فكر

الأقصى ومساجدنا الغائبة

Feature image

أعادت أحداث المسجد الأقصى الأخيرة؛ التي استمرت لأسبوعين (14- 27 يوليو)، وانتهت بانتصار المقدسيين في فرض إرادتهم، وإزالة البوابات الإلكترونية والكاميرات التي أراد بها الاحتلال بسط سيطرته على الأقصى.. أعادت هذه الأحداث مركزية “المسجد”- من حيث القيمة والرمزية والفاعلية- في الوعي الجمعي لدى المسلمين.

فبالرغم من أن القضية الفلسطينية لها مفردات عدة، تتمثل بصورة أساسية في احتلال الأرض، وما تفرَّع عن ذلك من تهجير السكان في الداخل والخارج، ومن تجريف الأرض، والاعتداء على هوية الجغرافيا والتاريخ، والتضييق على الفلسطينيين ومنعهم الحقوق الأساسية للإنسان.. رغم هذه المفردات المتعددة للقضية، فإن “المسجد الأقصى” يظل هو المفردة الأهم، التي توجز ذلك كله، وترمز إليه؛ وبالتالي تجد تعاطفًا شعبيًّا ورسميًّا معها، من العرب وغيرهم، حين يمكر به الاحتلال، ويريد أن يخلخل الواقع على الأرض، لصالح مخططاته في التهويد والتجريف.

وهذه المكانة الكبرى للمسجد الأقصى في مجريات الأحداث، تدعونا للتساؤل عن مساجدنا الغائبة عن التأثير في واقعنا، كما تدعونا للبحث في الأسباب التي شلَّت فاعليتها، ووقفت حاجزًا بينها وبين دورها الطبيعي؛ الذي ترسّخ لها- أي للمساجد- عبر رحلة الحضارة الإسلامية في قرون مضت!

إشعاع وتوجيه

لقد كانت “المساجد” محور حضارتنا، ونقطة انطلاقها وارتكازها.. منها انطلق الفعل الحضاري في شتى المجالات، وحولها تحلَّق هذا الفعل.. حتى يمكن وصف حضارتنا بأنها “حضارة المسجد”.

ومنذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في إنشاء “المسجد”- إثر هجرته للمدينة المنورة، وبالتوازي مع إنشاء “السوق” وعقد “المؤاخاة” بين المهاجرين والأنصار- والمسجد يمثل بؤرة إشعاع وتوجيه.. ليس في الجانبين الروحي والاجتماعي فحسب، بل حتى في الجانب المادي؛ فقد كان معمار المسجد بوابة كبرى لتشكُّل الفنون الإسلامية وتطورها، بما يعكس القيم الإسلامية ويفصح عنها، من حيث الوضوح والتجريد.

ويقرر رجاء جارودي، في كتابه المهم الذي أصدره قبل إسلامه: (في سبيل حوار الحضارات)، أن “المسجد بلا ريب هو المثل الرمزي الأعظم، وهو نوع من صلاة الحجارة، وملتقى جميع فنون الإسلام. وقد أصاب القائلون إن جميع الفنون تقود في الإسلام إلى المسجد، والمسجد إلى الصلاة” (ص: 171).

لقد كان المسجد على مدار حضارتنا ذا سجل حافل من الإشعاع الروحي، والتثقيف العلمي، والتوجيه الاجتماعي، والجمال الفني..

انكماش وتغييب

ثم أصاب المسلمين ما أصابهم، وانكمش دور المسجد وغاب، أو غُيِّب..! بحيث صارت المساجد لا تُفتح أبوابها إلا عند الأذان، وتغلق بمجرد الانتهاء من الصلاة.. فيما لا يزيد على ساعتين من الساعات الأربع والعشرين!

ولا شك أن هذا الغياب- أو التغييب- كان ذا أثر سيئ في المجتمع، وترك فراغًا ملأته وسائلُ أخرى للتوجيه والتثقيف وتشكيل الوعي كما يريد أصحابها، خَصْمًا من دور المسجد وفاعليته في الحياة، ومركزيته لدى العقل المسلم!

وغير خاف أن هذا التغييب كان جزءًا من خطط “تجفيف المنابع”، التي أريد بها محاربة ما يسمى “الإرهاب”.. وخلط أصحاب هذه الخطط بين ما ينشأ من ظواهر مرضية هنا أو هناك، لسبب أو لآخر، وبين ضرورة أن يكون المسجد منارة للوعي والحراك المجتمعي؛ وليس مجرد بناء للركوع والسجود.. اللهم إلا إذا كانت محاربة “الإرهاب” مجرد ذريعة لإضعافِ الإسلام، وتغييرِ هوية الشعوب، وإفساحِ المجال أمام تغريبها وإلحاقها بقطار التبعية!

حين أُضعف دور المسجد، في مقابل إفساح المجال غير المحدود لنوافذ أخرى- عبر الفضائيات وشبكة المعلومات- فإن شبابنا صاروا في موقف يستحق الشفقة! إذ صاروا نهبًا لبرامج تعبر عن الغرب، وتعلن بانتمائها لثقافته، وتنادي باللحاق به، وليس مجرد الإفادة منه وأخذ ما فيه من الصالح والجيد.. وفرقٌ كبير بين الذوبان والاستفادة، وبين الندية والتبعية، وبين البحث عن الحكمة لدى الآخر والانقياد الأعمى له!

مصير واحد

وإذا جاز للمسجد الأقصى أن يكون تلخيصًا أمينًا للقضية الفلسطينية برمتها، ورمزًا مكثَّفًا لمعاناتها ومسارها- وهو قطعًا جدير بذلك- فإن مساجدنا هي خير تعبير عن واقع مجتمعاتنا وما أصابها من تجريف وتبديل!

ولن تعود لمجتمعاتنا فاعليتها وصفاؤها الروحي ونسيجها الاجتماعي القوي؛ حتى تسترد مساجدنا مكانها ومكانتها، وتستأنف الدور الذي عرفته طيلة مسيرة حضارتنا في قرونها الزاهرة.

وليست هذه- كما يزعم البعض-  دعوةً للتقليل من شأن المؤسسات التي أبدعها المجتمع المدني الحديث، والتي تعبر عن حراك المجتمع وفاعليته؛ من جمعيات ونوادٍ ونقابات وأحزاب ومنتديات.. وإنما هي تنبيه على الفراغ الذي تركه غياب دور المساجد، ولم ينجح شيء آخر في مَلْئِه.. لاسيما وأن ما أتيح من مؤسسات أخرى قد صُبَّ فيه مضمون مناقض لمضمون المسجد ورسالته!

وصار الأمر كما قال الشاعر العراقي معروف الرصافي:

إذا ما رأينا واحدًا قام بانيًا … هناك رأينا خلفه ألفَ هادم

فكيف إذا كان هذا الباني- المسجدُ- مقيَّدَ الإرادة، عاجزًا عن أداء رسالته، وغير مسموح له بأن يقوم بوظيفته؛ التي تتجاوز بكثير مجرد كونه مكانًا للصلاة!

إن مصير المسجد الأقصى مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير مساجدنا، والعلاقة بينهما طردية، وتحرر الأول من وطأة الاحتلال وتدنيسه مشروطٌ بتحرر الثاني من القيود التي تكبِّله وتعيقه عن أداء رسالته..

وتلك هي إحدى أهم العبر من أحداث الأقصى المبارك..

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة