فكر

التحضر الزائف

Feature image

من الشائع أن يتعرض الدارسون للتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للهجرة الداخلية والنزوح من الريف إلى المدن والتي عرفتها البلدان العربية وغيرها من بلدان الجنوب في العقود المتأخرة، ولكن من النادر ـ إن لم يكن المعدوم ـ التعرض للتأثيرات السياسية لهذه الهجرات، ورغم أن ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن ظاهرة مركبة الأسباب ومعقدة النتائج، يتداخل فيها الإيجابي والسلبي، فإننا نود التركيز على التأثيرات السياسية لموجات النزوح هذه..

لقد كانت أولى خطايا الدولة المركزية الحديثة في حق الريف هي عجزها عن خلق تنمية متوازنة تحافظ للسكان في الريف على مستوى معيشي مقبول، ولهذا لسبب عرفت أغلب هذه البلدان موجات هجرة إلى المدن، كما هو الحال في الهجرات يفعل الجفاف في افريقيا جنوب الصحراء، وفضلا عن مشكلات البطالة والضغط على المجال الحضري الذي أدى إلى تشوهات اجتماعية وتباين ثقافي بفعل اختلاف العادات والقيم، فإن أمرين قد حدا من تجذر الثقافة السياسية السليمة، وأديا لاحقا إلى ممارسات سياسية أسهمت في تجذير الاستبداد والتمكين للفساد:

ـ أولهما متعلق بضعف استيعاب النازحين الجدد إلى المدن من الأرياف للتربية المدنية ولروح المواطنة، وهكذا بدلا من أن تشكل هذه الهجرات فرصة لتعميق الانتماء الوطني ولاستيعاب منظومة الحقوق والواجبات في علاقة المواطن بالدولة، نقلت إلى المجال الحضري بقوة منظومة القيم العشائرية، وتعميق الصلات القبلية ومدها لتشمل العلاقات السياسية والولاءات والمواقف العامة، ولم تستطع الجموع النازحة استيعاب القانون الدستوري كنظام ينشئ ويحكم مؤسسات الدولة ولا القانون العام كمنظومة تشريعية يخضع لها الجميع ويتحاكم لها الجميع..ولذلك شاعت المحسوبية والوساطة بديلا عن القانون واللوائح والسير الاعتيادي لأنظمة المؤسسات في الدولة، وباتت كل هذه البلدان محكومة بأعراف من الفساد والرشوة والزبونية في كل صغيرة وكبيرة..

ـ وثاني هذه الممارسات السياسية هي تلك المتعلقة بالتعبير السياسي والممارسة السياسية، فبغض النظر عن القول بشيوع الأحادية والاستبداد واستفراد النخب السياسية المتمدنة الأولى بالقرار، إلا أنها كانت تمارس السياسة في أطر تنظيمية حديثة، وتستخدم الخطابة السياسية والتنظيم السياسي الحديث لتحقيق كسبها السياسي، أي أنها كانت تمارس السياسة في أطر مؤسسية، أو تتعاطى ممارسة سياسية في إطار منتظم سياسي قائم على الإيمان بالدولة والقانون والمؤسسات، وهو ما أتاح شيوع التنظيمات النضالية التي ووجهت بالقمع والتخوين والمناورات السياسية وأحيانا التنازل، والتجيير، أي أنه كانت هناك معارك سياسية وايديولوجية بين النظام الحاكم والقوى السياسية المعارضة ( الحالة المغربية بين النظام الملكي والحركات اليسارية التي عارضته، التعددية السياسية إبان الاستقلال ثم نظام الحزب الواحد في موريتانيا والتنظيمات الشبابية اليسارية التي عارضته).. هذه الثقافة السياسية أنتجت مواجهة سياسية حقيقية، ولم تعتدي وهذا هو الأهم على المجال المشترك للمتخاصمين السياسيين، حتى وإن كان المخزن طرفا من أطراف هذا الخصام والنزاع..

مع التدفق الكبير للنازحين الجدد من الريف، بدأت مفاهيم جديدة وأساليب جديدة للممارسة السياسية تسود، وترافق ذلك في بعض هذه البلدان مع استيلاء العسكر على السلطة، ففي مصر لم يكن أمام الفلاحين المتعودين على الصبر الطويل على البذرة وهي تنبت ثم تنمو رويدا رويدا ثم تثمر ثم تستحصد، إلا التصفيق بحرارة “للريس” والقبول بصبر جميل بنتائج سياساته..وفي موريتانيا انتهز العسكر الفرصة عند استيلائهم على السلطة مع سنوات الجفاف الأولى، فاغتالوا بذرة التمدن والتحضر، ورسخوا القبلية و الجهوية في تعاملهم مع المجتمع، وأعادوا الحياة إلى الكيانات التقليدية، وسطوا على الإدارة، وكسروا الحاجز بين الإدارة والدولة والنظام، وبدؤوا في إنشاء التنظيمات البيروقراطية التابعة لهم (الأحزاب الحاكمة أو ما يماثلها من التنظيمات) كمكينة لضمان الولاء وتقسيم مغانم الدولة وآلية للعلاقة بالقبائل والوجهاء والنشطاء العشائريين، وهكذا ماتت السياسة، وحل محلها ما يعرف في موريتانيا “بالتصفيق”، الذي هو توصيف لدناءة ونفاقية الخطاب السياسي..

وهكذا بات الناشط السياسي هو ذلك الشخص الانتهازي الذي يوظف فساده المالي والإداري الذي يقتطعه له الحاكم العسكري لتحقيق رأسمال سياسي في جماعة سياسية تقليدية تنحصر رؤيتها السياسية في تحقيق مكاسب لوبية في التوظيف الإداري الذي يضمن النفوذ ويفتح فرصة للنهب والإثراء، هنا باتت السياسة في بلدان فاشلة تنمويا واجتماعيا الفرصة الوحيدة للثراء السريع واختصار الزمن وتحقيق الوجود الاجتماعي..

إن المنتظم السياسي قد تم تسميمه بهذه الطريقة، واضطر الجميع للالتحاق بهذه اللعبة، واختفت التنظيمات السياسية القائمة على البرامج، وتحولت كل الحركات السياسية تقريبا والتي قامت على برنامج سياسي أو رؤية ايديولوجية إلى حركات لوبية تسعى إلى الظفر بموطئ قدم في ميدان لعبة ضباط العسكر التي وظفوا الخريطة الاجتماعية المتخلفة أسوأ توظيف لتكريسها.

 

 

 

 

 

ـ

 

 

 

 

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة