فكر

الجاليات العربية في الصين خلال رمضان

14 يونيو, 2017

25
مشاركة

 

على نحو مغاير لما كان عليه الحال في السنوات الماضية، يسود بكين في بداية فصل الصيف طقس معتدل تتخلله زخات مطر ونسائم عليلة ليشبه إلى حد كبير الطقس الربيعي،وهذا يؤشر على أن العرب المقيمين في بكين ومدن أخرى يقضون شهر رمضان هذا العام والذي بدأ في 27 مايو المنصرم وسط مناخ جميل.

ورغم عدم إدخال تعديلات على أوقات الدوام في جميع مواقع العمل وكذا أوقات الدروس والمحاضرات بالمدارس والجامعات، لكن أفراد الجاليات العربية والمقيمين الأجانب من مختلف الدول الإسلامية في الصين يلتزمون بأداء أعمالهم أو حضور دروسهم التزاما تاما وتجمعهم بالصينيين المسلمين وغير المسلمين مشاعر أخوة ومودة، ولا يقتصر شراؤهم للمستلزمات الرمضانية على محلات البقالة والسوبرماركت الإسلامية فحسب، بل يجدون الآن سبيلا أيسر للحصول عليها ألا وهو مواقع التسوق عبر الإنترنت.

 الجاليات العربية: لا فرق كبير في أجواء رمضان 

كونها دبلوماسية مخضرمة، تحظى الأستاذة هدى جاد الله المستشارة الإعلامية بالسفارة المصرية لدى بكين بالعديد من الأصدقاء الصينيين الذي يتحدثون العربية وتتبادل دوما التهاني معهم في الأعيا د الصينية والمصرية والإسلامية . وفي رمضان الحالي حرصت على زيارة بعض الأحياء التي يتجمع فيها المسلمون الصينيون والعرب لتستشعر الأجواء الرمضانية هناك.

“وجدت هناك نفس الملامح والخصائص التي أجدها في البلاد الإسلامية، وكانت أشد بروزا في حي الـ(نيوجيه) . فالمسلمون من الصينيين والعرب والبلدان الإسلامية الأخرى يتوجهون إلى ذلك الحي تحديدا قبل أسبوع من حلول رمضان لشراء احتياجات هذا الشهر الفضيل من المحال التجارية هناك”، هكذا قالت الأستاذة هدى.

وتابعت بقولها “وفي وقت الإفطار تُنار الأضواء في الشارع الرئيسي بهذا الحي العريق ويكون الإقبال على المطاعم المتواجدة على جانبيه شديدا. وحينما يحين وقت الإفطار، يتناول الجميع الطعام ثم يتوجهون للمسجد الكائن في نفس الشارع لأداء الصلاة في أجواء روحانية جميلة”.

الـ”نيوجيه” هو أكبر وأشهر المجمعات السكنية التي يقطنها المسلمون الصينيون في وسط بكين ويشتهر في شارعه الرئيسي بوجود مسجد الـ”نيوجيه” الذي يعد أحد أقدم المساجد بالصين ويرجع تاريخه إلى عام 979 ميلاديا.

أما رجل الأعمال اليمني عبد الملك الحداد الذي يعيش في مدينة قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ جنوبي الصين منذ سنوات، فهو يحرص بعد تمام أعماله على تناول الإفطار تارة مع أصدقائه الصينيين في المساجد وتارة أخرى مع أصدقائه من الجاليات العربية الذين يتبادل معهم عزائم الإفطار . “لا فرق بين الحياة في الصين واليمن، وفي شهر رمضان الكريم نجد التسهيلات رائعة ونقوم بنفس الطقوس الرمضانية ونؤدى نفس الشعائر الدينية مع أفراد الجالية العربية والإسلامية الكبيرة في قوانغتشو”، حسبما قال عبد الملك.

وحسب التقديرات يعمل الآن نحو 30 ألفا من رجال الأعمال العرب في مقاطعة قوانغدونغ التي توصف بأنها أقدم بوابة لتجارة الصين مع العالم الخارجي وتذخر بآثار إسلامية تركها التجار العرب القدامى هناك منذ أكثر من 1150 عاما أثناء انتقالهم عبر طريق الحرير البحري القديم.

ولكن بالنسبة للطالب المغربي الوافد محمد الأيوبي (21 ربيعا)، فهو يشتاق إلى أهله في هذا الشهر المبارك، ويرى أن هذا الشعور لم يساوره قط منذ مجيئه إلى الصين للدراسة في جامعة الدراسات الدولية ببكين سوى في رمضان. ورغم ذلك قال إن العلاقة الجيدة التي تربطه بأصدقائه الصينيين وتواصله معهم باستمرار تعد ميزة في هذا الشهر الكريم، هذا علاوة على ذهابه في أحيان كثيرة خلال رمضان برفقة أصدقائه الجزائريين والمغاربة والأفارقة لتناول وجبتي الإفطار والسحور في مطعم إسلامي صيني يقع بالقرب من جامعته يقدم لهم الطعام بدون مقابل.

المستلزمات الرمضانية: سبل متنوعة لشرائها في الصين 

وفي الصين يعيش قرابة 25 مليون مسلم. لذا لا يتعذر الحصول على المستلزمات الرمضانية في أنحاء الصين ولاسيما في المدن الكبرى.والأستاذة هدى غالبا ما تشتري كل ما تحتاجه من منتجات إسلامية من مراكز التسوق والسوبرماركت الكبرى حيث تؤكد أن المستلزمات الرمضانية متوافرة في حي الـ”نيوجيه” وحي الـ”سانليتون” المكتظ بالأجانب، وخاصة التمر والعصائر التي تتوافر بأنواع مختلفة في أرجاء بكين لأن الصينيين يحبون شرب السوائل وهذه من العادات الصحية لهم. و”نحن أيضا في شهر رمضان نكثر من شرب السوائل لنتمكن من مواصلة الصوم طوال اليوم”.

ويشعر اليمني عبد الملك بوجود تسهيلات كبيرة في استيراد المنتجات العربية، فهناك أكثر من سبعة محلات خاصة ببيع المنتجات العربية في الحي الذي يقطنه. علاوة على ذلك، وجد خلال السنوات الأخيرة سبيلا جديدا وسهلا لشراء هذه المنتجات، ألا وهو شراؤها عبر مواقع التسوق الإلكتروني ومنها موقع “تاوباو” التابع لمجموعة “علي بابا” التي تعتبر أكبر شركة عالمية في مجال التجارة والخدمة الإلكترونية وتبلغ قيمتها السوقية نحو 320 مليار دولار أمريكي.

وقال إن الكثير من المسلمين المهاجرين العرب في المدينة يشترون بالطريقة التقليدية والآن سهلت منصة “ويتشات” على الهاتف الجوال وموقع “تاوباو” للتجارة الإلكترونية حياة الناس كثيرا، إذ يمكن عبرها بيع المنتجات العربية للراغبين في شرائها ليس في قوانغتشو فحسب وإنما في جميع المقاطعات الصينية الأخرى.

و”إضافة إلى ذلك، فإن عملية التوصيل الرائعة في الصين تجعل المنتج يصل إلى يد المستهلك أينما كان داخل البلاد خلال يوم أو يومين أو ثلاثة على الأكثر، وبهذا صارت الحياة أكثر سهولة من ذي قبل”، على حد قوله.

تعايش متناغم مع أبناء الأمة الصينية

وفي دولة غير إسلامية مثل الصين، لا يرى أفراد الجاليات العربية في عدم تعديل مواعيد الدوام والدراسة صعوبة في التمسك بفرائضهم الرمضانية، بل يسرهم مواجهة هذا التحدي والتغلب عليه.

وفي هذا الصدد، يقول الجامعي محمد الأيوبي “إننا ندرس داخل الجامعة مع طلبة مسلمين وغير مسلمين، لهذا نحترم وقت المحاضرات والدروس لأن الجامعة هي التي تحددها، أما الأساتذة فهم في الواقع يتساهلون معنا ويقدمون لنا يد العون فيما يتعلق بالواجبات”.

وأضاف أن الأيام الاولى من الصيام يكون هناك عدم تعود على مواعيد بدء المحاضرات نظرا لكونه يذاكر دروسه حتى وقت متأخر ويستيقظ مبكرا للاستماع لأول محاضرة في الثامنة صباحا. ولكن “بعد مرور أسبوع على رمضان، يكون هناك تعود ويتبدد الإرهاق”، على حد قول الأيوبي.

ومن جانبه، ذكر محمد رزق الطالب المصري الذي يدرس حاليا في بكين “عندما تتغلب على شعور الجوع والتعب، فإنك تمارس عملك اليومي ربما بشكل أفضل ممن يأكلون طوال النهار. فالصوم يمنحنى نشاطا وحيوية في داخلي وهذا يعطينى شعورا بالقوة وعدم الرغبة في الطعام، وإنما رغبة في العمل”.

وبالإضافة إلى ذلك تعبر الجاليات العربية عن تقديرها لتجاوب الصينيين مع الطقوس الرمضانية، حيث أشار رجل الأعمال اليمني عبد الملك أن الموظفين غير المسلمين الذين يعملون في شركته متكيفون مع الأجواء الرمضانية لدرجة أنهم يقولون لي “ارتح ونحن نقوم بالعمل”.

وأضاف أن الشعب الصيني شعب متكيف مع جميع العادات، ويجد أن هناك تناغما بين العادات العربية والصينية واحتراما متبادلا بينهما. و”هذه من المميزات الرائعة في الشعب الصيني”.

وقال محمد الأيوبي إن الصينيين يتسمون بروح التسامح المتأصلة في الأفكار والثقافات التقليدية الصينية، مضيفا أن أصدقائه الصينيين غير المسلمين يسألونه عن سبب الصوم وعن شهر رمضان، فيقوم بشرح هذه الأمور لهم لدرجة أن بعضهم لا يتناولون أحيانا الطعام طوال اليوم حتى يشاركونه في الأفطار ليشعروا معا بأجواء رمضان. و”هم يجدون في ذلك بهجة”، هكذا ختم حديثه.

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: وكالة "شينخوا" الصينية
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017