فكر

الأقصى يعيد توجيه البوصلة

Feature image

بدا واضحًا من خلال أحداث الأقصى؛ التي اشتعلت قبل نحو أسبوعين (14 يوليو)، احتجاجًا على إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى ومنع إقامة الصلاة فيه، إثر مقتل شرطيين على يد ثلاثة شبان فلسطينيين.. ثم انتهت بانتصار المقدسيين في فرض إرادتهم برفض البوابات الإلكترونية حول مداخل المسجد، وإزالتها في 27 يوليو.. بدا واضحًا أن المسجد الأقصى مازال قادرًا على إعادة توجيه البوصلة العربية والإسلامية في المسار الصحيح، كلما ضلت الطريق.

فرغم حالة عالمنا العربي والإسلامي، التي لا تخفى على أحد، والتي انزلقت لهوةٍ سحيقة من الخلافات البينية، ولدرجةٍ مخيفة من الضعف في مختلف المجالات.. فقد لاح في الأفق أن ثمة شيئًا مازال بإمكانه أن يوحد الصفوف ولو على قليل من الاعوجاج، وأن يضبط إيقاع الأصوات ولو على درجة من النشاز، وأن يجعل الجميع يستعلون على جراحاتهم ومشكلاتهم ولو لوقت قصير.

ذاك الذي لاح في الأفق إنما هو الأقصى..!

لم يعد الأقصى مجرد مسجد من ملايين المساجد التي تزخر بها بلاد المسلمين وغير المسلمين، وإنما صار رمزًا.. رمزًا على قضية ارتبط مسارها ومصيرها بتاريخ العرب والمسلمين المعاصر، انتصارًا وانكسارًا.. ورمزًا على ما يجمع هذا الشتات الممتد من الخليج للمحيط، وعلى ما يوحِّده ويقويه..

الأقصى يجمعنا.. كما فلسطين..

والأقصى رمز فلسطين، ونقطة ارتكازها.. كما فلسطين رمز العرب والمسلمين، ونقطة ارتكاز قضاياهم.

كانت الشعوب أسبق من بيانات الحكومات، وأشد تأثيرًا.. وكانت أقوى الأصوات الشعبية في بلاد غير العرب: ماليزيا وباكستان وتركيا؛ في دلالة لا تخفى! نعم، لو أزيلت الحواجز لاستجابت عواصم العرب بما لا يقل عن نظيراتها الثلاث!

توحُّدُ المقدسيين وأهل الضفة وغزة، كان عامل قوة.. وقد اتضح أن أهل القدس عصيين على محاولات إضعاف هويتهم، وتفكيك نسيجهم الاجتماعي، وأن مكثهم تحت الاحتلال لم يوهن صلتهم برمز الوطن المسلوب.. ليت أهل الضفة وغزة يكملون مسار التوحد والاصطفاف.

من جديد، يعيد الأقصى توجيه البوصلة في الاتجاه الصحيح.. سواء على مستوى الصف العربي والإسلامي، أو على مستوى معركة الأمة مع المعتدين عليها..

على مستوى الصف العربي والإسلامي، اتضح:

أولاً: أن وحدة الصف سر القوة، وأن الجسد القوي- وليس العليل- هو ما يستطيع مقاومة الأمراض والفيروسات..

وثانيًا: أن الأمة- على وهنها، وتشتت كلمتها- ما زال بيدها أوراق ضغط، وعوامل قوة، وإمكانات الانتصار.

وثالثًا: أن الشعوب أسبق في الاستجابة لقضاياها العادلة من الأنظمة، وأنها بسبقها هذا تجبر مسئوليها على اللحاق بها، وعلى تبني موقفها.. فلا ينبغي أن نفقد الأمل، وألا نعلق البصر بالدوائر الرسمية فقط.. يجب أن نهتم بالدوائر الشعبية، ونعمل على زيادة وعيها، وإبقائها دائمًا في دائرة الضوء..

أما على مستوى معركة الأمة مع المعتدين، فاتضح:

أولاً: أن الاحتلال الإسرائيلي هو أخطر ما يواجه العرب والمسلمين؛ فهذا الكيان تم زرعه في المنطقة لتمزيق أوصالها، وإضعاف قوتها، وتشتيت انتباهها، ولقطع الطريق أمام أية محاولة لليقظة والتوحد والنهوض.

ثانيًا: أن “إسرائيل” ليس لها مستقبل بالمنطقة، إن توحد العرب والمسلمون.. ومحاولات التطبيع الشعبي معها، لم تفلح في تزييف الوعي بحقيقتها.. وليس أمامها إلا اللجوء للغرب الذي زرعها والذي تستمد منه بقاءها وقوتها.. فهي كيان يعتمد بالدرجة الأساسية على العوامل الخارجية وليس على الذات، كما خلص د. عبدالوهاب المسيري في موسوعته.

ثالثًا: أن “إسرائيل” مثل أي تجمع بشري، في قابلتها للهزيمة والانتصار.. فهي تُهزم أو تنتصر طبقًا لجملة من العوامل.. وليس مكتوبًا بحقها الانتصار دائمًا، كما يحاول ترويج ذلك المطبِّعون معها، الذين يصوِّرونها باعتبارها كائنًا “سوبرمانيًّا”، خارقًا! بما يمثل انعكاسًا للنفسية الانهزامية، التي يحرصون على إشاعتها بين العرب والمسلمين..!

فقد منع الاحتلال الصلاة في المسجد الأقصى، في سابقة لم تحدث منذ حريق الأقصى في 1969، ثم فتح أبواب المسجد أمام المصلين بعد يومين.. وحاول تثبيت البوابات الإلكترونية ثم أزالها.. ثم الكاميرات وأزالها.. وأعلن المقدسيون انتصارهم بعد معركة استمرت لأسبوعين، على مدار الساعة..

ومن المهم أن ندرك أن لا أحد من فريقي الحق والباطل قَدَرُه أن ينتصر دائمًا.. بل الحرب سجال، وللنصر عدته، وللهزيمة أسبابها.. وعلينا ألا نستكين للتخذيل والتثبيط؛ بل نقتحم ونسلك الأسباب، وشعارنا: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23).

عسى أن نستقيم على بوصلة الأقصى.. فقد أثبتت التجارب أن اتجاهها هو الصحيح، وأن نبأها هو الصدق..!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة