شريعة

القيم الحاكمة في مواقف العلماء من الأزمات السياسية

18 يونيو, 2017

1
مشاركة

   لعل الوظيفة الأساسية التي أناطها الله عز وجل بالعلماء في كل عصر يلخصها قول الله عز وجل في محكم كتابه: ” الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا..” (الأحزاب 39)

ففكرة البلاغ والقدرة على ممارسته بعيدا عن أية ضغوطات سلطوية أو شعبوية هي الوظيفة التي تكاد تكون الأهم في دور العلماء بوصفهم مبلغين عن رب العزة سبحانه وتعالى..

والبلاغ ليس فقط مجرد تذكير وإنما أسماه بن القيم في بعض صوره توقيعا عن الله عز وجل، فخاطبهم قائلا: “إعلام الموقعين عن رب العالمين”، لذا فحساسية موقف العالم داخل الصراعات السياسية تتعاظم لسببين:

الأول : أنه أمام الجماهير صاحب توقيع عن الله فكأنه يعطي شرعية لمن يقف بجواره وبالتالي يتأثر بموقفه كثيرون، وهذا ما يظهر حرص جميع الأنظمة على التترس بالعلماء في مواقفهم المختلفة.

الثاني : أنه مظنة للخوف والتدليس من أجل القرب من الحكام أو من الجماهير على حد سواء… ولذا يخشى على العالم من الوقوع في شركه.

والأمانة تقتضي التاكيد على أن التدليس خوفا من الحكام في بعض صوره أخف وطأة من التدليس خوفا من الجماهير، لأن العالم بتدليسه مع الحاكم يرسخ لحكم فرد، لكنه مع الجماهير يرسخ لجهل وغياب وعي، ولا يعني ذلك مطلقا أن الأول مقبول فهو أصل كل بلاء وجرثومة كل فساد بتعبير الكواكبي رحمه الله..

لكن السؤال هنا بعيدا عن إسقاطات الواقع في مواقف العلماء من أزمات سياسية بعينها حدثت مؤخرا:

ما القيم التي ينبغي أن تحكم مواقف العلماء في مثل تلك الصراعات السياسية؟ وهل تختلف المقاييس باختلاف وجهات النظر والقياس بين العلماء بحسب قدرات كل منهما وبحسب توفيق الله له أم أن الحق واحد في أصله القيمي حتى وإن لوى البعض عنق الحقيقة وطوعها بقدراته العلمية؟

قيمتان أساسيتان

يمكننا هنا تحديد قيمتين أساسيتين ينبغي أن تكونا حاضرتين في ذهنية العالم قبل اتخاذ موقفه في أي صراع سياسي، ومنها:

1- الإخلاص والتجرد: وهو أول قيمة يجب أن تحكم موقف العالم في أي صراع أو أزمة سياسية يكون هو فيها أشبه برمانة الميزان التي تنعقد عليها أعين الجماهير لترى لمن ستميل كفته..

وهنا تعود الآية السابقة بحسبانها جرس إنذار في أذن كل عالم وقت الازمات.. “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا إلا الله..” يقول عنها صاحب الظلال رحمه الله: “فلا يحسبون للخلق حسابا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة، ولا يخشون أحدا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ..”

فالتجرد بالكلية، والإخلاص له سبحانه في البلاغ وعدم الخشية إلا منه ينزع عن عين العالم كل هالة، فلا يرى أمامه إلا جلال خالقه، ولا تنعقد عينه إلا على عقابه لمن يخفي حكم الله ابتغاء متاع زائل، وتقرع الآيات قلبه متتالية: ” إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولءئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون” (البقرة 159)

وهنا وفي تفسير قوله تعالى “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا إلا الله..” أورد الإمام الألوسي رحمه الله ما يؤكد معنى الإخلاص والتجرد الكامل ولا ينفي عن النفس البشرية نوازعها الطبيعية وفطرتها، حيث قال رحمه الله: “بقي لنا فيما يتعلق بالآية شيء وهو ما قيل: إنه سبحانه وصف المرسلين الخالين عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يخشون أحدا إلا الله وقد أخبر عز وجل عن موسى عليه السلام بأنه قال: إننا نخاف أن يفرط علينا [طه: 45] وهل خوف ذلك إلا خشية غير الله تعالى فما وجه الجمع؟ قلت: أجيب بأن الخشية أخص من الخوف، قال الراغب : الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وذكر في ذلك عدة آيات منها هذه الآية، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فقد يجتمع مع إثباته، وهذا أولى مما قيل في الجواب من أن الخشية أخص من الخوف لأنها الخوف الشديد والمنفي في الآية ها هنا هو ذلك لا مطلق الخوف المثبت فيما حكي عن موسى عليه السلام، وأجاب آخر بأن المراد بالخشية المنفية الخوف الذي يحدث بعد الفكر والنظر وليس من العوارض الطبيعية البشرية، والخوف المثبت هو الخوف العارض بحسب البشرية بادئ الرأي، وكم قد عرض مثله لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا نقص فيه..”

هذا التوجيه من الإمام الالوسي رحمه الله يؤكد أنه لا ينكر على العالم بداية أن ينتابه خوف من بطش حاكم او سلطة أو تسلطها عليه بأي صورة من الصور، لكن ان يولد هذا الخوف خشية يشوبها تعظيم يدفعه لمجافاة الحق وعد الصدع به فهو مما ينكر إنكارا كاملا ويخشى معه على العالم أن يزل زلة كبيرة..

2- مقاصد الدين هدف أسمى: وتلك هي القيمة الأكثر إلحاحا والأكثر بيانا لصحة المواقف بين العلماء في الصراعات السياسية.. فأي هدف يرتجي العالم؟ وأي مقصد يتوخى؟ ومع أي معسكر يقف لتحقيقها؟

الاتحاد والاعتصام مقصد من مقاصد الدين العلية، الحرية في أعلى صورها مقصد من مقاصد الدين العلية.. تمكين العدل والمساواة مقصد أعلى من مقاصد هذا الدين..

حماية مقدرات الأمة والحفاظ عليها من طمع أعدائها، نصرة الضعفاء، تحرير المقدسات، صناعة حالة وعي بقضايا الأمة، إعلاء شان المقاومة للأعداء وحمايتها ورعاية القائمين بها.. كلها وإن رآها البعض وسائل لتحقيق مقاصد إلا أنها تأخذ حكم تلك المقاصد بحسبانها مؤدية إليها..

وفي الصراعات السياسية يجب أن تكون البوصلة العلمائية موجهة بهذه الطريقة، بعيدا عن “المقاصد الموهومة” التي يمكن أن تكون أحد مداخل الشيطان للعالم، فيظن أنه يحسن من حيث هو يسيء ويظلم، ويظن أنه مع الحق، في حين انه يرفع راية الباطل عالية خفاقة..

وهنا يجدر التنبيه على أمر غاية في الأهمية وهو أحد الأسئلة التي طرحناها في بداية الإطلالة وهو: هل تختلف المقاييس باختلاف وجهات النظر والقياس بين العلماء بحسب قدرات كل منهما وبحسب توفيق الله له أم أن الحق واحد في أصله القيمي حتى وإن لوى البعض عنق الحقيقة وطوعها بقدراته العلمية؟

بمعنى: هل يمكن أن يعتبر اجتهاد هذا الذي يؤدي بالعالم إلى الوقوف في معسكر الظالمين بدعوى أن اجتهاده قد أوصله لهذا؟

بعيدا عن التأصيل فإن النوايا أولا هي مناط حساب الله عز وجل.. وهذا ما اكده النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى…”

لكن وفي ظل حالة السيولة المعلوماتية، وفي ظل حالة الكشف التي ربما لم تتح في فترات كثيرة في التاريخ الإنساني بسبب انتشار وسائل المعلومات، لم يعد مقبولا أن يتعامى العالم عن اوضاع معلومة للجميع ليفتي بما يريده نظام ما داخل صراع سياسي داخلي او خارجي..

لم يعد مقبولا أن يقول مفت كبير إن حصار دولة مسلمة وشعب مسلم فيه مصلحة للمسلمين… لم يعد مقبولا أن تتخذ الروابط العلمائية مواقف مخزية بإنهاء عضوية بعض علمائها لمجرد أنه يعيش في دولة بينها وبين النظام الحاكم لديهم خلاف سياسي.

أي مقصد أعلى من الوحدة والاعتصام، أي مقصد اعلى من تمكين العدل والقضاء على الظلم، أي مقصد أعلى من إعانة المقاومة التي تحفظ شرف الأمة وكرامتها..

إن تدليس بعض العلماء على أنفسهم ربما يكون مستساغا لأنهم يأخذون ثمن هذا قربا من الأنظمة أو تشريفا أو أموالا… أما أن يمارسوا التدليس على الجماهير بدعوى أن اجتهادا متجردا هو من أوصلهم لهذا الرأي الذي يتبنونه فهو مالا ينبغي قبوله أبدا.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017