فكر

العرب خارج الزمان العالمي 

التقرير الاستراتيجي العربي 2016

16 مايو, 2017

42
مشاركة

في العام 1985 صدر العدد الأول من التقرير الاستراتيجي العربي، وعلى امتداد خمسة وعشرين عاما لم يتوقف التقرير عن الصدور، وفي التقرير الأخير الصادر في الأيام الأولى من شهر مايو 2017 عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، في (597) صفحة من القطع الكبير، ومزود برسوم بيانية وخرائط، وجداول إحصائية، رصد لما جرى من أحداث في العام 2016، ومحاولة لصياغة رؤية كلية لمجمل الأحداث عالميا وعربيا ومصريا.

ولعل القارئ للتقرير بمعلوماته الكثيفة، يتوقف عند معلمين كبيرين.

أولهما: أن العالم يشهد تحولات وحالة اضطراب تنذر بتغيرات عميقة وواسعة في بنية النظام الدولي القادم، وستؤثر حتما في تماسك الدول والمجتمعات؛ ويعد تصاعد نزعة السيادة لدى الدولة الوطنية أحد ملامحها الكبرى.

ثانيهما: أن العرب في ظل هذا التغير العالمي الكبير مازالوا يحجزون مقاعدهم خارج الزمان العالمي، فهم بعيدون عن دائرة الفعل أو التأثير حتى في قضاياهم المصيرية.

العالم يتغير

خريطة العالم تشهد تحولات كبرى تمثلت في حضور قوى دولية على مسرح الأحداث بقوة، وفي مناطق نفوذ يتعدد فيها المتنافسون، لعل أهمها هو الحضور الروسي في الساحة الدولية بعد الأزمة السورية، ناهيك عن موقف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الإيجابي من روسيا، حيث أدى هذا الموقف إلى ابتعاد ملحوظ لواشنطن عن حلفائها التقليديين في أوروبا الغربية، خاصة مع إعلان ترامب أن بلاده لن تدافع عن أي أحد بلا مقابل، ورغم أن صعود ترامب كالرئيس الـ(45) للولايات المتحدة يؤشر لعدم اختلاف كبير عن سياسة سابقة أوباما تجاه الشرق الأوسط، فإن ذلك يعني وجود احتمالات كبرى لإنهاء حالة العسكرة للسياسة الخارجية الأمريكية، أي أن الولايات المتحدة لن تلجأ إلى استخدام قوتها العسكرية خارج حدودها وفي مناطق الأزمات إلا في أضيق الظروف، ورغم وجود تنافس وتنازع استراتيجي كبير بين الولايات المتحدة والصين في منطقة بحر الصين الجنوبي، لكن ذلك التنازع لن يقود إلى حالة من الصدام بين العملاقين.

وعلى المستوى الأوروبي كان الشرخ كبيرا إذا صوت الناخبون البريطانيون في يونيو 2016 بخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي والذي شاركت فيه بريطانيا منذ العام 1975، مع وجود أصوات عالية في اليمين في فرنسا وهولندا بضرورة خروج بلادهم-أيضا- من الاتحاد، وهو ما يؤشر لاتجاه عالمي قادم نحو التجزئة الدولية، وصعود الروح القومية والسياسات الانعزالية، كذلك ينذر بأن الاتحاد بات مقتربا من شبح الضعف، وتحول مشكلات اللاجئين الشرق أوسطيين لتصبح من الشواغل العالمية، وظهور اتجاه بين الدول الغربية على توزيع أعباء تزايد أعداد اللاجئين بينها.

وعلى المستوى الاقتصادي العالمي مازالت الصين واستثماراتها الضخمة تغزو العالم خاصة في إفريقيا، وعززت الصين تلك الاستثمارات بأطر مؤسسيه مثل “منتدى التعاون الاقتصادي الصيني الأفريقي”، وبعض الإعلانات المشتركة التي تحكم العلاقة بين الجانبين مثل “إعلان بكين”، غير أن الصين تكاد تكون ركزت علاقاتها مع إفريقيا على استغلال النفط والمواد الخام، فضلا عن توسع الشركات الصينية في العمالة الصينية بالقارة، بما يعني أن كثيرا من تلك الاستثمارات أشبه بالاستغلال للقارة السمراء.

أما الهند، ذلك العملاق الآسيوي، فرغم فرصها التنموية وصعودها الاقتصادي فإنها تعاني من مشكلات حقيقية في الإدارة البيروقراطية والفساد ومحدودية مصادر الطاقة وبعض نقاط التوتر العسكري مع بعض جيرانها خاصة باكستان، وهو ما يعني أن حضورها كمنافس تجاري عالمي مازالت تحيطه الكثير من العقبات والمشكلات.

وعلى مستوى أمريكا اللاتينية فهناك أزمة يعاني منها اليسار الحاكم بسبب انحساراته مع تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وهي تراجعات كبيرة في البرازيل وفنزويلا والأرجنتين وبوليفيا والإكوادور، وربما يؤشر هذا لتراجع حضور الإيدولوجيا اليسارية في أحد معاقلها الكبرى عالميا.

العرب…الغائبون عن المشهد

العرب يعيشون خارج الزمان العالمي، حقيقة يؤكدها “التقرير الاستراتيجي العربي”، فالعرب فاقدون للتأثير حتى في قضاياهم المصيرية، فإحدى السمات المعاصرة للدولة العربية هي فقدانها لمصداقيتها بعد أن زادت الفجوة بين النخب المتحكمة سياسيا واقتصاديا نتيجة احتكارها الثروة والسلطة، وبين الجماهير، وهو ما ينذر بتفكك على مستوى الدولة والمجتمع؛ إذ تبقى المشكلة المزمنة عربيا هي ضعف مناعة الدولة الوطنية بسبب مشكلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو ما يسمح بتدخلات دولية وإقليمية، وبروز بعض التنظيمات المتطرفة، فهشاشتها السياسة وقوة القبضة الأمنية الداخلية، والأزمات المجتمعية أدت إلى ضعف في الدولة واضطراب في المجتمع، من ثم حالة تراجع كبيرة، أثرت سلبا على المسار الديمقراطي الذي تراجعت فرصه بعد فشل الثورات العربية في تحقيق مقصدها في تأسيس دولة الديمقراطية والكرامة الإنسانية.

وكانت أبرز ملامح أزمة النظام العربي، سيطرة مفهوم الأمن الوطني على تحركات الدول العربية، وزيادة حساسيات الدول العربية لمسألة السيادة، وزيادة الاهتمام الدولي والإقليمي بالمنطقة العربية، وهو ما أوجد تدخلات سافرة وتنسيقات عربية منفردة مع تلك القوى الدولية والإقليمية على حساب التنسيق العربي، مع عودة بعض الدول الكبرى لسابق عهدها في المنطقة ومحاولة استرجاع نفوذها التقليدي وتأثيرها في المنطقة مثل (روسيا وفرنسا وبريطانيا) وهو ما أعاد إلى الذاكرة ذكرى اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها مائة عام، وفتت الخريطة العربية، ورغم مرور ذلك القرن فلم يزدد العرب إلا تفتتا وانقسما وتشرذما، وغيابا عن الساحة الدولية.

وتجلى تراجع الحضور العربي في مظهرين كبيرين.

أولهما: ضعف التأثير العربي في قضاياه الكبرى، خاصة في الأزمتين السورية واليمنية حيث أفسح النظام العربي المجال للقوى الإقليمية ودول الجوار خاصة تركيا وإيران وإسرائيل لتكون أكثر تأثيرا في قضاياه، وكانت الجامعة العربية، بيت العرب، نسيا منسيا عما يجري على أراضيها، وبخصوص الأزمة السورية فشهد العام تحسنا في موقف النظام السوري ضد القوى التي تقاتله، وزادت قسوة الظروف على الثورة السورية مع تصنيف بعد التنظيمات التي تقاتل نظام الأسد بالإرهابية، رغم مجازر الأسد المخيفة ضد الشعب السوري.

ثانيهما: تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية؛ ففي ظل انشغال العرب بأزماتهم، وضعف مناعتهم السياسية، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي لم تعد قضية العرب المركزية، وهمهم الأول، حيث كان قرار مجلس الأمن بشجب الاستيطان الإسرائيلي بمباركة أمريكية وليس عربية، كذلك لذا لم يأت رفض المغرب عقد القمة العربية على أراضيها إلا تعبيرا عن حالة العجز العربي التي لم يعد حتى في إمكانها أن تصدر بياناتها الاستنكارية التقليدية.

أما إسرائيل فقد استطاعت في العام 2016 أن تجتنب أية مهددات أمنية وعسكرية، من خلال التصعيد المنضبط مع حماس، وتحييد حزب الله اللبناني الذي تراجعت شعبيته بحدة في المحيط العربية نظرا لمساندته العسكرية لنظام الأسد الدموي، كما كانت الانقسامات بين فتح ونفسها، وبين فتح وحماس، وبين حماس والتيارات الجهادية الفلسطينية، تصب في صالح ميزان القوى الإسرائيلي، وهو مأزق يبدو أنه سيمتد لفترة في الواقع الفلسطيني.

مصر المتأزمة

تحدث التقرير عن مصر وأزماتها، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكن بعض عباراته جاءت فضفاضة، فيرى أن البلاد شهدت حالة استثنائية منذ يناير 2011، وأن مؤسسات الدولة أخذت تستعيد دورها عام 2016، كلمات التقرير تعاملت بحذر مع كلمة “الثورة”.

ومع تشابك الأزمات التي تعصف بالمجتمع والدولة المصرية، فإن “التقرير الاستراتيجي” يصر على أن يعتبر أداء الرئاسة يفوق أداء الحكومة، ويتهم الحكومة بأنها تراجعت في التعامل مع الأزمات الداخلية والملفات الطارئ والمستجدة، وربما يرجع السبب في تراجع الدور الحكومي إلى سيطرة المؤسسة العسكرية على كافة مفاتيح التأثير والقوة في الدولة والمجتمع على حساب بقية القوى والمؤسسات الأخرى، وهو ما جعل الوزارات والمؤسسات لا تملك السلطة الحقيقية في اتخاذ القرار، لذا جاء الحديث عن السبب في تراجع الدور الحكومي، على استحياء شديد، وبكلمات محدودة ويمكن فهمها بأكثر زاوية.

ووجه “التقرير الاستراتيجي” انتقادات لأداء المؤسسة التشريعية معللا الدور الباهت لمجلس الشعب بحداثة خبرة النواب بالعمل البرلماني، رغم أن التجربة البرلمانية المصرية مضى عليها أكثر من مائة وثلاثين عاما، ورغم ذلك فإن مجلس الشعب أقر مجموعة من القوانين التي تمثل خطرا حقيقيا على المجتمع المدني، فأقر ما عُرف بـ”قانون القصبي” نسبه إلى النائب عبد الهادي القصبي، حول الجمعيات الأهلية، وهو القانون الذي يقيد عمل أكثر من (47) ألف منظمة أهلية تعمل في المجتمع المصري، ويتيح القانون للسلطة التدخل في عملها وربطها بالخطة التنموية للدولة وليس بحاجات المجتمع، كما يقرر عقوبات بالسجن على أخطاء بسيطة قد تقع فيها تلك المنظمات، وكشف “قانون القصبي” عن عمق الأزمة بين الدولة والمجتمع في مصر، وكان صدور قانون “تنظيم الإعلام” وسيلة من إحكام السلطة لقبضتها على مجال الرأي.

ويرصد “التقرير” تصاعد الدور السياسي للسلطة القضائية، ولعل السبب يعود إلى أن القضاء كان جزءا رئيسيا ومشاركا فاعلا فيما جرى من أحداث في الثالث من يوليو 2013، لكن القضاء كان حاضرا في الجدل والاهتمام الجماهيري بسبب الكثير من الأحكام المثيرة للجدل من حيث الإعدامات أو الحكم بفترات طويلة من السجن على اتهامات لم تثبت أدلتها ويعتريها الكثير من العوار، أو استمرار احتجاز الآلاف في حبس احتياطي لسنوات دون سبب واضح وبإذن من النيابة، تلك القضايا عصفت بروح العدالة، وأثرت على تراجع ثقة الشعب بالقضاء، غير أن بعض التدخلات لمحكمة النقض استطاعت أن تعيد التوازن المفقود في العدل لتلك الأحكام.

وشهد العام 2016 عودة بعض الفعالية للحراك السياسي والاجتماعي بعد سنوات من التراجع عامي 2014 و2015، وتجلى ذلك في بعض تظاهرات النخبة اعتراضا على قرار نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية .

ويأتي حديث التقرير عن الاقتصاد المصري ليضيف شجونا أكثر إيلاما إلى الواقع المصري، فرغم برامج الحكومة ووعود السلطة البراقة إلا أن واقع الجماهير ازداد قسوة مع تزايد معدلات الفقر، في ظل تعويم الجنيه، وانتشار العوز الذي تزيد معه تلقائيا معدلات الجريمة والعنف، فالاقتصاد هو الشبح المخيف للسلطة والمجتمع معا، خاصة مع الحديث عن ثورة الجياع المحتملة مع توسع الفقر وتلاشي الطبقة الوسطي التي تعتبر صمام الأمان في المجتمعات.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017