فكر

قبل 120 عامًا.. لماذا تقدمت بريطانيا وتأخرت فرنسا؟

27 أبريل, 2017

49
مشاركة

يبدو أن سؤال النهضة، أو سؤال التقدم والتأخر بالنسبة لنا وللآخرين، الذي شغل العقل المسلم قبل قرن – ولا يزال – لم يكن سؤالاً في الدائرة الإسلامية فحسب، بل كان الفرنسيون أيضًا مشغولين به، وقريبًا من هذا التوقيت؛ رغم الفارق بين الحالتين الفرنسية والإسلامية، بطبيعة الحال.

فقبل 120 عامًا، في العام 1897م، أصدر الفرنسي إدمون ديمولان كتابه المهم: “سر تقدم الإنكليز السكسونيين”([1])، يبحث فيه عن الفارق بين المشهدين الإنكليزي والفرنسي؛ ولاحقًا، بعد ثلاثين سنة تقريبًا، وتحديدًا في سنة 1930م، سيسأل الأمير شكيب أرسلان السؤال ذاته، لكن في سياق المشهدين الغربي والإسلامي، من خلال كتابه الأبرز: “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم.

وليس هذا المقال معنيًّا بالمقارنة بين الإجابتين؛ فقد أخذت إجابة الأمير أرسلان حقها من التعقيب والنقاش، لكن أود التوقف عند أهم ما جاء بكتاب ديمولان، خاصة مما يمس حالتنا الراهنة ويمكن أن نفيد منه.

بداية، نلاحظ أن سؤال التقدم والفارق الحضاري قد شغل كاتبًا فرنسيًّا، مقارنةً بحالتَيْ بلاده وبريطانيا، رغم أن هاتين الدولتين كانتا تبدوان لنا في سياق حضاري متقدم، وبفارق كبير؛ لكن حتى داخل السياق الحضاري الواحد توجد فوارق. ومَنْ يتطلعون دومًا للأمام هم من ينشغلون بها، ولا يرضون بالدرجة التي أحرزوها، مهما بدت متقدمة عن آخرين كثيرين.

في “سر تقدم الإنكليز” تطرق ديمولان إلى الفوارق بين المشهد الانكليزي والفرنسي- وأحيانًا الألماني والأمريكي- من خلال ثلاثة أبواب.

تناول في الأول منها: نظام التعليم في المدارس، وفي الباب الثاني: معيشتهما الخاصة؛ من المسكن، والملبس، والزواج، والمواليد، والوفيات. أما في الباب الثالث: فتناول: حياتهما العمومية؛ فقارن بين أهل السياسة في البلدين، وتطرق إلى مزايا الحرف المستقلة والصنائع الفنية، ثم تناول معنى الوطن والوطنية، وحقيقة التضامن والتكافل، وأحسن حالات الاجتماع لتحقيق السعادة، وأمارات نهوض المسألة الاجتماعية.

الكتاب- كما يقول مترجمه أحمد فتحي زغلول باشا – اشتهر بمجرد نشره، وعظم شأنه، وتهافت الناس على مطالعته. ورغم أن المؤلف لم يترك منقصة في الفرنسيين إلا أذاعها وندد بها، فإنهم لم يلوموه؛ بل احترموه، وعرفوا أنه يحب أمته، ويطلب النفع والفخار لهم.

ومن بين النقاط الكثيرة التي قارن فيها المؤلف بين حالها عند الفرنسيين والإنكليز، أتوقف عند تربية الأبناء، ودور الخطاب الوعظي (يسميه المؤثر الأدبي) بالمسألة الاجتماعية.

تربية الأبناء

يقرر ديمولان أن “طريقة التربية المستعملة الآن، لم تعد صالحة في الغرض المقصود منها، وأنه لا بد من العدول عنها”.. ثم يشرع في توضيح كيفية معاملة الأمم المتقدمة أبناءها.. موجزًا ذلك في النقاط الآتية([2]):

أولا: لا يعتبر الرجل فيها أن الأبناء ملك له، وجزء من ماله متمم لذاته، كأن الأب يعيش في بنيه بعد وافته؛ بل ينظر إليهم بصفتهم أفرادًا مصيرهم إلى الاستقلال عنهم. ولذلك، لا همّ للآباء إلا تعجيل هذا الإطلاق المحتم، على النحو الأكمل. فلا يحملهم حبهم لأنفسهم على ابتلاع أبنائهم، وإلصاقهم بجانبهم، وتعويدهم ما اعتادوا.

ثانيًا: من عادة أولئك القوم أن يعاملوا أبناءهم منذ نعومة الأظفار كأنهم رجال؛ كل واحد منهم قائم بذاته، مستقل عما سواه؛ وبهذا يصير كل واحد رجلاً كبيرًا وذاتًا حقيقية؛ إذ لكل امرئ من دهره ما تعود؛ أما نحن فنعامل أبناء كالأطفال وهم صغار وهم كبار وبعد أن يصيروا رجالاً! لأننا تعودنا أن نعتبرهم أطفالاً لعلة أنهم أطفالنا.

ثالثًا: يلاحظ الآباء في التربية حاجات الأمة المستقبلة في الحياة، غير ملتفتين إلى ما اقتضاه الماضي ودرج عليه الجيل المتقدم؛ فلا ينصبون أنفسهم أمام أبنائهم مثالاًً يمشون عليه.

رابعًا: لتلك الأمم عناية كلية بصحة الأبناء وتربية قوتهم الجسمانية إلى الحد الممكن؛ إنماءً لهمّتهم المادية. وهم لا يطلبون تلك القوة بالإفراد في الرياضة البدنية، بما يؤدي لضعف الجسد؛ وإنما هم من ذوي الحذق في معرفة لوازم الجسم.

خامسًا: يعود الآباء أبناءهم منذ الصغر على الاشتغال بالأعمال المادية؛ فلا يخافون أن يتركوهم وحدهم يروحون ويغدون، ويكلفونهم بعض الأعمال التي تليق بسنِّهم، ويقصدون أحيانًا أنها تكون فوق ذلك.

سادسًا: يعلم الآباء عادةً أبناءهم صناعة يدوية؛ لأن تلك الأمم لا تحقر تلك الصنائع ذلك الاحتقار العظيم الذي نجده من نفوسنا، بل إنهم تخلصوا منذ زمن طويل من هذا الوهم الذي أضر بنا أكثر من مائة كسرة في موقف القتال؛ فلا يعتقدون بأن من الصنائع ما هو شريف ووضيع، بل يرون- كما هو الأصح- أن الناس رجلان: كفوء وغير كفوء، وأنهم: عامل وكسلان. وهكذا يصير ابن اللورد زارعًا أو صاحب مصنع أو تاجرًا، ولا ينقص هذا مثقال ذرة من شرفه ومنزلته.

سابعًا: يسبق الآباء أبناءهم على الدوام في معرفة جميع الضروريات النافعة؛ شأن الأمة التي تهتم بالمستقبل، وتلتفت إلى الصنائع الجارية التي يتقدم فيها التفنن كل يوم، لا إلى الوظائف الإدارية التي لا تغيير فيها ولا تبديل.. وتبني آمالها في النجاح على قوتها الذاتية.

ثامنًا: لا يستعمل أولئك الآباء سلطتهم على أبنائهم إلا قليلاً، بل يدخرونها للأحوال العظيمة الاستثنائية؛ ذلك أنهم يعتبرونهم مستقلين عنهم كأنهم رجال كما قدمنا، ولا يتأتى أن يربَّى الرجلُ مقهورًا على الدوام تحت سلطة غيره، ولو كانت السلطة أبوية. وعليه، فإنهم  يرون أن التربية الحقيقية المثمرة هي التي تكون بالتدريب والتدريج. لذلك تراهم يستعملون الإيماء والنصح، أكثر مما يستعملون القسر والأمر.

تاسعًا: يعلم الأبناء بأن الآباء لا يتحملون نفقتهم بعد تربيتهم؛ أما الفرنساويون فكلٌّ يسأل صاحبه: ماذا تريد أن يكون ولدك؛ فيجيب: سأجعله قاضيًا، أو موظفًا إداريًّا، وهكذا. وما هذا إلا لاعتقاده أنه يكون والدًا حقيرًا إذا لم يتدبر مستقبل ابنه، ويهتم بتشكيل الحرفة التي يحترف منها حسب ما يراه صوابًا نافعًا.

وهكذا نرى تربية تثمر شبابًا فاعلين في مجتمعهم ونهضة بلادهم، معتمدين على أنفسهم، قد تسلحوا للحياة بما يلزم من مهارات علمية وعملية ورياضية، غير متكلين على جاه الآباء وثرواتهم.

الخطاب الوعظي والمسألة الاجتماعية

يتعرض ديمولان لإشكالية مهمة مثارة في واقعنا الراهن، وهي: هل الخطاب الوعظي أو الأخلاقي- الذي يهتم به “الدعاة الجدد”- كفيل بإصلاح مجتمعنا، وتحقيق ما نصبوا إليه من نهضة حضارية؟

وبصورة أعم: هل الدين وحده- من حيث هو عبادة، بالمعني الضيق للكلمة، أي المعني الشعائري- هو الحل للمسألة الاجتماعية، وللتدهور الحاصل فيها؛ أم إن الأخلاق، والدين عمومًا، يلزمهما بيئة اجتماعية معينة، حتى يتحولان من مجرد أفكار صالحة إلى أفكار فاعلة؛ وأننا بغير إيجاد هذه البيئة لن نفلح في إخراج مجتمعاتنا من مأزقها الراهن؟([3]).

يبين ديمولان أن العالم منتقل دائمًا من حال إلى حال، غير متوقف. وهذا الانتقال يفصل الدهر إلى قسمين؛ ماض ومستقبل… وأن المعيشة تحولت من هدوء واستقرار، إلى حركة وتجديد واختراع. ومن أهم ما تجب ملاحظته أنه ليس في وسعنا اختيار إحدى الحالتين؛ لأن الحالة الجديدة صارت ضربة لا مفر منها (ص: 107، 108).

ويضيف: “ومعلوم أن تغير طرق المعيشة يستلزم تغيير حالة العالم بأجمعه. ومن هنا، تولدت المسألة المعروفة الآن بالمسألة الاجتماعية؛ وهي عبارة عن البحث في وسائل الحياة” (ص: 108).

ويوضح أن في مقابل هذا التحول المعيشي الاجتماعي، ظهر “فريق من الناس يطلب من علم الأخلاق الأخذ ببني الإنسان للنهوض مما آلوا إليه من الانحطاط” (ص: 333).

ثم يتساءل: هل تضحية الذات وتذليل النفس وحب الغير، وهي التي يجمعها قولهم (المؤثر الأدبي)، تؤدي لزومًا إلى رفع شأن العالم الإنساني، وإيجاد النظام الاجتماعي المطلوب؟ هذا هو محل البحث وموضع النظر (ص: 335).

ويجيب، نافيًا أن يكون له موقف سلبي من الدين: أنا أجهر بمخالفتهم، وأقول بأن (المؤثر الأدبي)- مهما عظم فعله- لا يكفي للقيام بحاجة الهيئة الاجتماعية، ولا أبالي إذا أخجلتهم بشذوذي عنهم، وأخجلت معهم قومًا آخرين. على أني لست من اليائسين الذين خرجوا عن جميع الأديان؛ ولكني من المؤمنين التابعين لمذهب مقرر في الدين، ولي كنيسة أركن إليها” (ص: 335).

فـ (المؤثر الأدبي)، أي الخطاب الوعظي الأخلاقي، لا يكفي- بحسب ديمولان- لتحقيق سعادة الأمم، ودوام نعيمها، وتحصيل مجدها الاجتماعي؛ وإنما ينقصه شيء آخر؛ فقدانه هو  السبب في تخلف الغرض المراد (ص: 343).

