فكر

كويليام.. والمسجد الأول في بريطانيا

Feature image

لم يكن عبد الله كويليام المسلم الأول في بريطانيا، لكن المسجد الذي أنشاه في مدينة “ليفربول” عام 1889م كان المسجد الأول ، ثم تتابعت المساجد حتى زاد عددها عن ألف وخمسمائة مسجد.

كان إسلام كويليام فريدا، فالرجل في ذاته شخصية كبيرة تفيض إنسانية، فكان محاميا بليغا، ومثقفا كبيرا يمتلك إرادة لا تلين إذا آمنت، ومنذ إسلامه وحتى وفاته كان الإسلام قضيته الأولى والوحيدة، إيمانه العميق وقوة حجته وبلاغته أقنعت أكثر من ستمائة بريطاني باعتناق الإسلام، لذا وصفه السلطان عبد الحميد الثاني بـ”شيخ الإسلام في بريطانيا”.

عائق الصورة الذهنية

لم تعرف بريطانيا الإسلام إلا مع “كويليام” فعلاقة الغرب والمسلمين كانت صدامية في الحروب الصليبية، ورغم ذلك فإن أعداد من البحارة البريطانيين أعلنوا إسلامهم أثناء الرحلات التجارية، إلا أن المزاج العام البريطاني، كان معاديا للإسلام وبخاصة توسع العثمانيين في أوربا، لذا أبدت الملكة “إليزابيث الأولى” قلقا من اقتراب الإسلام من بلادها، وتمت مقاومة الإسلام في تلك الفترة ثقافية من خلال بناء صورة ذهنية مغلوطة ومشوهة عن الإسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فظهرت كتابات وأعمال فنية بريطانية عمقت الصورة السلبية عن الإسلام، فكثرت الحواجز المعيقة لمعرفة البريطانيين للإسلام، وكثرت الخيالات والأفكار المغلوطة، لذا جاءت بعض كتابات الإنجليز في تلك الفترة معادية للإسلام، وكانت بعض المسرحيات يُحرق فيها القرآن أمام الجمهور.

ومع بدء سيطرة الاستعمار البريطانية على الكثير من أقطار المسلمين في الهند والمنطقة العربية وإفريقيا، بدأت بريطانيا تتعرف على الإسلام عن قرب، إلا أن الرؤية الاستعمارية الاستعلائية أضافت حاجزا جديدا بين البريطانيين والإسلام، رغم أن بريطانيا خصصت في القرن الثامن عشر الميلادي مقعدا دائما لدراسة اللغة العربية، وكان المستعرب إدوارد بوكوك، ينتقد الدراسات المسيحية السابقة للإسلام، ويراها معتمدة على ترجمات خاطئة للقرآن، وهو ما شجع قيام المحامي جورج سايل بترجمة القرآن ، وكان هدفه مساعدة البريطانيين على تكوين رؤية نقدية عن الإسلام، ورغم ضعف هذه الترجمة  إلا أنها وفرت مرجعا عن القرآن يقربه من أفهام الانجليز.

السفينة والصلاة

في هذا الجو المشحون بالصورة الذهنية المغلوطة عن الإسلام، والروح الاستعلائية البريطانية يولد هنري كويليام في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا في 10 أبريل عام 1856 في مدينة ليفربول، وكان والده ميسورا ومتدينا، لذا تلقى هنري تعليما جيدا، وكان منذ صباه متدينا محافظا، رافضا لشرب الخمر، ومعترضا على شاربيها، تخرج في العام 1878م من الجامعة ليعمل محاميا، وسرعان ما ذاع صيته لبلاغته وتضلعه في القانون، وقدرته على بناء حججه بمنطقية، وكان ناشطا نقابيا وهو ما أتاح له إقامة صلات جيدة مع الطبقة الوسطى والنخبة في ليفربول، كما كان محسنا حتى مع الحيوان.

نشاط هنرى المفرط يعرضه لأزمة صحية فينصحه الأطباء بالذهاب لإسبانيا أو جنوب فرنسا للاستشفاء، وعلى السفينة رأى المسلمين يصلون فأثر المشهد في نفسه تأثيرا عميقا، ويقول في ذلك:” رأيت هؤلاء الجماعة قد اصطفوا للصلاة في صفوف جميلة، وجعلوا يصلون معا بخشوع وطمأنينة، غير مكترثين بتمايل السفينة واضطراب الريح، ولقد أثر في نفسي ما قرأته على وجوههم من صدق الإيمان، فأثارت حالتهم هذه الاهتمام الزائد عندي، في أن أستزيد من المعلومات عن الدين الذي يدينون به”، وقرر الذهاب إلى المغرب عام 1877م، وقرأ ترجمة لمعاني القرآن،  وكتاب “العظماء” للكاتب الاسكتلندي توماس كارلايل، الذي أبدى انبهاره الكبير بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم،  ومع اختلاطه بالمسلمين في طنجة انفتحت روحه على الإسلام فأسلم وهو في الحادي والثلاثين من عمره، ويقول في ذلك:”عندما غادرت طنجة كنت قد أصبحت مسلما، بعدما استسلمت بالكلية لقوة قاهرة، لم أملك حيالها إلا الاعتراف بأنَّه الدين الحق”، وفي العام التالي أعلن رسميا في ليفربول أنَّه اعتنق الدين الإسلامي، وأنَّه غير اسمه إلى عبد الله.

تحول كويليام إلى طاقة كبيرة للدعوة للإسلام، واستثمر كل المنابر المتاحة لتبليغ الإسلام، كانت جاذبيته كبيرة، وحجته مقنعة، فكان أشبه بروح جديدة تسري في المجتمع البريطاني، ونظرا لاختلاطه مع النخبة البريطانية في ليفربول أسلم على يديه شخصيات ذات مكانة اجتماعية كبيرة مثل رشيد ستانلي، وهاشم وايلد، ونصر الله وارن، وسبعة عشر شخصا آخرين، وتأثر به الأديب البريطاني المسلم خالد شيلدرك، كما كان كويليام سببا رئيسيا في إسلام عبد الحليم نودا أول مسلم في اليابان أثناء لقائه مع في اسطنبول.

 

 

لم يكتف كويليام بالدعوة الفردية، ولكن اتجه لتأليف الكتب للتعريف بالإسلام، فألف كتابا بعنوان”عقيدة الإسلام” عام 1889 طبع منه عدة آلاف من النسخ، كما ترجم إلى عدة لغات، واطلع البريطانيون على الإسلام من خلال ما كتبه أحد أبنائهم، فكان تأثير الكتاب كبيرا، وأسلم ما يقرب من خمسين شخصا بعده، ثم أصدر كتاب كتيب بعنوان “الإيمان في الإسلام” تكلم فيه بلغة شاعرية مؤثرة عن الإسلام والإيمان، فذاع صيته بعد هذا الكتاب الذي أسلم الكثيرون بعد قراءته.

أخذ الإسلام يزحف ببطء لكن بثبات في بريطانيا على يد “كويليام”، وكانت حماسته للإسلام كبيرة، فقاد احتجاجا عندما عرضت مسرحية بعنوان “ماهوميت” تسيء للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ونجح تحركه في وقفها..

أراد كويليام أن يحول الإسلام إلى واقع مجتمعي في بريطانيا، فشهدت بريطانيا أول جنازة على الطريقة الإسلامية، وكذلك أو زواج إسلامي، وأصدر صحيفتين إسلاميتين، وأسس دارا لرعاية الأيتام, وكذلك كلية إسلامية تعقد جلسات نقاش أسبوعية، حول الدين  الإسلامي, تهدف إلى إقناع البريطانيين باعتناق هذا الدين.

أول مسجد

أسس كويليام أول مسجد في بريطانيا في مدينة ليفربول، وتم افتتاحه في 25  ديسمبر سنة 1889م, وبدلا من الاحتفال بافتتاحه ببذخ, فقد تم إطعام 130 طفلا من فقراء المسلمين، ليصبح هذا المسجد أقدم مسجد في أوروبا، وهو ما كان إيذانا بتاريخ  جديد للإسلام في بريطانيا، كان افتتاح المسجد في الاحتفالات برأس السنة الميلادية رمزيا في أن الميلاد الحقيقي للإنسان هو دخوله في الإسلام ، واعتناقه لهذا الدين، ومنذ ذلك التحول الكبير والإسلام ينتشر في هذه البقعة الأوروبية ، حتى صار يعيش في هذه المدينة ما يقرب من 20 ألف مسلم من بين عدد سكانها البالغ عددهم 500 ألف شخص، في الوقت الذي يصل فيه عدد المسلمين في عموم المملكة المتحدة إلى قرابة ثلاثة ملايين مسلم.

وفي يوليو عام 1893، يصدر كويليام نشرة أسبوعية ومجلة شهرية باسم الهلال لم يقتصر توزيعها على بريطانيا بل وزِّعت خارجها، ومنذ هذا التاريخ وحتى العام 1908، يصبح كويليام هو الممثل الرسمي لمسلمي بريطانيا في الخارج.

كانت أنشطة معهد مسلمي ليفربول قد اجتذبت المسلمين وغير المسلمين، خاصة المناظرات الأسبوعية والنقاشات المُطَوَّلة والمحاضرات التي كان يلقيها هاشم وايلد، ونصر الله وارن، لكن الأمور بدأت في التطور بشكل متسارع عندما انتقد كويليام السياسة الاستعمارية البريطانية، وسياسة رئيس الوزراء البريطاني جلادستون ضد الدولة العثمانية، فتم تهديد كويليام عام 1895 بإحراقه حيا، وتعرض مسجده للحصار والقذف بالحجارة، وكانت صحة كويليام في ذلك الوقت قد اعتلت بعد إصابته بمرض المالاريا أثناء إحدى جولاته الدعوية في غرب أفريقيا.

ومع تصاعد المواجهات بين كويليام والحكومة البريطانية، اضطر  مغادرة البلاد عام 1908، بعد أن اتخذت الحكومة إجراءً تعسفيًا شُطِبَ على إثره من سجلات المحامين، فتعرض الوجود الإسلامي في بريطانيا لهزة عنيفة، خاصة أنه لم يعد إلى البلاد إلا عام 1914م متخفيا ودون ممارسة أي نشاط اجتماعي أو سياسي، فتكاثرت عليه الضغوط وتأثيرات المالاريا فتوفي في الثالث والعشرين من أبريل عام 1932.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة