فكر

اليونسكو.. معركة الدبلوماسية والعقيدة

15/10/2017

Feature image

 

 ست جولات جرت في انتخابات المدير العام لمنظمة اليونسكو أسفرت في النهاية عن فوز المرشحة الفرنسية “أودري أزولاي” بفارق صتين فقط عن المرشح القطري د. حمد الكواري..

المرشحة الفرنسية “اليهودية” التي تم الدفع بها في اللحظات النهائية قبل غلق باب الترشح وكانت تشغل وزيرة الثقافة في حكومة “أولاند” ربما اسهمت في كشف واقع عربي مرير يعاني آفات كثيرة.. لكنها كشفت الجرح الأكبر فيه..

وهنا ربما يجدر التأكيد على أن اللوبي الصهيوني يدرك جيدا طبيعة المعركة وابعادها، بل وقيمتها، فاليونسكو ليست منظمة ترفيهية، وليست هامشية بالنسبة له، بل يمكن القول إنهم ينظرون إليها على أنها صداع مزمن ينبغي السيطرة عليه وعلاجه بل واستئصاله إن أتيح ذلك…

المنظمة “الصداع”

فاليونسكو هي التي تبنت في 13/10/2016م  قرارا ينفي أي علاقة تاريخية بين اليهود والمسجد الأقصى المبارك وحائط البراق.. وجاء في القرار أنه لا يوجد أي اثبات أثري يدل على وجود “الشعب اليهودي” في القدس .

واليونسكو هي التي أقرت ادراج مدينة الخليل والحرم الابراهيمي على لائحة التراث العالمي، لتصبح البلدة القديمة في الخليل رابع ممتلك ثقافي فلسطيني على لائحة التراث العالمي بعد القدس (البلدة العتيقة وأسوارها) وبيت لحم (مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج) وبتير (فلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لجنوب القدس).

مثل هذه القرارات مثلت إزعاجا شديدا للوبي الصهيوني الداعم لفكرة “إسرائيل”، وجعلت صحيفة هآرتس العبرية على سبيل المثال تؤكد على لسان سياسيين يهود أن هذه القرارات هي أخطر قرارات على اليهود منذ أكثر من 70 عاما .

وجعلت وزارة خارجية الصهاينة تؤكد في بيان لها أن “اليونسكو تسعى لتقويض الصلة اليهودية بالقدس” حسبما نشرت على موقعها الرسمي في تعليقها على القرار..

اليونسكو إذن بالنسبة لـ “إسرائيل” معركة عقدية.. فهي منظمة ربما اوقفت مشروعها العقدي الذي قامت عليه، وبالتالي فغن السيطرة عليها واجبة، وفي سبيلها يجب أن تضحي إسرائيل بكل شيء.. حتى بعلاقاتها ببعض الانظمة العربية “الصديقة” فتخوض المرشحة اليهودية المعركة ضد المرشحة المصرية وتفوز عليها، لتقابل في النهاية المرشح القطري مرشح الدولة العدو بالنسبة لـ “إسرائيل” والرجل الذي قالت عنه الصحف العبرية إنه أكثر من سمح للكتب التي تعادي فكرة الدولة الإسرائيلية أن تكون ضمن معرض الدوحة للكتاب!!

دبلوماسية المناكفة الفاشلة

هكذا كانت تفكر “إسرائيل” في معركة اليونسكو.. أما العرب فقد كانت لهم كالعادة طريقة اخرى للتفكير، تعتمد على المناكفة السياسية الفاشلة..

فبدلا من الاتفاق على مرشح واحد، وبدلا من احترام قرار مؤسسات مجلس التعاون الخليجي الذي اعتمد المرشح القطري كمرشح الإجماع الخليجي، وبدلا من محاولة تنسيق الجهود كان للعرب أكثر من مرشح فتت الأصوات وأعطى للـ “صهاينة” فرصة السطو على مقعد منظمة من المنظمات الأهم في الأمم المتحدة.

الادهى أن الخلافات الداخلية العربية قد انطبعت على طريقة إدارة البعض للمعركة، لدرجة ضاعت فيها قيم مثل “العروبة” و”الأخوة” و”النخوة” وساند عربي مرشحة صهيونية على حساب مرشح عربي مسلم.. ورأينا عربيا يصرخ في إحدى قاعات الأمم المتحدة قائلا: تحيا فرنسا … مناكفة في بلد عربي شقيق!!!

