فكر

الدولة والشريعة في مصر الحديثة

11 سبتمبر, 2017

1
مشاركة

جاء تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي في مطالع القرن التاسع عشر ليشكل منعطفا مهما على صعيد العلاقة بين الدولة والشريعة، فقبل ذلك التاريخ كان هناك تقسيم تاريخي للأدوار التي يضطلع بها كل منهما يقضي بأن تتولى الدولة المهام الكبرى كالسياسة الخارجية والدفاع والتجارة الدولية، على حين تتولى الشريعة إدارة المجال القضائي والمجال الاجتماعي والأوقاف، ولم تكن ثمة خروقات لهذا التقسيم إلا في حالات جد نادرة، غير أنه أضحى عرضة للاهتزاز  مع نشوء الدولة الحديثة التي تتأسس على فكرة رئيسة مفادها أن السيادة أي السلطة النهائية التي لا تعلوها سلطة أخرى ينبغي أن تكون للدولة وليس لأي سلطة أخرى حتى وإن كانت الشريعة، وهو ما يتطلب إحكام سيطرتها على جميع المجالات التي لا تخضع لسلطانها ومن بينها المجالات الخاضعة للشريعة، وهكذا شرعت أولا بالقضاء ثم أتبعته بالمساحات الأخرى في مراحل زمنية لاحقة.

الدولة والسيطرة على القضاء

بسطت الدولة هيمنتها على المجال القضائي عبر حزمة من الإجراءات المتتالية كان أولها اعتماد إرادة الحاكم لتصبح قانونا معمولا به، وهناك طائفة من الأوامر أصدرها محمد علي لتنظيم الجهاز الإداري تحولت إلى قوانين معتمدة، وبعضها أبطل العمل بالشريعة كما هو الحال حين ألغى العقوبات الشرعية لجرائم السرقة والرشوة التي تتم في الجهاز الإداري للدولة واستبدلها بقوانين وضعها بنفسه أكثر صرامة لتكون جزاء رادعا لمن تسول له نفسه الاستيلاء على الأموال الأميرية.

وثانيها الاطلاع على مجموعات القوانين الوضعية الغربية وقد بدأت على نحو خجول في أخريات عصر محمد علي حين ترجمت بعض مواد من قانون العقوبات الفرنسي ثم نشطت مجددا في عهد إسماعيل الذي أمر بترجمة مجموعة القوانين الفرنسية المسماة “الكود”.

وأخيرا تم وضع بعض هذه القوانين موضع التطبيق جنبا إلى جنب مع الشريعة الإسلامية وذلك في منتصف القرن تقريبا، وبمقتضى ذلك باتت الشريعة تنظر قضايا بعينها كالدماء والجنايات والأعراض والأوقاف على حين أصبحت قضايا السرقات والأموال من اختصاص القانون الوضعي، وانعكس ذلك على تصميم الهيئات القضائية والتشريعية آنذاك التي ضمت في عضويتها رجال الشريعة إضافة إلى رجال القانون، فكانت القضية الواحدة تنظر في كثير من الأحيان شريعة ثم تنظر سياسة -أي بالقانون الوضعي- وقد أدت تلك الازدواجية القانونية إلى بعض الاضطراب في الجهاز القضائي.

يتخذُ بعض الباحثين من تلك المظاهر مستندا للادعاء أن محمد علي وخلفائه أرادوا الإطاحة بمرجعية الشريعة القانونية واستبدالها بالقوانين الوضعية، غير أن هذا الادعاء يصعب التسليم به، فالفكرة التي سادت آنذاك في القاهرة كما في استانبول هي إمكانية الجمع بين الشريعة والتشريع الغربي الوضعي في وحدة قانونية متكاملة على نحو يكفل الاستفادة من التشريع الغربي الذي اتسم بالتنظيم والوضوح، ويضمن تلافي بعض عيوب النظام القضائي الشرعي المتمثلة في تعددية الفهوم للنص الشرعي وصعوبة استخراج القاعدة الشرعية وتوزعها على كتب الفقه، ويدعم هذا ما نلحظه من تبني الدولة لمحاولات تقنين الشريعة ودعمها لمحاولات مراجعة القوانين الغربية على ضوء الشريعة الإسلامي وهما المهمتان اللتان اضطلع بهما محمد قدري باشا (1821-1886 م) القانوني البارز.

محاولات التوفيق بين الشريعة والتشريع الغربي

ولد قدري باشا بمدينة ملوي في جنوب مصر وكانت أسرته قد هاجرت من إحدى قرى الأناضول واستقرت بمصر، وأُدخل وهو صغير مدرسة أهلية -مدنية- وتلقى تعليمه فيها ثم التحق بمدرسة الألسن وتخرج منها، وكان متقنا لعدة لغات شرقية إضافة إلى بعض اللغات الأوروبية كالفرنسية والإيطالية والانجليزية، ومن الواضح أنه لم يهمل الثقافة الإسلامية فيقال أنه كان دائم التردد على الأزهر وحضر به دروس اللغة العربية والفقه على يد أعلام الفقهاء فاستطاع بذلك الجمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة المدنية الحديثة.

اقترن اسم قدري باشا بعدد من المشروعات التشريعية في مصر فكان ضمن فريق تعريب القوانين الفرنسية “الكود” وهو من ترجم قانون الحدود والعقوبات، أما العمل الأبرز في حياته فقد ارتبط بالشريعة الإسلامية إذ عهد إليه بمراجعة القانون المدني الفرنسي وبيان مدى موافقته للمذهب الحنفي، وهي من أوائل المحاولات للمقارنة والموائمة بين الشريعة والقانون الوضعي، وقد كتب قدري باشا في ذلك مخطوطا لم يُنشر حمل عنوان ” هذا بيان المسائل الشرعية التي وجدت في القانون المدني مناسبة أو موافقة لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان” وهو يقع في 114 صفحة، وقد طابق خلاله جميع بنود القانون البالغ عددها 2238 بندا على المذهب الحنفي، وفي كل بند يذكر موافقته أو عدم موافقته للمذهب، وهو عمل شاق ويبدو أنه استغرق وقتا وجهدا.

أما العمل الآخر الذي خلد اسمه فهو محاولة تقنين الشريعة الإسلامية ووضعها في صيغة قانون منتظم في أبواب ومواد على غرار القوانين الحديثة وذلك بعد صوغها بلغة يسيرة سهلة الفهم بعيدة عن اصطلاحات وعبارات الفقهاء، وقد أسفرت تلك المحاولة عن صدور ثلاث كتب:

الأول، مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان، وهو كتاب خاص في المعاملات المالية طبعته نظارة المعارف عام 1890 م وتكررت طبعاته بعد ذلك، ويقع في 941 مادة، وترجم إلى اللغة الفرنسية بعد رحيله.

والثاني، قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف، طبع بمطبعة بولاق عام 1894 وهو يقع في 646 مادة.

والثالث: الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، طبع بمطبعة بولاق عام 1898 ويقع في 647 مادة.

علماء الشريعة ومشروع التقنين

ولا ينبغي أن يُظن أن علماء الشريعة كانوا بعيدين كل البعد عن محاولات التقنين وصوغ الشريعة في قالب عصري متطور، فنصوص المراسلات التي افتتح بها كتاب “مرشد الحيران” توضح الدور الذي قام به الشيخ محمد المهدي العباسي مفتي الديار المصرية والشيخ حسونة النواوي مدرس الشريعة بمدرسة الحقوق في مراجعة الكتاب ويبدو من خلالها دورهما الكبير الذي تراوح بين التغيير والإصلاح والتطبيق لما عليه العمل في المذهب الحنفي، والإحالة المرجعية في الهامش إلى المصادر الفقهية لكل مادة من مواد القانون البالغ عددها 941 مادة، ووضع فهرست شامل للكتاب، وهذا العمل كان من الضخامة بحيث استغرق قرابة عام كما بينت المراسلات، وهذه التعديلات والتصويبات وما أنفقه الشيخان من وقت توحي أن محاولة قدري باشا لم تكن مكتملة من الناحية الشرعية وأنهما يعدان شريكان أساسيان في تلك المحاولة ولو على سبيل المراجعة والتصويب.

ومثل هذا ينطبق بشكل أو بآخر على كتاب “الأحكام الشرعية” الذي شرحه الشيخ زيد الأبياني مدرس الشريعة بمدرسة الحقوق في ثلاث مجلدات، وقد ذكر في مقدمته أنه رغم الفائدة التي يحملها الكتاب إلا أن بعض مواده جاءت غامضة العبارة مبهمة الإشارة، والأخرى مطلقة الأحكام الواجبة للتقييد، ومن ثم حصر جهده في تيسير عبارات الكتاب وتقييد مطلقه وإكمال نواقصه وإتمام وسائله وشرح مسائله.

نخلص من هذا كله أن علماء الشريعة لم يكونوا بعيدين عن محاولات التقنين، وأن ما يقال بشأن رغبة الدولة في إقصاء الشريعة لم يكن دقيقا فكانت هناك محاولات لتطبيق القانون المدني على الفقه الحنفي، ومحاولات أخرى لتقنين الشريعة الإسلامية ووضعها موضع التطبيق غير أن ثمة عقبات حالت دون ذلك في مقدمتها الأزمة السياسية والمالية التي شهدتها مصر والتي انتهت بالاحتلال البريطاني.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017