شريعة

حاكمية الشورى بين النص والتاريخ

14 يونيو, 2017

0
مشاركة

على رغم القناعة التامَّة بأنَّ تأصيل الشُّورى كقيمةٍ في حياة المسلمين عامَّة – وفي المجال السِّياسي بصفة خاصَّة – يعدُّ بمثابة المفصل الرئيس في وجهة “الحكم الرَّشيد”؛ لما للمجال السياسيِّ من انعكاسات خطيرة على الحياة الفكرية والاجتماعية والدِّينية كافة، وأنَّ اللَّه تعالى جعل من الشُّورى معيارا حقيقيا لالتزام أمَّة الإسلام بتحقيق “الحاكمية الإلهية” في حياة النَّاس وبناء الأمَّة الرَّاشدة الرَّشيدة؛ فإنَّ ثمة اختلافا كبيرًا بين الشُّورى كقيمة إيمانية منصوص عليها في آي الذِّكر الحكيم من جهة، وبين تَشَكُّلِها وتجلِّيها على مستوى كُلٍّ من الوعيِّ والـمُمارسة السِّياسية التَّاريخية للأمة الإسلامية من جهة أخرى.

فقد انتهى الأمر بها إلى أن أصبحت من “مخلَّفات” الماضي، بعد أن تضاءلت الأبعاد السِّياسية لها تدريجيا حتَّى غابت تماما، فلم يعد لها من وجود رسميٍّ سوى ضمن تضاعيف كتب نصائح الملوك أو مرايا السُّلطان! وحتَّى على مستوى هذه الكتب، فإنَّ احتكام الخليفة إلى مبدأ الشُّورى في حكمه لم يعد مدعاة للمدح أو الثناء، كما كان عليه الحال من قبل، وإنَّما حلَّت بدلا منها مجموعة من الصفات والمؤهَّلات الأخرى في مقدمتها: “الشَّوكة” و “الكِفاية”؛ أي القدرة على دفع العدوان الخارجي [= الشَّوكة]، والقدرة على قمع المعارضة الدَّاخلية أو الفتنة [= الكفاية]!

أما “الشَّوكة”؛ فتُطلق في اللغة بمعنى: الحِدَّة والسِّلاح. وفي القرآن الكريم: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ).[الأنفال: جزء من الآية 7] يقول أحمد بن يوسف الحلبي المتوفَّى سنة 756 هـ في تفسيره “عُمدة الحفَّاظ في تفسير أشرف الألفاظ” بشأن هذه الآية: “الشَّوكة هنا السِّلاح، وقيَّده بعضهم فقال: السِّلاح التَّام. والشَّوكة أيضا القوَّة والسُّلطان، ومنه قول الفقهاء: مَنْ ولَّاه ذو الشَّوكة؛ يُريدون ذا القَهْر والغَلَبَة”.

وأما الفتنة؛ فترد في القرآن الكريم بمعنيين رئيسين: أولهما الاختبار والامتحان الإلهي (وذلك في نحو أربعين موضعا). وثانيهما الانقسام الدَّاخلي، أو الحرب الأهلية (وذلك في سبعة أو ثمانية مواضع)، حيث وردت مادة “فتَن” في تسع وخمسين موضعا مُوزَّعةً على تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم.وفي هذا السياق وردت كلمة “فتنة”، مُعرَّفة ومُنكرة ومُضافة، في أربع وثلاثين مرّة. ولهذا تتعدَّد معانيها، إذ تفيد “الإحراقَ والعذاب” تارة؛ كما في قوله تعالى: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).[الذاريات: 14]، أو الحيرة والضلال تارة أخرى؛ كما في قوله تعالى: (وَمَن يُرِدِ اللَّـهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا).[المائدة: جزء من الآية 41]؛ أي من يُرِد ضلالته. وتأتي بمعنى الكفر أيضا؛ كما في قوله تعالى: (وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ).[الحديد: جزء من الآية 14]

وقد اقترنت لفظة “الفتنة” في ثلاث آيات بكلٍّ من: القتل والسُّقوط؛ كما في قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[البقرة: جزء من الآية 191]، ومثلها قوله أيضا: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).[البقرة: جزء من الآية 217] وفي قوله تعالى:( أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)[التوبة: جزء من الآية 49] كما درج الفقهاء – ابتداء من الإمام الشَّافعي في كتابه “الأم” – على وصف الخارجين على الإمام بـ “البُغاة”، حيث خلَّفت تجارب النزعات الداخلية/الفتنة تأثيرات عدّة في الوعي والتّاريخ أدَّت إلى ظهور أدبيات كبرى في وصف “الفتنة” والتحذير منها.

من جهة أخرى، نلاحظ أن ثمة أكثر من مستوى ترد فيه لفظة “الشُّورى” ومُشْتَقَّاتها في السِّياق القرآنيِّ، حيث وردت مادة “شَوَرَ” أربع مرات بالصِّيَغ والمعاني التَّالية:

(1) معنى التَّشَاوُر: وهو مصدر الفعل الماضي “تشاوَرَ” يقول تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا).[البقرة: جزء من الآية 233]

(2) وردت بصيغة الأمر “شاوِرْ” حيث يقول تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).[آل عمران: 159]

(3) وردت بصيغة المصدر للفعل الماضي “شار”، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ).[الشورى: 38]

(4) وردت بصيغة الماضي “أشارت” في قصة مريم والمسيح عليهما السلام، يقول تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ  قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا).[مريم:30]

ومن أسف، فإن فقهاء الأمة لم يستطيعوا أن يتوصلوا مثلا إلى “فكرة التمثيل” أو “المجالس النيابية” أو حتَّى إمكانية تمثيل الأكثرية لرغبات الجماهير. بل على العكس من ذلك تماما، ظلوا يُفتِّشون عن اليقين في كلٍّ من: “الجماعة” و “الإجماع”! وتبعًا لاستحالة تحقُّق الثاني عمليا أخذوا يجرُّون وراءهم فكرة “أهل الـحَلِّ والعَقْد” والتي أصبحت بمثابة العقيدة غير القابلة للجدل أو النقاش، غير مُلْتَفتين إلى أنها تَسْلب ولاية الأمَّة على نفسها من معناها إنْ لم يُعْتَبَر هؤلاء قوَّة واحدة من بين قوى متعدِّدة في السِّياسة والاقتصاد والاجتماع.

وإذا تتبعنا تطور التَّجربة التَّاريخية والفكرية – ما بين منتصف القرن الثالث ومنتصف القرن الرَّابع الهجري بصفة خاصة – من أجل إيضاح تأثير الفكرة الشُّوروية وحدودها، فسوف نجد أنفسنا إزاء الحقائق والمعطيات التالية:

1) عسْكرة الدَّولة باستيلاء العسْكريين الترك الـمُسْتَوْرَدِين على مقاليد الأمور والسُّلطة.

2) مجيء السَّلاجقة من شرق العالم الإسلامي.

3) شيوع نظام الإقطاع الذي جعل الدَّولة العسكرية تنْفرد بملكية الأرض وحواصِلِها، فضلا عن اتّجاه الدَّولة إلى تقسيم المجتمع تقسيما وظيفيا ما بين: “أرباب السُّيوف” و “أرباب الأقلام”.

ليس غريبا إذاً – والحال هذه – أن يطرأ تغيُّر تدريجي على مفهوميْ: “الأمر” و “الشُّورى” مع تزايد تركُّز السُّلطة في يد العسكريين يتمُّ بموجبه الاقتصار على “الطَّابع الأخلاقيِّ للشُّورى” ومن ثمَّ تفريغها من الأبعاد الاجتماعية والسِّياسية والدِّينية كافَّة، لتختفي تماما في نهاية الأمر فلا يبقى منها شيء؛ بما في ذلك طابعها الأخلاقيّ! .. وتلك قضية أخرى.

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017