فكر

الدروز .. ألف عام من السرية

20 أغسطس, 2017

103
مشاركة

أينما حلّ الشيعة بأرض خلّفوا وراءهم الانشقاقات الدينية العميقة، وهذا ما رصدناه عند حديثنا عن البهائية والقاديانية والمرشدية … إلخ.

تلك الانشقاقات التي تستحيل إلى أديان قائمة برأسها، يجهر أتباعها في كثير من الأحيان بأنهم أصحاب أديان مستقلة، ويحاول نفر قليل أن يربطوا أنفسهم برباطٍ ما يربطهم بالإسلام.

ومن الأديان التي خرجت من رحم التشيع دين الدروز. والدروز هم أتباع دين سري خرج من عباءة المذهب الإسماعيلي الباطني؛ إذ يعتقدون أن ديانتهم نسخت كل ما قبلها.

وهم يفضّلون أن يتسموا باسم: “الموحدين”.

وأهل اللغة يعتبرون أن فتح الدال في كلمة “الدروز” هي الأصوب([1]). و”الدَّرْزِيّ -بالفَتْح” في اللغة هو “الخَيّاط”([2]).

وقد نشأت بذور هذه الطائفة في مصر في العصر الفاطمي في القرن الرابع الهجري (القرن الحادي عشر الميلادي) في عصر سادس الخلفاء الفاطميين الحاكم بأمر الله، لكن أتباعها لم يلبثوا أن هاجروا إلى الشام. وقد أمر الحاكم بأمر الله حمزة بن علي بن محمد الزوزني الفارسي [375هـ – 430هـ] -كبير دعاته وأحد المقربين إليه والذي كان لقبه: السند الهادي- أن يذهب إلى بلاد الشام؛ ليتسلم رئاسة الدعوة الإسماعيلية فيها، ويجعل مقره (وادي التيم).

ولما اختفى الحاكم بأمر الله لم يسلم حمزة بموته، ثم غالى في موقفه فرفض الاعتراف بإمامة الظاهر ابن الحاكم بأمر الله، وهذا إعلان بالانشقاق عن الدولة الفاطمية.

ورغم أن المؤسس الفعلي لهذه الطائفة والداعي لها هو حمزة بن علي، والذي يعتبر مقدسًا لديهم، إلا أن نسبتها لم تكن إليه. ويكتنف من تنتسب إليه هذه الطائفة الغموض، فقيل: تنتسب إلى أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي، المعروف بـ: “نشتكين”، وقيل: “هشتكين”، وقيل: “تشتكين”، ويبدو أن الأخير تصحيف. وقيل: هو فارسي الأصل، وقيل: من مولدي الأتراك.

وكان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز، إلا أنه تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة أربعمائة وسبع من الهجرة؛ مما أغضب حمزة عليه، وأثار الناس ضده، حيث فر إلى الشام، وقد دبر حمزة لقتله سنة أربعمائة وإحدى عشرة هجرية.

“وفي سيرته كما في أخبار غيره من أتباع هذه النحلة غموض كثيف. والدروز حتى اليوم متفقون على أن صاحب هذه الترجمة انقلب على (الحاكم) وعاداه في أواخر عهده”([3]). وهذا الرجل يلعنه الدروز. فيبدو أن أحد الناس نبزهم بهذا الاسم، فالتصق بهم وشاع فلم يستطيعوا منه فكاكًا.

والدروز في غالبهم عرب أقحاح يعود أصلهم إلى قبائل تنوخ اليمنية التي هاجرت إلى شمال الجزيرة العربية بعد انهيار سد مأرب، إلا أن آل جنبلاط من الأكراد.

وعقائد هذه الطائفة خليط من عدة أديان وأفكار، ومن الصعب معرفة عقائدها على وجه اليقين؛ لأنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس، ولا تعلمها حتى لأبنائها، إلا إذا بلغوا سن الأربعين.

وقد جاء في كلامٍ لحمزة بن علي مهددًا وموعدًا من تسوّل نفسه بإفشاء أسرارهم قائلاً: “إن أكبر الآثام وأعظمها إظهار سر الديانة، وإظهار كتب الحكمة -يعني: كتبهم، والذي يظهر شيئًا من ذلك تجاه الموحدين يقتل حالاً، ولا أحد يرحم”.

ويقول: “عليكم -أيها الإخوان الموحدون- دفن هذه الأسرار، ولا يقرؤها إلا الإمام على الموحدين في مكان خفي، ولا يجوز أن تظهر كتب الحكمة التي كلها رسم ناسوت مولانا سبحانه”([4]).

وعندما قام أحد علماء الدروز ويسمى عبد الله النجار بإصدار كتابه “مذهب الدروز والتوحيد”، وبيَّن حقيقة هذا المذهب، قامت ضجة حوله وحول كتابه، وحاكمه مشايخ الدروز لفضحه أسرار المذهب، وجمعوا نسخ الكتاب من الأسواق وأحرقوها، وتحينوا الفرصة لاغتياله، وتم لهم ذلك.

وهذه العقائد السرية جلّها مأخوذ عن معتقدات الطائفة الإسماعيلية الباطنية، مع الإفادة من فلسفات المشرق والمغرب، ثم إنهم يُظهرون التفاخر بالانتساب إلى حكماء الهند، ويعظّمون الفراعنة.

والدروز منغلقون على أنفسهم ولا يقبلون أحدًا في دينهم، ولا يسمحون لأحد بالخروج منه؛ فديانتهم ديانة طائفية منغلقة، وليست دعوة رسالية تنشر رسالتها في العالمين.

ولهم مصحف كتب حديثًا، ويعتقد أن كاتبه هو كمال جنبلاط الزعيم اللبناني، وهذا المصحف يؤمنون به، ويسمى (المنفرد بذاته)، وفي هذا المصحف عدة أمور تلفت النظر بشدة:

أولها: تأليه الحاكم بأمر الله تأليهًا صريحًا.

ثانيها: اقتباس آيات من القرآن الكريم أو فقرات من بعض الآيات.

ثالثها: تحريف بعض جمل القرآن الكريم واستبدال لفظة غير قرآنية بأخرى قرآنية مع المحافظة على المعنى القرآني في نطاق هذه الجملة وتلك.

رابعها: الإتيان بالجمل القرآنية، واستبدال اللفظة غير القرآنية بأخرى قرآنية مع مخالفة المعنى القرآني.

خامسها: تقليد الإيقاع القرآني والإتيان بفقرات قرآنية من سورة ما، ومحاولة الربط بين هذه وتلك في نطاق المعنى المستهدف([5]).

وقد طُبع هذا المصحف المزعوم منذ مدَّة (طبع حجر)، طبعة ليس عليها بيانات نشر، وأخرى مطبوع عليها: بيروت: بيت اليتيم، ويقع في 269 صفحة.

و”صار الدروز أنفسهم يكشفون عن عقيدتهم ويوزعونها بين الناس، كما فعل ناشر “رسائل الحكمة” دار “لأجل المعرفة” في ديار عقل بلبنان، نشرها سنة 1406هـ / 1986م، وكانت من قبل سرية، لا يطَّلع عليها سوى العقّال، خاصَّتهم، وقد سبق طبعها في باريس عام 1400هـ / 1980م.

قال الناشر المذكور في أول هذه الرسائل: نعالج في الكشف عن رسائل الحكمة كتاب الدروز المقدس، سرًّا استمر مكتومًا دهورًا، وفي معالجتنا هذه نقدِّر موقف جماعة يعتبرون السرية عقيدة أساسية عندهم، ويصرون على أن كشف الحقيقة يعرِّضها إلى إساءة فهمها والهزء بها، وهذا الهزء على -ما يقول كمال جنبلاط، أحد زعماء الدرزية المعاصرين: يجرُّهم إلى التهلكة، فيجب أن نتجنب مثل هذه الكارثة مهما كلفنا. ثم أورد (10) اعتبارات في ردِّ هذا الزعم، وأن الأولى الإجهار بها”([6]).

وانفراد الدروز بأنفسهم وانفصالهم عن المسلمين جعل إسرائيل تعترف بهم كجماعة دينية مستقلة ومنفصلة عن المجتمع الإسلامي، وتذكر بعض المصادر أنه بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948م أبرم مجموعة من رجالات الطائفة الدرزية اتفاقية بينهم وبين الكيان، بموجبه يكون للدرزي ما لليهودي، وعليهم ما على اليهودي، ولذلك فإن الخدمة في جيش الكيان الغاصب للدروز إجبارية، ومقابل هذه الخدمة يحصلون على الامتيازات التي يحصل عليها الجندي اليهودي.

 


([1]) انظر: تاج العروس للزبيدي، (15/145).
([2]) السابق، نفس الصفحة.
([3]) الأعلام للزركلي، (6/35).
([4]) عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب، ص(175).
([5]) العقيدة الدرزية، بحث في بقية الفرق المنتسبه للإسلام، لأيمن محمد أبو بكر.
([6]) مصحف الدروز وعقيدتهم لمحمد خير رمضان يوسف، الموقع الشخصي له.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019