ويضرب مثلاً مهمًّا قائلاً: “فلنبحث حينئذ عن ذلك الشيء الذي يعوزنا. وليسمح لي القراء أن أضرب في البيان مثلاً أستعيره من الإنجيل، وأظن بهذا التشبيه لا أغضب أصحاب (المؤثر الأدبي): يمكن تشبيه (المؤثر الأدبي) ببذرة؛ تُنبِت إن غُرست في أرض صالحة، ولا تنبت إن خَبُثَ مَغرسُها. وعليه، فلجودة الأرض وفسادها تأثير عظيم” (ص: 343).

ويقرر أن عدم نجاح أصحاب (المؤثر الأدبي)، ما هو إلا مسبَّب عن ذلك الاعتقاد الفاسد بأنه لا تأثير لطبيعة الأرض التي تُلقَى البذور فيها، وبأنه من العبث الالتفات إليها (ص: 344).

ويخلص إدمون ديمولان إلى أن “طبيعة الأرض الاجتماعية سببٌ من الأسباب الجوهرية، التي لها التأثير العظيم في نجاح (المؤثر الأدبي) وخيبته” (ص: 345).

ويضيف: “وجب إذن أن يُبدأ بتغيير النشأة الاجتماعية ذاتها، إن كان المرادُ الوصولَ إلى فائدة صحيحة؛ أعني أنه ينبغي البدء في الإصلاح بأوله. وأول ما يجب البدء فيه عندنا، حتى يكون (المؤثر الأدبي) صالحًا للغرض المطلوب: تربية الرجال وإعدادهم للحياة الحقيقية” (ص: 346).

ويوضح ديمولان أن الوسط الاجتماعي في فرنسا- حينئذ- يجعل الشباب ذا إرادة جامدة، وهمة خاملة، وعزيمة مرتخية، وغيرَ قادر على الكد والعمل؛ بل ميالاً للهرب من الصعاب لا راغبًا في مغالبتها، يبحث عما في الحياة من المسليات لا عن الجديات؛ وبالتالي، يمسي غير قابل لتأثير ذلك (المؤثر الأدبي)؛ الذي يطلب الكد، ويوجب على الإنسان أن يقهر نفسها ليملكها (ص: 347).

وينتهي إلى أنه: “وجب إذن تغيير هذا الوسط قبل كل شيء، وأن يكون تغييره على النحو الذي يوجب نموَّ هِمَم الأفراد الذاتية؛ وبعبارة أخرى: توجيه الناس إلى اعتناق (الحياة الحقيقية)” (ص: 348).

ثم يعرض ديمولان لبعض المؤشرات التي رصدها في المجتمع الفرنسي، ورآها مبشِّرة على نهضة تتشكل؛ مثل: الاختلاط بالجنس الإنكليزي والتعلم منه. التنديد بنظام التعليم، وإدراك الحاجة لتغييره؛ حتى ينشأ شباب يعتمدون على أنفسهم باستقلال وإقدام. إدخال التربية الرياضة ضمن البرامج الدراسية؛ فالشباب الرياضي أكثر همة وأقدر على تحمل أتعاب الحياة. إدراك الحاجة إلى الحرف المستقلة، لا الوظائف الإدارية. هبوط الفائدة  على المال، من خلال طَرْقِ أبوابٍ جديدة للاقتصاد تَزيد الدخول.

وما أكثر النقاط التي تناولها إدمون ديمولان في “سر تقدم الإنكليز السكسونيين”، والتي يمكن أن نفيد منها ونحن نبحث عن سؤال التقدم والتأخر بالنسبة لنا مقارنةً بالآخرين.


([1]) ترجمة أحمد فتحي زغلول باشا، طبعة المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2005م. وصدرت الطبعة الأولى من الترجمة سنة 1899م.
([2]) المصدر نفسه، ص: 114- 119، باختصار وتصرف يسير.
([3]) نذكر هنا، ما أشار إليه مالك بن نبي في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، من أن صوابية الفكرة لا يعني أنها فاعلة دائمًا.. وأن فاعلية الفكرة لا يعني أنها صائبة دائمًا. فالأخلاق- والدين عامة- أفكارٌ صائبة، لكنها قد لا تكون فاعلة في ظرف ما، وفي مجتمع معين؛ لأسباب كثيرة.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019