فكر

 التبادل التجاري بين بلدان اتحاد المغرب العربي وسبل تعزيزه

1 مايو, 2017

0
مشاركة

نصت معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي على أهداف مركزية في الميدان الاقتصادي وعيا بمكانته ودوره الحاسم في الوصول إلى وحدة واندماج كامل لبلدان منطقة المغرب العربي، فقد نصت المادة الثالثة في بعض بنودها على السعي إلى:

“تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لهذه الغاية، خصوصا بإنشاء مشروعات مشتركة وإعداد برامج عامة ونوعية في هذا الصدد”.

ويشكل التعاون التجاري أحد آليات التكامل الاقتصادي المهمة، باعتباره مدخلا طبيعيا في اتجاه بقية أشكال التكامل الاقتصادي المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى، أو المتعلقة بتنسيق السياسات الاقتصادية والمالية المختلفة سبيلا إلى تحقيق التكامل التام أو الإندماج.

وهناك بعد آخر متعلق ببنية اقتصاديات بلدان المغرب العربي، حيث تشكل التجارة الخارجية ركيزة أساسية ومحورا رئيسيا للنشاط الاقتصادي في هذه البلدان.

لقد انعكست هذه الحقائق على مسار العمل المغاربي المشترك، على مستوى الأبعاد النظرية والبنية القانونية ووضع الإطار التنظيمي اللازم، وذلك ما يظهر بوضوح في حجم الاتفاقيات ذات الصلة، وعلى مستوى إنشاء الهياكل من لجان مركزية متخصصة ولجان وزارية قطاعية، لكن هل انعكست تلك المساعي على أرض الواقع بتطوير التجارة البينية لبلدان الاتحاد، وتنسيق السياسات القطاعية وتأهيل البنى التحتية اللازمة؟ واتخاذ التدابير الفنية والتوجهات المركزية بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة تؤهل هذه البلدان لمراحل لاحقة في مسار تطور عملية التكامل والإندماج المأمول؟ تلك التساؤلات تقودنا إلى السؤال الرئيسي التالي:

إلى أي حد تمكن الاتحاد المغاربي بأطره التنظيمية المختلفة من تسهيل وتكثيف التجارة البينية والتبادل التجاري؟

وتفريعا عن ذلك:

ماهو واقع التجارة البينية المغاربية؟ وما هي العوائق التي تحول دون الوصول إلى مستويات مرْضية لها؟ وما هي السبل التي تكفل تعزيزها؟

يمكن القول إن تاريخ السابع عشر من فبراير 1989 تاريخ ذو دلالة عميقة ومكانة بارزة في ذاكرة شعوب بلدان المغرب العربي لترجمته من خلال الإعلان عن قيام اتحاد المغرب العربي لطموحات وأحلام هذه الشعوب التي تجمعها أواصر القربى وتُجمع نخبها وشعوبها على استحالة تحقيق الرفاهية  في ظل سياسات الدولة القطرية التي فشلت في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن  ثم باتت آمالها معلقة بسير حكوماتها نحو التقارب وتحقيق الإندماج والتكامل الإقتصادي والوحدة السياسية.

إن مقومات التكامل الإقليمي والتوحد عديدة بين هذه البلدان، ففضلا عن روابط الدين واللغة التي تجمع كافة البلدان العربية فإن هناك خصائص ثقافية و جغرافيا سياسية واقتصادية يجب أن تشكل مدعمات خاصة ومحفزات إضافية للتعجيل بوحدة إقليمية بين هذه بلدان المغرب العربي.

كما تمتاز المنطقة بموقع استراتيجي حيوي بحكم تواجدها على ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبامتداها للعالم العربي وإشرافها على افريقيا السمراء وقربها من الاتحاد الأوروبي.

وفي ظل عالم محكوم باعتبارات المصالح يصبح التكتل والتعاون المشترك ضرورة حياتية، وبالخصوص لمواجهة استحقاقات التعامل مع التكتلات الجهوية في العالم، وللتعاطي مع الوضع الدولي المتعلق بتحرير التجارة العالمية، وسيطرة اقتصاد السوق وتغول الشركات العابرة للحدود وتعدد مناطق التبادل الحر.

لقد تم إنشاء المغرب العربي لتحقيق أهداف شعوبه في التقدم والرفاهية، وتم النص في معاهدة الإنشاء على هدف التكامل الاقتصادي من خلال مادتين، نصت إحداهما (المادة الثانية) على أن من بين أهداف إنشاء الإتحاد: “العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال بينها”.

ويشكل التبادل التجاري والتعاون التجاري أحد آليات التكامل والتكتل الاقتصادي المهمة لما يسهم به من بناء قاعدة اقتصادية قوية ولما يتيحه للمجموعة من سبل التنسيق على مستوى السياسات وعلى مستوى التعامل مع الخارج.

وتطرح الشراكة المتنامية مع الأجنبي (مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية) ودعوات المسؤولين الأوروبيين للدول المغاربية لشراكات اقتصادية وجود استحقاقات للتعامل مع هذه الدعوات والمشاريع بما يحقق مصالح شعوب المنطقة. ومن ذلك تقوية وتدعيم قوة هذه الدول مجتمعة أمام التجمعات الإقليمية الأخرى كالآسيان( ASEAN) والالينا( ALENA) في أمريكا اللاتينية، والاتحاد الأوروبي (UE).

وتقتضي الدراسة المتأنية سبر جوانب الموضوع بما يمكن من الإطلاع على المدعمات والحوافز الدافعة لقيام وتطوير التبادل التجاري، كما يقتضي النظر فحص العوائق التي تعرقل قيام تجارة بينية نشطة بين بلدان الإقليم، كما يتطلب الأمر الوقوف على مصير الاتفاقيات والمعاهدات وتعامل البلدان المغاربية مع الاستحقاقات الخارجية والتكتلات الإقليمية والجهوية الأخرى، وهو ما سنقوم به من خلال الجوانب التالية:

  • مدعمات ومبررات التبادل التجاري المغاربي.
  • عوائق نمو التبادل التجاري.
  • حجم التجارة البينية في الإقليم.
  • سبل تطوير التبادل التجاري المغاربي.

المدعمات والمعوقات

إن مواجهة تحديات جمة تتمثل في عصر التكتلات بشكل منفرد، هو الأمر الذي لا زالت الدول المغاربية تمارسه في مناخ دولي “يطرح مجموعة من التحديات (على هذه الدول): التكامل الاقتصادي، اكتساب المعرفة ووسائل التكنلوجيا والإعلام، ناهيك عن اتفاقيات التبادل الحر وتحرير التجارة العالمية من القيود الجمركية بالإضافة إلى التطور التكنلوجي الهام الذي أدخل ثورة في حركية الأموال والاستثمار، مما جعل دور الدولة منحصرا لفائدة التجمعات الاقتصادية والسياسية الجهوية”.

وتطرح التكتلات الإقليمية ـ بمقتضى المنطق – على الدول المغاربية أن تتعامل معها كتلة واحدة، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك، فلا زالت كل دولة مغاربية تسعى على حدة لإبرام اتفاقات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يضعف القوة التفاوضية للمجموعة أمام تكتل متحد وقوي، وقل ذات الأمر مع التكتلات الأخرى، إن السعي في هذا الدرب هو تفريغ لاتحاد المغرب العربي من فحواه، ومردوديته، وتحويل اللقاءات الدورية للِّجان الوزارية المختلفة والهياكل الفنية المركزية إلى لقاءات شكلية وجهود مهدورة.

وتتيح الموارد الطبيعية الوافرة وبعض الخصائص المتعلقة بهذه الدول ميزات نسبية مدعمة للتكامل الاقتصادي عموما، وخادمة للتبادل التجاري، فتوسيع حجم  السوق  بوجود  سوق مشتركة حجمها أكثر من80 مليون نسمة..وتوافر العمالة والعمالة الكفوءة – تتميز هذه الساكنة بفتوتها من خلال ارتفاع الساكنة النشطة (بين 15 و65 سنة)- وبتقارب الطموحات وانسجام الدوافع الحضارية وتقارب الأذواق الثقافية، بما يتيح قوة بشرية وديموغرافية دافعة للتقدم والنماء. كما تتوفر بلدان المغرب العربي على كميات مهمة من الموارد الطبيعية الأساسية:  المغرب: يتوفر على أكبر احتياطي عالمي من الفوسفات، والجزائر وليبيا: إمكانيات هامة من البترول والغاز الطبيعي، وموريتانيا: احتياطي مهم من الحديد وثروة سمكية.

كما يمكن توجيه اقتصادياتها إلى مستوى من تقسيم العمل (بذور) الصناعات التحويلية والنسيج في المغرب وتونس، والصناعات البتركيماوية والثقيلة في الجزائر.والصناعات الاستخراجية والاقتصاد الريفي في موريتانيا.

وقطعا تشكل الإرادة السياسية عائقا أكيدا أمام هذه المستهدفات، فلا زالت الاتفاقيات التجارية الموقعة حبرا على ورق، ولم تستطع هذه البلدان تجاوز خلافاتها البينية، خصوصا المتعلقة بالمشاكل الحدودية بين المغرب والجزائر، والموقف من الصحراء الغربية، والصراع على الزعامة، مما ألقى بظلاله على مجمل التعاون المغاربي ووقف عثرة كبرى في سبيل تطوير مشاريعه التكاملية المختلفة.

ومع ذلك فإن السبب في تأجيل وإضعاف التعاون التجاري المغاربي ليس محصورا في المشكل السياسي؛ فهناك عوائق بنيوية لازالت تقف حجر عثرة أمام تطوير التجارة البينية  “فاقتصاديات الدول المغاربية تتميز بفقر تنوعها حيث تعتمد أساسا على المواد الأولية بنسبة تفوق 90% من الصادرات: المحروقات بالنسبة للجزائر وليبيا والمعادن (الفوسفات أساسا) بالنسبة للمغرب (والحديد والذهب) بالنسبة لموريتانيا، كما أنها اقتصاديات تبادلية، بمعنى أنها قائمة على التجارة مع العالم الخارجي بنسبة كبيرة جدا (التجارة تمثل 87% من الناتج الداخلي لموريتانيا)” (والمغرب مثلا يوجه أكثر من 65% من منتجاته نحو السوق كما أنه يستورد منها أكثر من 52% من احتياجاته). كما أن ضعف التنوع يضعف اقتصاديات هذه البلدان، ويضاعف من تبعيتها للخارج ويزيد من تأثرها بالصدمات الخارجية.

كما يشكل اختلاف الاختيارات التنموية والسياسات الاقتصادية جانبا آخر من هذه العوائق، وخصوصا سياسات الحماية الجمركية والقيود على التجارة الخارجية عند البعض والانفتاح في السوق وتحرير التجارة عند البعض الآخر.

وتُسهم عوائق الحدود المغلقة وحواجز الجمارك وغياب البنية التحتية لتسهيل حركة البضائع والأشخاص في إضعاف التجارة البينية.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019