كتب

المثقفون العرب ومتلازمة ميدان تيانانمن

10 May, 2017

21
مشاركة

يحاول الكاتبان عمرو عثمان ومروة فكري اختبار فرضية إصابة المثقفين العرب بما سمياه “متلازمة تيانانمن” وهي المتلازمة التي تعكس أنانية المثقف المتمثلة في نظرته المعجبة لنفسه وتقييمه للأوضاع من زاوية ذاته فقط وازدرائه لغيره من فئات وطبقات المجتمع واعتبارهم غير مؤهلين لاستحقاق الديمقراطية، بل وعدم ممانعته إذا اضطرته الأوضاع من فرض وصايته على الشعب من خلال ممارسة نوع من “الاستبداد المستنير”  إما بنفسه وإما من خلال التحالف مع أنظمة استبدادية تحقق له بعض مطالبه المتعلقة بالحريات العامة.

ويحاول مؤلفا كتاب “المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن” تأكيد هذه الفرضية من خلال تحليل خطاب بعض المثقفين العرب خلال القرنين الأخيرين حيال الديمقراطية، فضلا عن مواقفهم مما أطلق عليه (الربيع العربي) الذي جسد في الوعي العام العربي والعالمي سعي العرب إلى اللحاق بركب الدول الديمقراطية التي يكون الشعب فيها هو مصدر السلطات.

ذهبت الدراسة إلى أن الديمقراطية الشعبية “لم تكن قط من القضايا الأساس والملحة التي شغلت المثقفين العرب في المدة التي يطلق عليها “النهضة العربية” وما تلاها” ص58، ذلك بأن اهتمامات النقد الثقافي العربي شغلت بقضايا أخرى مثل الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، التفكير العقلاني والتفكير الدوغماطي (الديني)، النظرة إلى التاريخ والتعامل معه بنزعة تاريخانية في مقابل “الماضوية الطوباوية” التي تقدس التاريخ وتفتقد إلى روح النقد وقضايا التجديد الديني إلخ.

ويستخلص المؤلفان هذه النتيجة من خلال ثلاثة كتب تؤرخ للفكر العربي خلال مائتي عام المنصرمة، أول هذه الكتب هو كتاب “الفكر العربي في العصر الليبرالي” للمفكر اللبناني البريطاني ألبرت حوراني، حيث “لم يفرد حوراني أي مساحة لقضية الديمقراطية إلى درجة أن مجرد مصطلح الديمقراطية لا يظهر في فهرس مفردات الكتاب” ص58، الكتاب الثاني هو “المثقفون العرب والديمقراطية: عصر النهضة 1875-1914، للمفكر الفلسطيني هشام شرابي، وهي تقريبا نفس الفترة التي يتناولها حوراني، ويصنف شرابي المثقفين العرب إلى علماء (رجال دين) مسلمين محافظين وإصلاحيين، ومسلمين علمانيين ومثقفين مسيحيين، ويذهب شرابي –حسب المؤلفان- إلى أن المثقفين المسلمين المحافظين منهم والإصلاحيين على السواء “لم تكثر اهتماماتهم بالعملية الديمقراطية باعتبارها جزءا من مشروع الإحياء الإسلامي على اختلاف فهمهم لمتطلباته” ص60ـ.

أما الكتاب الثالث فهو للباحثة اللبنانية إليزابيث سوزان كساب (Contemporary Arab Thought: Culture Critique in Comparative Perspective)، وهو كتاب يسعى إلى توثيق القضايا الأساس التي شغلت المثقفين العرب من إرهاصات عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى أدبيات ما بعد نكسة حزيران/يونيو وعام 1967 والمراجعات التي نشأت عنها، ويتضح من خلال مؤلفته –حسب الكاتبان- أن الديمقراطية لم تكن مشغلا رئيسا للمثقفين العرب رغم أن “كثيرا من الأدبيات التي يتناولها الكتاب كتبت بعد التجربة العربية الطويلة والمهلكة مع الاستبداد السياسي، وما ارتبط به من ضياع حقوق الإنسان كلها” ص62.

ضمور وأحيانا غياب الديمقراطية عن مشاغل كثير من مثقفي العرب يقابله الحديث عن “الحرية” وعن “الحريات العامة” مما يثير التساؤل حول ما إذا كان ذلك “محاولة من بعضهم للمراوغة والالتفاف حول دور الديمقراطية في تحقيق أهداف النهضة، ومنها الحرية (على اختلاف تصوراتها)، إما بسبب عدم الاقتناع الكامل بها بوصفها وسيلة إصلاح (في عصر النهضة مثلا) وإما بسبب اليأس من إمكان تحققها في ظل بيئة من الاستبداد السياسي الكامل والقمع الأمني الشامل في أغلبية الدول العربية(في النصف الثاني من القرن العشرين)” ص73.

عكس المثقفين الأوائل فإن الدراسة وصلت إلى أن المثقفين العرب المعاصرين عالجوا موضوع الديمقراطية وملحقاته بكثرة غالبة وذلك من خلال تحليل كمي وكيفي للمقالات المنشورة في مجلة “الديمقراطية” بين عامي 2000 – 2014 ، لكن متلازمة تيانانمن ظهرت بارزة من خلال التحليل حيث تبرز نفسية تسفيه المجتمع وفرضية غياب الرشد عنده وبالتالي عدم صلاحيته للديمقراطية.

وقد طرح كثيرون من الذين شملتهم الدراسة موضوع ضرورة نشر الثقافة الديمقراطية قبل تطبيق الديمقراطية وهي جدلية عقيمة تنتج دورا تسلسليا لا نهاية له، فأيهما تنتج عن الأخرى؟ هل الثقافة الديمقراطية تنتج ممارسة ديمقراطية أم الحكم الديمقراطي هو الذي ينتج الثقافة السياسية الديمقراطية، وقد سخر أحد الصينيين من طرح أصحاب حركة تيانانمن فقال:”هل هناك أمة قادرة على ممارسة الديمقراطية منذ لحظة وجودها؟ وهل هناك أمة ديمقراطية انتظرت حتى تعلم جميع أفرادها ممارسة الديمقراطية لتطبقها؟ إن الديمقراطية عملية ممارسة، وتعلم الديمقراطية لا يأتي إلا من خلال الممارسة”

ليس مستغربا التشابه بين موقف المثقفين العرب ومثقفي ميدان تيانانمن الذين رأوا أن التحاق العمال بحركتهم المطلبية كان وراء فشلها، والذين كانوا ينظرون إلى الديمقراطية من خلال ذواتهم غير آبهين بتداعيات ذلك على المجتمع، فركزوا على الحريات العامة التي تهمهم بدل المطالبة بحكم ديمقراطي يشترك في بنائه ورعايته كل أفراد الشعب، إن “كلا الفريقين لم يرث تراثا فكريا صلبا فيما يخص الديمقراطية وما يتعلق بها من قضايا، الأمر الذي يجعل الديمقراطية قضية نخبوية منذ البداية لا تراثا يستلهمه أفراد الشعب عامة ويتطلعون إليه” ص121.

المشكلة هو أن ما تطلق عليهم الدراسة مثقفين هم أشخاص منخرطون في أتون الصراع الإيديولوجي حتى النخاع ويقدمون أفكارهم في قوالب اصطفافية صريحة، فمثلا يعرف المفكر المصري الليبرالي مراد وهبة الديمقراطية من خلال عناصر أساسية يسميها “حزمة الديمقراطية” هي: التسامح والعلمانية والتنويروالليبرالية، بل إنه يعتبر الديمقراطية بدون علمانية هراء غير مفيد ويشبه صندوق الانتخابات بدون علمانية بصندوق الموتى، من هنا يكون وجود الحركات الإسلامية معوق للديمقراطية، من وجهة النظر هذه.

وهذا ما صرح به حازم الببلاوي الذي أرجع عدم تشجيعه التطبيق الآني لديمقراطية الإجرائية إلى غلبة التيار الديني وتمتعه نسبيا بأكبر قدر من القوة في الحركة والننظيم وعدم وضوح رؤيته بالنسبة لمفاهيم الديمقراطية الليبرالية. ص91.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 17/2019