X

دور التنمية الاقتصادية في التغلب على الهزات الاجتماعية

شكلت الهزات الاجتماعية والصراعات العرقية تحديات كبيرة للكثير من بلدان العالم، حيث أدت هذه الصراعات إلى تدمير مجتمعات وتشتيت شعوب وانهيار أنظمة. ويرجع الخبراء هذه المعضلة إلى مجموعة من العوامل منها ماهو داخلي ومنها ماهو خارجي، منها ما يأخذ شكل صراع على الثروة ومنها ما يأخذ شكل صراع على السلطة، غير أنما اتفق عليه خبراء علم الاجتماع والتنمية هو أن غياب العدالة والمساواة وتدهور الوضع الاقتصادي غالبا ما تشكل أحد أهم العوامل المساهمة في انهيار السلم المجتمعي.

في السنوات الأخيرة ركزت الأبحاث على أهمية التنوع العرقي في المجتمعات وكونه سلاحا ذا حدين، يمكن أن يكون سببا في تطوير المؤسسات الحكومية و المنظومة الديمقراطية بشكل عام ، إلا أنه في المقابل قد يشكل تحديا كبيرا للدول في ظل غياب العدالة و الديمقراطية.

رغم خطورة ما تتسبب فيه الصراعات الاجتماعية من خراب ودمار إلا أن أغلب الباحثين والمهتمين بشؤون الصراعات يغفلون الحل الاقتصادي الذي أثبتت الدراسات الحديثة نجاعته وقد جرب في عدة بلدان شهدت صراعات عرقية، كان لتطوير المنظومة الاقتصادية في هذه البلدان دور بارز ومهم في كبح الصراعات وتوحيد الجهود نحو الوحدة والبناء.

دروس من آسيا

تمتاز الدول الآسيوية بانتشار العرقيات بشكل كبير وقد تسبب ذلك في نشوب عدة أحداث عرقية في عدة دولة آسيوية مثل ماليزيا، تايلند، اندنوسيا وغيرها. في ماليزيا الدولة المتعددة العرقيات وتشمل (العرق المالاوي، العرق الصيني، العرق الهندي) لعب الحل الاقتصادي دورا أساسيا في التقارب بين هذه المجموعات بعد أحداث مايو العرقية التى شهدتها ماليزيا 1969 والتى شكلت تحديا كبيرا لمستقبل التعايش السلمي بين هذه المجموعات، إلا أن إرادة النخب والساسة وأهل الرأي استطاعت أن تنتشل ماليزيا من تلك الوضعية عبر سياسات اقتصادية ناضجة حدت من مستوى التفاوت بين الطبقات والتمييز في النشاطات الاقتصادية على أساس العرق. وهكذا تم تبني سياسة عرفت  ب The New Economy Policy  ركزت على مجموعة من الأهداف أهمها: استئصال الفقر من كافة شرائح المجتمع ثم إعادة هيكلة المجتمع من جديد في ضوء سياسات تقوم على المساوا والعدالة وإلغاء كافة أنواع التمييز بين مكونات المجتمع.

وتم استهداف المناطق الريفية بمشاريع تنموية وتعليمية عززت من وحدة المجتمع وغيرت نظرته و زرعت فيه قيم العلم والعمل كانت النتائج مذهلة وساهمت بشكل كبير في لحمة المجتمع بعد أن لمس الجميع روح العدل المساواة فمن سنة 1970 إلى 2002 انخفضت نسبة الفقر في المناطق الريفية من 58.6 سنة 1970 إلى 11.4 سنة 2002 ، أما في المناطق الحضرية فقد انخفضت نسبة الفقر من 24.6 سنة 1970 إلى 2 سنة 2002.

شكلت الخطة حلا نموذجيا للصراع العرقي في ماليزيا وحققت نتائج مبهرة ومن أهم نتائجها أنها خلقت جيلا يعتمد معايير العلم والمعرفة والكفاءة وخدمة الوطن بغض النظر عن اللون أو العرق أو المكانة الاجتماعية.

دروس من افريقيا

تعاني العديد من الدول الإفريقية في الوقت الحاضر من تحديات كبيرة في طليعتها  الأمن والاستقرار، حيث تشكل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وغياب المؤسسات الدستورية، والفساد والفقر عوامل اشعال لفتيل الصراعات العرقية والثورات الاجتماعية لشعوب هذه البلدان.

الصراع في البلدان يأخذ شكل صراع عرقي بين المجموعات المكونة لكل دولة وليس بين الدول نفسها. ويشير الخبراء واالباحثون في هذا المجال إلى أن أغلب الصراعات العرقية في إفريقيا هي بسب ثنائية الفقر و ضعف مؤسسات الدولة، غير أن آخرين يعتبرون السبب المباشر  والرئيسي للصراعات العرقية في إفريقيا ناجما عن حقبة الاستعمار السوداء حيث عمل على تجذير وتعميق الصراعات بين مختلف الطوائف من خلال زرع المشاكل وتأليب بعضها على بعض.

يبقى التفسير القائم عن غياب التنمية الاقتصادية وتساوي الفرص بين مختلف شرائح المجتمع هو التفسير الأقرب والحل الأمثل، ففي جنوب إفريقيا مثلا أخذ الصراع العرقي منحى التنافس على المصادر الاقتصادية حيث تسبب الوضع الاقتصادي لشرائح مجتمعة معينة إلى ظهور حركات عنصرية تتنافس فيما بينها مثل : (Xhosas, Zulus , Afrikaners) . على الرغم من القدرة على تشخيص الصراعات التى تعصف بالدول الإفريقية إلى غياب الاستراتيجيات الاقتصادية التى تسهم في حل المشكلة هو الطابع العام لمعظم حالات الصراع هذه، على الرغم من أن آسيا قطعت أشواطا كبيرة في تحقيق اللحمة الاجتماعية بين مختلف الشرائح والأعراق إلا أن إفريقيا ما تزال عاجزة عن التغلب على هذه المعضلة التى تهدم مجتمعات ودول بشكل متواصل في إفريقيا.

روبرت جاسكون نشر في المجلة الأمريكية الشهيرة (Atlantic Monthly)  بعد زيارته لأماكن الصراع في إفريقيا “الفوضى القادمة” حيث وصف إفريقيا بأنها نموذج حقيقي للفوضى العارمة، حيث تنهار المؤسسات الدستورية، وتضعف هيبة الدولة بشكل مستمر فاتحة المجال أمام صراع القوميات والأعراق .

في ظل تنامي الصراعات الإثنية وتسارعها لجأت العديد من الدول إلى سياسات اقتصادية مرنة تسهم في تقليص الفجوة بين مختلف شرائح المجتمع، وخلق نوع من التوازن عبر نشر العدالة والمساواة. كما ساهمت السياسات التعليمية ونشر الوعي بين مختلف فئات المجتمع إلى خلق جيل متصالح مع نفسه يهدف إلى البناء والتعمير و نشر ثقافة الاحترام والتقدير وجعل الكفاءة والنزاهة وخدمة الوطن هي المعيار الأساسي للمواطن الصالح والناجح بغض النظر عن لونه أو عرقه أو وضعه الاجتماعي.

الإمام محمد محمود :باحث اقتصادي