فكر

هوس الاستهلاك حين يصيب الفقراء

14 مايو, 2017

18
مشاركة

تقدم أدبيات نقد المسار الحضاري للرأسمالية الصناعية واستراتيجيتها السوقية، الكثير من الملاحظات على مستوى الأخطار البيئية وعلى المستوى الاجتماعي والنفسي الذي يشكله توظيف التجارة والصناعة بالشكل الخاطئ، فناقوس الخطر الذي تدقه هذه الأدبيات ذو أبعاد مختلفة، اجتماعية وحضارية، ونحن لا نبتغي من هذه الإثارة جرد حساب كامل للحمى الاستهلاكية التي تصيب الناس في كل بقاع العالم..لكننا نبتغي بالأخص التنبيه على الخسارة المزدوجة التي تتكبدها مجتمعاتنا الفقيرة، حين تتورط ثقافيا في التبني اللاشعوري والغريب للعادات المرَضية التي أنتجتها أوضاع اجتماعية وسياقات حضارية غربية، فلا شيء أكثر إثارة للحزن من أن يُبتلى الفقراء بالأعراض الناجمة عن التخمة اللاأخلاقية للأغنياء، ولا شيء أكثر بشاعة من اجتماع الخسران الأخلاقي والفقر المعنوي مع الفقر المادي والتخلف الحضاري والعمراني..

الضخ الإعلامي والانفتاح التجاري المفاجئ الذي بشرت به مؤسسات بريتون وودز والقوى السياسية / المالية الغربية، أخذ المجتمعات العربية فجأة ودون أدنى تدرج من مجتمعات تكافلية قنوعة وكادحة إلى مجتمعات جشعة وأنانية، وتحول التفاوت الطبقي من مشكلة عدم مساواة عمودية إلى عقدة فردية وظاهرة أفقية، وتكلُفٍ جماعيٍ للذهاب في طريق مستحيل، تتم التضحية فيه بالعادات الاستهلاكية المستجيبة لأوضاع الناس إلى عملية تنميط جماعية للأذواق، مظهرها الظفر بالسلع الكمالية والتفاخرية. ومنذ التسعينيات من القرن الفائت باتت معايير التقدير واكتساب الحركية الاجتماعية مرهونة بالشكل الخارجي/الشيئي، وبالمستوى المادي المؤهل للانضمام لطبقة واحدة من المستحيل اللحاق بها في ظل وضع اقتصادي لا يقدم للنشاط الاقتصادي سوى الطلب الاستهلاكي المحموم.

نفسيا، باتت غصة ردم “فجوة الاطلاع” لامتلاك المزيد من ما تكتسبه “الطبقة” من سلع ومقتنيات طريقا إلى التشرذم والأنانية والمزيد من الانعزال، وبات المعنى مرهونا بالأشياء وامتلاك المزيد من الأشياء..وأضحى النشاط السياسي الذي كان مدخلا للتضحية وسيلة للتسلق واختصار الزمن نحو الثراء الفاسد، وتحول المناضلون السابقون والمثقفون المتعلمون إلى أعضاء اركسترا في ركاب الحاكم العسكري الفاسد بعد أن قهرتهم المعايير الاجتماعية والثقافة الاستهلاكية السائدة المتطلعة للمتاع بشره.

ولأن النضال يعني التحمل والتضحية لم يعد هناك مكان في دين الليبرالية للمناضل إلا بقدر ما يعلن عن نفسه، ويساوم على سعره..فالإنسان الاستهلاكي ضعيف التحمل، فقير في إنسانيته وتطلعه المعنوي، وجوهر الإنسانية التي تهبها الربانية هو القوة أمام الأشياء..

لكن المفارقة أنه في حين يقدم بعض علماء الاجتماع انعدام الروابط العائلية والحرمان العاطفي والاجتماعي في الغرب باعتباره السبب في جنون الاستهلاك، يقف المرأ مشدوها أمام الانقلاب القيمي والثورة على الخصائص الروحية والاجتماعية للبلدان النامية، خصوصا مع  انقلاب الهرم الاستهلاكي في البلدان النامية، حيث يتسارع استهلاك السلع الفاخرة والكمالية في الوقت الذي لازال فيه العربي والمسلم محروما من ضرورات حياتية وأساسيات سلعية.

تشكيل الأذواق وأسلمة السوق

تنخرط النخب السياسية الغربية الساعية دوما إلى التفوق والنخب المالية والتجارية التي تدر عليها الشركات متعددة الجنسيات ريع العالم، في هذا المسار:

في الولايات المتحدة حيث انطلق السعار الاستهلاكي نحو العالم، بفعل التحقق التام للنموذج الليبرالي، اقتصاديا واجتماعيا، تم العبور من المحددات التقليدية للاستهلاك، الاقتصادية والاجتماعية المتمثّلة في حجم الدخل وفِي الجماعة المرجعية (الطبقات الاجتماعية المتقاربة)، إلى حالة هستيرية صنعتها الدعاية التلفزيونية ممثلة في صناعة الإعلانات وفِي القيم التي تحملها البرامج والسينما، وحَدد الميل الاستهلاكي نفسه من خلال التعاطي المباشر للأفراد بشكل لا إرادي مع حياة مثالية من المتعة والسعادة تخلقها الأشياء التي تتملكها الطبقة الثرية..وهكذا ستتحول القيم الأمريكية في الاستهلاك التفاخري والرفاهي إلى العالم.

المجتمعات العربية شكلت الحلقة الأضعف في هذه “الأمركة”، الاسم الحركي للعولمة كما يقول الكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز، فمع قدوم رسل الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة في سبيل الوعد بحركية اجتماعية واقتصادية وجد المستهلك العربي نفسه في المعمعمة؛ واردات سلعية تقذف بها الصناعات العالمية يوميًا، مسبوقة ومصحوبة بسنابك خَيل الإعلان الذي يعد بالمتعة اللامحدودة للتشكيلات السحرية لسلع الرفاهية الممهورة بالعلامات التجارية التي تمنح المكانة والسعادة والسحر الاجتماعي الذي لا يقاوم.

وقبل أكثر من عقد كانت الظاهرة الإسلامية على موعد مع نموذج جديد من الدعاة يقدم نفسه بصورة المسلم العصري الناجح والمتأنق “والقوي”، وتم التكلف لحشد تفسيري لبعض النصوص الشرعية المبشرة بالطبقة الوسطى العليا المتدينة والطبقة الثرية، ولم لا فالمسلم القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..لقد تحولت الخيرية بسحر مخرج البرنامج التلفزيوني الذي يُنتقى له شباب وسيم وفتيات محجبات بحجاب موضوي قادم من أشهر بيوت الأزياء الأوروبية، إلى التأنق المبالغ فيه الذي يمنحه الثراء والتشبه بالثراء..

منذ ذلك الوقت حاول نموذج تديني مظاهري اكتساح المجال العام، وبدى أن الثقافة الاستهلاكية المعولمة وجدت ضالتها في مبشرين يختصرون طريقها للعقول والقلوب، فالله جميل يحب الجمال..وتم اختزال الجمال والجلال في وميض السلع التفاخرية التي تخلب الألباب وتسحر العقول..وكنا حينها على موعد مع خبراء يبشرون بموت المشروع الإسلامي بقيمه الجهادية والسياسية/ الاجتماعية لصالح “تدين لذيذ” يبشر باللاتكاليف..

نعلم أن الإسلام أكبر من أن يختصر في صيحة من صيحات المادية التعيسة، ونعلم الآن أن نموذج الشهيد محمد الزواوي والشهيدة أسماء البلتاجي سيظل أكبر حضورا وأعمق أثرا وأبهى  جمالا وجلالا من نموذج الشباب التلفزيوني المبشر بصناعة مشوهة للحياة، ولكننا مجبرون على التأكيد على خطورة بقاء تلك الثقافة واستمرار سحرها المضلل..

الاستهلاك.. أم الإدخار؟

كما في أغلب العلوم، هناك الآراء الشائعة والآراء الصحيحة، أو المعطيات المجتزأة والمعطيات الأكثر إحاطة، الاستهلاك كما يود أن يقول المدرسيون والايديولوجيون الليبراليون، دون كثير عناء؛ هو تحقيق منفعة زائدة للفرد، وهو حافز للنمو والإنتاج..

ولكن ما يجعل حمى الاستهلاك مميتة هو أنها تطال فقط السلع التفاخرية والغالية، دون السلع العامة والضرورية، وهو أمر يصيب النظرية الاقتصادية الراصدة لسلوك المستهلك بالحيرة، ويطرح علامات استفهام على فرضية الرشد الاستهلاكي والمنطقي الذي يمكن أن تتبع النظرية الاقتصادية التقليدية مساره..

على المدى الطويل ما الذي يمكن أن يحفز الانتاج حين يتشكل الطلب من إنفاق تنافسي تفاخري لا يعتمد في معاييره على الإمكانات الفعلية للقطاع العائلي..

الوجه الآخر الأهم والمسكوت عنه، هو أن ادخار القطاع العائلي هو الذي يحرك الاستثمار من خلال الوساطة المصرفية، ومن ثم الانتاج والتشغيل وتحقيق النمو..وإذن فتنشيط الادخار من خلال بث الوعي به هو الذي يحقق تراكما استثماريا أسرع؛ وهذا هو لُب التجربة الآسيوية، فالعمال وصغار المستثمرين في الصين يضحون بجزء من دخولهم لقاء دخول مستقبلية أفضل ..وإحصائيا يدخرون نصف دخولهم، في حين يشكل الادخار ثلث دخول اليابانيين..

النتيجة الحتمية للإنفاق الاستهلاكي المتزايد والادخار القليل هو تزايد الدين الداخلي بالنسبة للبلدان المنتجة (حالة أمريكا)، وفِي البلدان التي تشكل وارداتها السلعية ضغطا على الميزان التجاري لها، كما هو حال أغلب البلدان العربية تكون النتائج كارثية حقا..

في كل الأحوال لقد كان المدخل لإصابة الناس بهوس الاستهلاك، على الأقل في بلدان التبعية، هو الانفتاح الاقتصادي الموجه من طرف بلدان المركز، والمستنصِر بالضخ الإعلامي الكيدي، واليوم سيكون فضح سياسات الانفتاح التبعية ونشر الوعي الاستهلاكي الصحيح أحد السبل المهمة لمقاومة هذا القصف السحري الزائف. وهو فوق ذلك استرجاع للمعنى وللخصوصية وللإمكان الحضاري لمجتمعاتنا.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017