على الأسطول العثماني في ليبانتو سنة 1517م”[3]، مما كشف لنا عن المنهج الذي اتبعه المؤلف في كتابه، والذي مفاده أنه “لم يحبس نفسه في إطار التتابع الزمني الكرونولوجي، وإنما اختار أن يتناول موضوعات متنوعة.. وقد اختار نقاط مناقشة موضوعه على أسس تاريخية وجغرافية في آن معا”[4]، فبعد أن تعيش مع الكاتب في مقدمته الطويلة التي صاغها بحس أدبي، تراه يطوف بك في نجود العلاقات العثمانية الأوروبية في لحظة تاريخية فارقة، وقد ناقش ذلك بإسهاب وافر، وقد كان غرضه أن يبين لقرائه “كيف كانت صورة (الآخر الكافر) في عيون المسلمين وفي عيون المسيحيين في القرن السادس عشر من خلال لقطات تصويرية درامية”[5] تمكن قلمه في رسمها، وقد أخذ عليه المترجم أن “ثقافته الغربية جعلته -في معظم الأحيان- واقفا على الشاطئ الغربي”[6].

ويلفت المؤلف الأنظار إلى أن التاريخ الذي عرضه في كتابه، هو المسؤول عن حدوث الاضطرابات الراهنة، حيث يقول إنه لا يمكن وضع حد لعداوات اليوم المعقدة والمربكة ما لم يواجه العالمان هذا الماضي المظلم.

ولقد كشف المترجم (قاسم عبده قاسم) للقراء عن فحوى الكتاب في المقدمة، إذ إنه تحدث عن مدى التنوع الذي يتميز به هذا الكتاب، ومدى سعة اطلاع مؤلفه، فالكتاب حافل بالتفاصيل الفرعية والمعلومات المفيدة، كما يميزه انتقاله من مسرح جغرافي إلى مسرح آخر، ومن فترة تاريخية إلى فترة تاريخية أخرى سعيا وراء صورة (الآخر الكافر) كما رسمها المسلمون للأوربيين في العصور الوسطى وفي العصور الحديثة؛ وكما رسمها الغرب للعالم المسلم منذ العصور الوسطى وتطورها حتى الآن، حيث ينتقل الكتاب بنا من العصور الوسطى إلى اللحظة الراهنة، ومن الفتوح الإسلامية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، ومن أقوال القساوسة والرهبان الذين كتبوا عن المسلمين الأوائل حتى ما قاله «جورج بوش» والكتاب والصحفيون الغربيون عن الإسلام والمسلمين حاليا.

ويبدو أن المؤلِف قد أحاط في كتابه بأبعاد ثلاثة، وهي: البعد التاريخي، الذي ركز من خلاله على الأحداث والوقائع والوثائق، ثم البعد الفلسفي، وقد حاول فيه أن يتساءل عن العلاقة بين العالَمين (المسيحي والإسلامي)، عسى أن يساهم في بناء أسس الحوار بينهما، مستعينا في ذلك ببعض الفلاسفة، أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(ستيفان غرينبلات)؛ وأخيرا ذلك البعد النقدي، الذي تراه واضحا حين ينتقد المؤلِف بشكل لاذع، ما ذكره من سير وراء أمور ساذجة، تجر إلى العنف والصراع.

ولقد قام الكتاب على مقاربة شمولية تركز على أهم الصراعات التاريخية المؤثرة وأمكنتها وفضاءاتها المعروفة (إسبانيا، البلقان، الشرق الأوسط، البوسنة، الخ)، كما إنه يذكر حقيقة هامة، ومفادها: أن الصراع بين الديانتين غالبا ما يتحول إلى حرب كلامية، حيث يسعى كل من أصحاب الديانتين إلى أن يغض من قدر الآخر وينتقص منه، ويرميه بأبشع الأوصاف والنعوت، ويكون ذلك بداية الحرب العنيفة.

وقد يلاحظ القارئ أن المؤلِف في دراسته التاريخية كان محايدا إلى حد ما، إلا أنه سرعان ما يدرك أنه تخلى عن حياده، وذلك عندما تناول الصراع الحديث بين العالَمَين، خاصة ما يتعلق منه بالحرب الأمريكية ضد الإرهاب في الآونة الأخيرة، إذ لا يتوانى المؤلف في الدفاع عن موقف إدارة (بوش) القاضي بخوض الحرب ضد العراق سنة 2003، بل وفي الدفاع عن الحرب ضد الإرهاب، وكثيرا ما ألفيتُ المترجم يتعقب المؤلِف، فيكشف أنه في بعض فصول كتابه لم يكن ذا إحاطة علمية وافرة، تؤهله للإتيان بالحقيقة، كما هو الشأن في الفتوح الإسلامية، التي يلفت المترجم الأنظار إلى أن مقارنتها مع ما جاء في مصادر التاريخ الإسلامي، سيجعل القارئ يدرك التناقض الصارخ بين ما ذهب إليه المؤلف وما ورد في هذه المصادر التاريخية[7]، كما أنه نقد وقوف المؤلِف في صف اليهود، وإقحامه لذكرهم بين ثنيا كتابه، حتى وإن لم يكن سياق حديثه  يقتضي بالضرورة إيرادهم[8].

وعلى الرغم مما يُؤخذ على المؤلِف، فإنه قد  أضاف – وهو من المتخصصين في التاريخ الحديث- بكتابه هذا، إسهاما علميا في التأريخ للصراع بين العالَمين: المسيحي والإسلامي، ونظرة كل منهما إلى الآخر.


[1] – لا يعزب عن ذاكرتي يوم وضع أستاذي الدكتور أحمد بزوي الضاوي –رعاه الله تعالى- بين يدي كتاب: (الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام، لأندرو هويتكروفت)، حيث توسم في صاحب هذه السطور القدرة على إعداد تقرير مفصل عن الكتاب الآنف ذكره؛ وذلك إبان الدراسات العليا (ماستر)، حيث شرفت بطلبه الذي وقع في نفسي موقعا حسنا، ولقد رأيتني عاكفا على قراءة ذلك الكتاب، مفرغا له في جذاذات، حتى أستشفَّ ما طرّسه مؤلفه فيه من معلومات تاريخية غزيرة.
[2] – ترجمة: قاسم عبده قاسم، ط 1، المركز القومي للترجمة، العدد 2072، القاهرة، 2013م. (عدد الصفحات: 633).
[3] – الكفار: تاريخ الصراع بين عالم المسيحية وعالم الإسلام، أندرو هويتكروفت، ترجمة: قاسم عبده قاسم، ط 1، المركز القومي للترجمة، العدد: 2072، القاهرة، 2013م، ص 7.
[4] – المرجع والصفحة نفساهما.
[5] – نفسه.
[6] – نفسه؛ بتصرف.
[7] – انظر ما كتبه المترجم في حاشية الصفحة 101
[8] – انظر في ذلك ما كتبه المترجم في حاشية الصفحة: 51، و الصفحة: 196.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة