شريعة

التكامل بين السُّلطة والرعيَّة

13 يوليو, 2017

0
مشاركة

اختلف العُلماء من قديم حول تكييف العلاقة بين السُّلطة والأفراد، فاعتبرها البعض علاقة وكالة، بمعنى أن السلطة وكيلة عن الأمة، أشبه بالمُتعاقِدَين، وسلطتها مستمدة من الأمة. ورأى آخرون: أنَّها علاقة وِلاية، أي أنَّ السُّلطة مع الرعية، مثل ولي اليتيم والقاصر، لا يجوز أن يتصرف إلا بالتي هي أحسن. وتكون سلطتها مستمدة من الشَّرع. وقد حكى هذا الخلاف الإمام ابن رجب في قواعده فقال: (الُمتصرف تصرفًا عامًّا على النّاس كلهم… هل يكون تصرفه عليهم بطريق الوكالة لهم، أو بطريق الولاية؟ في ذلك وجهان، وخرج الآمدي روايتين… واخْتيار القاضي في (خِلافِه)، أنَّه مُتصرف بالوَكالةِ لعُمومِهم)[1]. وكذلك قال المرداوي في الإنصاف[2]. كما حكى الإمام ابن تيمية الخلاف أيضًا، ورأى أنَّ العلاقة بينهما ليست وكالة محضة، ولا ولاية محضة، بل فيها معنى الولاية والوكالة،  ويقول: (ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا، وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه، وباع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن فقد خان صاحبه، لاسيما إن كان بين من حاباه وبينه مودة أو قرابة)[3].

لكن النَّاظر في النُّصوص يرى أن العلاقة بين السلطة والأفراد أعمق من كونها عقدًا بين متعاقدين، أو وصاية على من لا يُحسن التصرف، فالعلاقة بهذا الاعتبار تجعل الأمة إمَّا في وضع الصَّبي الصغير الذي يحتاج إلى وليّ يرعى مصالحه وشؤونه، أو في وضع ذي السلطان الذي يوكل عنه من يقوم بأموره. وليس الأمر هكذا ولا هكذا بإطلاق.  كما أنَّ هذه الاعتبارات تجعل استغناء أحد الطرفين عن الآخر ممكنًا،  حيث يتولى أحدهما صلاحيات الآخر، وينوب عنه. وهذا غير واقعي.

والحق أن الإسلام جعل السلطة والأفراد طرفين متقابلين متساويين، يعيشان في دولة واحدة، تحت مظلة الشَّرع الذي يمثل السيادة العليا فيها، والذي جعل كلًّا منهما عليه من المسؤوليات، والواجبات، التي يجب أن تؤدَّى، كما أن له من الحقوق والمزايا التي يجب أن تصان وتُرعَى، وكل واجب في شريعة الله يقابله حق.  فلما أوجب على ذي السلطان واجبات عديدة، هي حق لرعيته، فرض له في مقابلها حقوقًا عليهم. وكذا لما أوجب على الأمة طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله تعالى، أوجب للرعية على ولاة الأمر حقوقًا، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته”[4].

وقد كان هذا المفهوم شيئًا جديدًا كل الجدة بالنسبة لما كان معروفًا من النظم قبل الإسلام.. فقياصرة الروم وأكاسرة الفرس كل واحد منهم كان يعد نفسه ملك الملوك، والحاكم بأمره، وكانوا يعتبرون أنفسهم رجالا فوق البشر، وأن ذواتهم مصونة لا تُمس، وهم لا يُكلَّفون بخدمة الرعايا، وإنما الرعايا كلهم خدام لهم. وبهذا المنطق قال فرعون مصر لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات:24].

فجاء الاسلام بما يلغي كل هذه الأفكار، ويربط بين السلطة والأفراد في الدولة بحيث يمثلان معًا كيانًا واحدًا، لا يقوم إلا باجتماعهما معًا. جاعلا العلاقة بينهما علاقة (تكامل) بمعنى أن كلا منهما يُكمل الآخر، ويُكمله الآخر ولا يُمكن أن ينوب أحد الطرفين عن الآخر في مسؤولياته وواجباته أو يستغني عنه.

وحين تقوم العلاقة بين الأفراد والحكام على التكامل ويعرف كل منهما أنه مكمل للآخر، ويتعاون الجميع فيما لا يستطيعه أحدهما بمفرده، يؤدي هذا ولا شك إلى أن تمثل الدولة قوة هائلة. والنموذج القرآني للحاكم العادل (ذي القرنين) في سورة الكهف يدل على أنَّ الشعوب قوة مذخورة، فإذا تعاونت مع الحكام وتعاون الحكام معها، كوَّنا قوة هائلة، ودولة قوية لا تُكسر ولا تُقهر. فحين جاء إلى ذي القرنين بعض الشعوب التي استضعفتها قبائل يأجوج ومأجوج، يعرضون عليه أموالًا لكي يدفع عنهم، ويبني لهم سدًّا منيعًا، {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}[الكهف:94]، فكان رد هذا الحاكم الواعي بأنه بحاجة إلى طاقتهم وقوتهم لا إلى مالهم وخراجهم:{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}[الكهف:95-96]. وهكذا استعان بقوتهم وأعانهم بخبرته، وأقام هذا السد العظيم، {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}[الكهف:97]، وهكذا تكون نتيجة تعاون الشعب مع الحكام، قوةً هائلة وسدًّا منيعًا، لا يقوى عليه الأعداء.

ولعل سبب ضعف معظم الدول الإسلامية المعاصرة، هو الانفصال القائم بين الشعوب والحكام، وعدم التعاون بينهم، مما أحدث هوة عميقة بين السلطة والرعية.

كما أن التكامل بين السلطة والأفراد، يؤدِّي ولا شك إلى صيانة كرامة المسلمين، وببث الروع والمهابة في قلوب الكافرين. ويُثبِّت قلوب المسلمين، ويوحد صفهم. فالاجتماع يثبت القلوب ويقويها، خصوصًا في وقت المحن والشدائد.

كما أن التكامل بين الأفراد والحكام يؤدي بلا شك إلى خلق جو من الألفة والمحبة في الدولة، بين السلطة والرعية، وهي نعمة كبرى ، ولذا امتنَّ الله بها على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}[الأنفال:62-63]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “خيارُ أئمتَّكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويُصلُّون عليكم وتصلُّون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم [5].

ومن أجل التكامل دعا الإسلامُ السُّلطةَ والأفراد للاجتماع دائمًا، وتوحيد الصف، بل توعَّد من خرج عن هذه الجماعة ومات، بميتة جاهلية، والعياذ بالله؛ لأنَّ العائق الأول أمام استقرار الدولة، أن يصير أهلها شِيَعًا، وأن يتحوَّلوا فِرقًا. ولهذا قال تعالى لنبيه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}[الأنعام:159]. وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}[الصف:4]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم”[6].

والتكامل من أهم أسباب تحقيق أهداف الإسلام من قيام الدولة، فالإسلام يُقيم دولته على أهداف عظمى، تحقق الخير والسعادة للمقيمين فيها أولًا، وتعود بالخير على العالم والبشرية، والمسلمون جميعًا مُطالَبون بتحقيقها، كلٌّ في موقعه، وقدر استطاعته، حُكامًا ومحكومين، رُؤساء ومَرؤُوسِين، ومِن أجْلها تُبايع الأمة حاكمًا يحرسُها ويرعاها، وتكون له الأمة من خلفه سندًا وظهيرًا.

ولكي يتحقق هذا التكامل في الدولة بين السلطة والشعب، قام الإسلام بإرساء القواعد التي تحقق هذا التكامل، ووضع من الأحكام والتشريعات ما يقيمه، ويعضده، ويقويه، بعد أن حدد واجبات ومسؤوليات كل من الحاكم والرعية، ومن أهم هذه التشريعات: وجوب تحقيق الحريات، والأمر بإقامة العدل في الدولة، ووجوب الشورى والمشورة بين السلطة والرعية..


[1]- القواعد لابن رجب (113)، دار الكتب العلمية ببيروت.

[2]- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمردوي (27/57)، هجر للطباعة بالقاهرة، الأولى 1995م.

[3]- مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 252) مجمع الملك فهد بالسعودية، 1995م.

[4]- متفق عليه: رواه البخاري في  الأحكام (7138) ومسلم في الإمارة (1829) عن ابن عمر.

[5]- رواه مسلم في الإمارة (1855) عن عوف بن مالك.

[6]- رواه أحمد (959) وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره. وصححه الألباني في صحيح الجامع (6666) عن علي بن أبي طالب.


التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017