فكر

طوبى… البوصلة الروحية للسنغاليين

6 أغسطس, 2017

4
مشاركة

على بُعد 170 كم شرق العاصمة داكار تقع واحدة من أهم المدن الدينية في السنغال، إنها « طوبى » ثاني أكبر مدينة في البلاد. وتقول الراويات الشعبية عن نشأتها إن الشيخ أحمد بامبا مؤسس الطريقة المريدية الصوفية بنى هذه المدينة عندما رأى نورًا يُغشِّى الأبصار عند شجرة معينة، وأن جبريل عليه السلام وعده بأن المكان حول هذه الشجرة سوف يتحول إلى مدينة مركزية روحية لها شهرة كونية، ويأتي إليها العالم كله من أجل التوبة والاستغفار، ومنذ ذلك الحين أصبحت « طوبى » هي المعقل الرسمي للمريديين بالسنغال، ومقر إقامة الخليفة العام للطريقة.

تأسست المريدية عام 1888م على يد العالم السنغالي الشيخ أحمد بامبا الذي عرف بجهاده للاستعمار الفرنسي، وهو ما عرضه لمضايقات السلطات الاستعمارية المتخوفة من تزايد أتباعه، فنُفِي إلى « الجابون » سنة 1895م، ثم نقل إلى موريتانيا 1902م، ومنها عاد إلى بلده عام 1907م؛ ليتم وضعه تحت الإقامة الجبرية، وبعد سنوات قضاها في الصراع ضد الاستعمار، أصبح للشيخ بامبا مكانته وأتباعه ومريديه.

مزارات

تستقطب « طوبى » عشرات الآلاف من المريدين من داخل السنغال ومن خارجها في المناسبات الدينية الكبرى.. كالمولد النبوي وعيد الأضحى والمعقل الكبير، وهو احتفال يخلد الذكرى السنوية لعودة الشيخ أحمد بامبا من منفاه إبان الحقبة الاستعمارية.
وتأخذ هذه المناسبة صورة مصغرة لفريضة الحج من حيث الشعائر الممارسة؛ إذ يزور الحجاج عددًا من المزارات أهمها « عين الرحمة »، وهي بئر مباركة يشرب منها الحجاج أثناء الزيارة. ومسجد « دار القدس » وهو محطة تذكارية يزعم أنصار الطريقة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب بدر ظهروا لشيخ الطريقة وهو في كامل وعيه.

أما « المسجد الكبير » فيوجد فيه ضريح الشيخ أحمد بامبا وكبار الخلفاء، وعلى المريد أثناء زيارة المسجد أن يردد بعض الأدعية الخاصة، ويُعَدّ المسجد الكبير من أكبر المساجد في إفريقيا ويبلغ طول منارته 83 مترًا.

والشعب السنغالي شعب متصوف، وكل فرد فيه ينتمي إلى طريقة صوفية ما، وليس بوسع أحد أن يتصور إسلامًا غير ذلك الممارس من خلال التصوف، لكن « المريدية » من أهم الطرق المنتشرة في السنغال ويتراوح أتباعها في السنغال وحدها بين 3 و5 ملايين نسمة.

وترتكز المريدية على جملة من الشعائر الدينية والقواعد السلوكية، الغاية منها سمو الروح حسب معتقدات مؤسس الطريقة. وهناك طرق متعددة في السنغال، أهمها التيجانية والقادرية واللاينية، وكل واحدة من هذه الطرق لها طقوسها المميزة واستحقاقاتها المالية التي تلزم بها أتباعها.

مدينة السلطات الروحية

في مدينة « طوبى » التي يبلغ تعداد سكانها 1,5 مليون نسمة تطغى السلطات الروحية على غيرها من السلطات الإدارية أو الأمنية، لدرجة أن تدبير شئون المدينة في يد الخليفة العام للطريقة، ويضطلع الخليفة بدور أساسي فهو حامي الطريقة والدليل والمرجع للأتباع، كما يقدم النصائح والتوصيات اللازمة للأتباع لنيل رضى الشيخ والذي هو في النهاية -عندهم- رضى الله ورسوله.
ويختار الخليفة العام للطريقة من بين أبناء الشيخ الأكبر سنًّا، وقد تعاقب على خلافة الطريقة بعد وفاة مؤسسها ستة خلفاء خمسة منهم من الأبناء المباشرين للشيخ أحمد بامبا.

الرئيس السنغالي الراحل « اليبوبولد سيدار سنغور » لم يمنعه انتماؤه المسيحي من الارتماء في أحضان الطرق الصوفية السنغالية، وبوجه خاص الطريقة المريدية التي نسج معها خيوط ود وصداقة، فلم تكن الطرق الصوفية تشكل مصدر قلق أو إزعاج لسنغور الذي حكم بلدًا يمثل المسلمون فيه أكثر من 90%.

وعمل سنغور جاهدًا على توريث هذه العلاقة لخلفه الرئيس « عبدو ضيوف »، فأيام كان الأخير رئيس وزراء الأول كان « سنغور » ينصحه بزيارة لأحد زعامات الطريقتين (المريدية والتيجانية) على رأس كل ثلاثة أشهر.

وحاول الرئيس عبدو ضيوف السير على نهج سلفه، لكن فلسفته اللائيكية (العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة كاملاً)، ومحاولته تحييد الضغط الصوفي على السلطة أوقعاه في الخلاف مع الطريقة المريدية التي حملته إلى السلطة بأصوات أتباعها في الانتخابات الرئاسية لعام 1988م؛ إذ أعلن آنذاك الخليفة العام للمريدية « عبد الأحد أمبكي » في سابقة سياسية دعمه للرئيس عبدو ضيوف، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما وصف الخارجين عن دعوته من أنصار الطريقة بخيانة الشيخ أحمد بامبا.

وبرز الخلاف بشكل كبير بين ضيوف والخليفة العام للطريقة عندما عارض الأخير وبشدة زيارة البابا بولس الثاني، وبعد فشل في محاولته لثني الرئيس ضيوف عن موقفه، كان العقاب التأديبي لضيوف هو تقرب المريدية من الخصم التقليدي لضيوف المعارض لحظتها عبد الله واد والذي يعتز بكونه مريديًّا.

هذا وقد تعززت صلة الرئيس السابق واد بالطريقة بعد وصوله للسلطة عام 2001؛ إذ أظهر واد تقديرًا كبيرًا للخلفية المريدي، حيث كان يظهر أمامه كأحد الأتباع لا كرئيس الدولة، وهو ما ساهم بشكل كبير في إعادة انتخابه ، بعد أن ابتعدت عنه القوى السياسية الداعمة له عام 2001، بل حتى بعض رفاق دربه كرئيس الوزراء أدريسا سك.

و ظل واد يعتمد بشكل يومي على مشايخ الطرق الصوفية في تذليل الصعاب أمام مشاريعه السياسية والاجتماعية، وكذا حلّ خلافاته مع بعض الأطراف السياسية داخليًّا وخارجيًّا، وقد تمكن الخليفة الجديد محمد الأمين أمبكي الذي تمت مبايعته بداية يناير 2008م من نزع فتيل التوتر بين الرئيس واد ورئيس البرلمان ماكي صال بعد خلاف سياسي كاد يفضي إلى بروز مواجهة علنية بين رأسي السلطة التنفيذية والتشريعية.

وعلى المستوى الاقتصادي فلأتباع الطريقة اليد الطولى في أهم القطاعات الإنتاجية في السنغال كالزراعة والصناعة التقليدية والنقل. كما يساهم أتباع الطريقة مساهمة معتبرة ماليًّا عن طريق تحويلاتها السنوية الكبيرة وتستثمر هذه الموارد في الكثير من المشاريع الطوعية كتشييد المستوصفات والزوايا والمدارس، وذلك في المناطق التي تتواجد فيها وبشكل معتبر أتباع الطريقة.

في وجه العولمة

لم تجرؤ الطبقة السياسية والحاكمة في السنغال على المجاهرة بعلمنة الدولة بطريقة تتعارض مع الدين، فالرئيس السنغالي الأول سينغور كان دائمًا حريصًا على إعطاء مفهوم خاص باللائكية في السنغال؛ خوفًا من الاصطدام بالطرق الصوفية.
فأثناء تدشين المسجد الكبير في مدينة طوبى عام 1963م، اعتبر سينغور أن علمانية الدولة التي ينص عليها الدستور السنغالي ليست إلحادًا، ولا معاداة للدين، فالدين مظهر أساسي من مظاهر الثقافة، ويشكل عنصرًا لا غنى عنه لربط الإنسان بالكون، مضيفًا بأن الإسلام والمسيحية يمكنهما مساعدتنا في تصحيح انحرافات الحضارة العلمية والمادية للقرن العشرين.

وتحارب المريدية كل مظاهر الفساد الأخلاقي، فمدينة طوبى تمنع فيها المهرجانات السياسية، والسينما، كما تُعرِّض المجاهرة بالمعاصي كتعاطي المخدرات والخمور أصحابها للعقوبة، وتمنع النساء من لبس الثياب غير المحتشمة. وتعمل المريدية على توحيد صف المسلمين في السنغال، فعلاقتها جيدة بكل المدارس الإسلامية، وتحرص على دعوتها في المناسبات الرسمية الكبرى للطريقة.

كما تشكل المريدية مظلة لبعض الحركات السياسية، فجماعة عباد الرحمن التي تحمل فكر الإخوان المسلمين استعانت في مرات كثيرة بخلفاء الطريقة لحل بعض مشاكلها مع السلطة. كما لعبت الطريقة دورًا لا يستهان به في توطيد أركان الإسلام خارج وداخل السنغال.

وشكلت الطريقة رأس حربة في وجه المخططات التنصيرية التي كان يرعاها الاستعمار الفرنسي. ويذكر للطريقة أيضًا دورها البارز في تربية وتزكية الأفراد عن طريق الزوايا أو ما يعرف محليًّا بكير سرين؛ إذ يذاكر المريديون في هذه الزوايا الأوراد والأدعية، وتنتشر هذه الزوايا في شبه عموم السنغال.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017