ترجمات

شجاعة العالم الاندونيسي أحمد اسم الدين لا يمكن إنكارها

25 أبريل, 2017

0
مشاركة

 *سيفيق حسيم

 

أفرزت انتخابات حاكم العاصمة الأندونيسية جاكرتا بعداً آخر خارج السياق السياسي، في استخدام العامل الديني بشكل منهجي وواسع النطاق للفوز بالأصوات.

وهذا في الواقع ليس جديداً على الانتخابات فى أندونيسيا، لكن وجه الاختلاف هذه المرة كان في الاستخدام التاريخي الأول لقانون التجديف والذي يحاكم بشأنه المرشح الصيني-المسيحي باسوكي تاهاجا بورناما أهوك بحجة أهانته للدين الاسلامي والذي خسر المنصب أمام المرشح أنيس باسويدان.

ورفع بعض المحافظين دعوى على  أهوك لأنه قال :” إن تفسير بعض علماء الدين لآية في القرآن تعتبر أن انتخاب حاكم مسلم واجب على المسلمين خطأ” .

ولم ينحصر الجدل حول هذه القضية في النواحي القانونية فقط، بل صاحبتها مناقشات دينية، وبدت هيمنة الداعين لتطبيق قانون التجديف على الخطاب الإسلامي العام في أندونيسيا.

واتهمت أغلب المنظمات الإسلامية المعتدلة – إلى حد ما – مرشح انتخابات جاكرتا (أهوك) بإهانة الدين الإسلامي  باستثناء الهيئة التنفيذية لجمعية نهضة العلماء.

وتجلى الأمر من خلال شهادة أغلب الزعماء الدينيين للجبهة الوطنية، والجماعة المحمدية، ومجلس العلماء الإندونيسي، والجبهة الإسلامية للدفاع عن حقوق الإنسان ضد المرشح أهوك.

في الجانب الآخر، عبرت أقلية صغيرة بشجاعة عن رأيها بعدم إساءة المرشح أهوك للإسلام، وصمت أغلب العلماء والناشطين من أصحاب الأفكار التي توصف بـ ” التقدمية ” – داخل المحيط الإسلامي – في التعبير عن آرائهم بسبب الخوف من اعتبارهم مدافعين عن المرشح  الصيني-المسيحي أهوك.

وفي ظل تجنب عدد من العلماء والناشطين الإدلاء بآرائهم حول القضية أمام المحكمة، وتفضيلهم التزام الصمت، صدم الشيخ الشاب أحمد إسم الدين الجميع بشجاعته أثناء الإدلاء بشهادته بصفته شاهدا خبيراً في محاكمة أهوك وتردد بعد ذلك خبر فصله من منصبه كنائب فى مجلس علماء أندونيسيا .

اختار إسم الدين المشاركة في القضية بدل الخيار الأسلم وهو الصمت، لذلك فإن شهادته أعطت دلالة جديدة على وجود هذا الصوت “التقدمي” بالرغم من هشاشته.

ويعد موقف الشيخ إسم الدين نادر بين العلماء العاملين في المنظمات الإسلامية الذين فضلوا التمتع بامتيازاتهم، واتخذ الرجل موقفاً مختلفاً من خلال دعم قيم العدالة والحرية باعتبارها أساسية في الإسلام، وذكرنا بموقف الرئيس الاندونيسي الشجاع الراحل وقائد حزب الاتحاد الوطني عبد الرحمن وحيد الذي قدم طلباً إلى المحكمة الدستورية لإجراء مراجعة قضائية لقانون التجديف عام 1965 وأيدته المحكمة .

الشيخ أحمد إسم الدين شاب ولد في جاوة ونشأ في عائلة دينية، أرسله والديه إلى عدد من المدارس الإسلامية تقع في جاوة الشرقية. وتميز اسم الدين بذكاءه الخاص، واتضح لاحقا اتقانه لمختلف العلوم الإسلامية.

وبفضل مهاراته استطاع إسم الدين حل عدد من القضايا المعاصرة، وتولى عددا من المناصب في هيئة الشريعة الإسلامية داخل جمعية نهضة العلماء، ومن المعروف في أندونيسيا أن الحصول على هذا المنصب ليس بالأمر السهل حيث يتطلب مؤهلات عالية جدا في العلوم الإسلامية كما أن هيئة الشريعة ترمز إلى أعلى سلطة داخل الجمعية.

عكست شجاعة الشيخ إسم الدين حقيقة قدرة الحركة الإسلامية الحقيقية في التعامل مع قضية التجديف المخيفة، ودفاعه عن المرشح أهوك لم يكن من باب الإشارة إلى الحرية الدينية وحقوق الإنسان فقط، بل أستند على حجج علمية من مصادر اسلامية كلاسيكية مثل تفسير القرآن، وقواعد الفقه والنظريات القانونية الإسلامية، وأوضح في دفاعه كيف أن الإسلام يحفظ الحريات الدينية وقضايا حقوق الإنسان.

في المقابل، كشفت قضية المرشح أهوك أن التيار الإسلامي التقدمي أثبت ضعف قدراته في نشر رسالته للجمهور العام مما أثار تساؤلات المراقبين على وسائل الإعلام حول نجاح خطاب الإسلام التقدمي في أندونيسيا.

تحظى أندونيسيا بوفرة في عدد العلماء لكن اختيار غالبيتهم الصمت أو اتخاذ مواقف متشددة فيما يتعلق بقضية المرشح أهوك، وهي منصة هامة جدا للتعبير عن المثل العليا للدين، كانت مخيبة للآمال.

حقيقة تحتاج الحركة الإسلامية التقدمية في إندونيسيا لدعم أفكارها “البارعة” ولكن قضية أهوك بينت أن الأفكار وحدها لا تكفي، مما يدعوا لتنفيذ هذه الأفكار ضمن عمل حقيقي.

إن المأمول والمتوقع من علماء المسلمين الانحياز لقضايا العدالة والحرية دون خوف، وهذا لا يعني تجاهل المخاطر.

 


*مدير المركز الدولي للإسلام والتعددية في جاكرتا
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017