وقبل التعرض لفكرة كيفية إدارة المعركة يمكن التذكير بالجولات الست وما حصل عليه كل مرشح بالتفصيل لنستطيع تحليل هذه الأرقام…

ففي الجولة الأولى كانت الارقام كالتالي:

حمد الكواري (قطر): 19 صوتا، وأودريه أزولاى (فرنسا): 13 صوتا، مشيرة خطاب: 11 صوتا، وفولاد بلبل أوجلو (أذربيجان): صوتين، وفام سان شاو (فيتنام): صوتين، وكيان تانج (الصين): خمسة أصوات، فيرا خورى لاكويه (لبنان):  6 أصوات.

وفي الجولة الثانية كانت كالتالي:

مشيرة خطاب: 12 صوتا، حمد بن عبد العزيز الكواري: 20 صوتا،  أودريه أزولاي: 13 صوتا.

وفي الجولة الثالثة كانت كالتالي:

مشيرة خطاب: 13 صوتا، وأودريه أزولاي:18 صوتا، وحمد الكواري: 18 صوتا، وكيان تاج الصيني: 5 أصوات، وحصلت فيرا خوري اللبنانية على 4 أصوات، وانسحب المرشح الفيتنامي قبيل الجولة الثالثة.

وفي الجولة الرابعة كانت كالتالي:

حمد الكواري: 22 صوتا، ومشيرة خطاب: 18 صوتا، وأودريه أزولاى 18 صوتا.

وفي جولة الإعادة بين المرشحة الفرنسية والمرشحة المصرية، حسمت أزولاى لصالحها بـ 31 صوتا مقابل 25 صوات لمرشحة مصر.

وفي الجولة الختامية فازت أودريه أزولاى بالمنصب بإجمالي 30 صوتا، وفارق صوتين عن المرشح القطري حمد الكواري الذي حصل على 28 صوتا.

 

هناك عدة ملاحظات على فكرة الإدارة الدبلوماسية لمعركة انتخابات اليونسكو ينبغي التأكيد عليها …

الأولى: دلالة الأرقام: وهي دلالة مهمة للغاية من حيث كونها كاشفة لأمور كثيرة منها، النجاح الدبلوماسي الممتد عبر دلائل كثيرة للدبلوماسية القطرية والذي علت وتيرته منذ بداية الحصار عليها..

وفي المقابل فإن رباعية الحصار فشلت فشلا ذريعا في التسويق لموقفها من حيث كون هذه الاحداث أحد المؤشرات المهمة على الحشد والتجييش للمواقف..

وباستطلاع الأرقام يتضح هذا الموقف كثيرا.. ففي تحليل نشره حسام نصار المنسق السابق لحملة مصر في اليونسكو، جاء توزيع الارقام التي حصلت عليها المرشحة المصرية  كالتالي: عدد 1 صوت من أوروبا الشرقية من أصل 7، عدد 2 صوت من المجموعة العربية من أصل 7، عدد 2 صوت من أفريقيا من أصل 13، عدد 3 أصوات من آسيا من أصل 12، عدد 3 أصوات من أمريكا الجنوبية من أصل 10، عدد صفر صوت من مجموعة أوروبا الغربية من أصل 9.

توزيع الاصوات بهذه الطريقة في مقابل المرشح القطري الذي حصل على أكثر منها من الفئات نفسها لا يعكس فقط ما قلناه من فشل في الحشد والتأييد للدبلوماسية المصرية ومن أيدها من دول الحصار، حيث لم تستطع الحصول على قدر كاف من أصوات العرب أو الأفارقة، وإنما يعكس نجاحا قطريا في إدارة المعركة، حيث حصلت قطر على أكثر من نصف الأصوات العربية، وقرابة الـ90% من اصوات القارة السمراء داخل المجلس التنفيذي..

الثانية: حتى العرب:  وهذه ربما من توابع الاولى، ففي المجلس التنفيذي لليونسكو سبع دول عربية هي السودان، الجزائر، المغرب، عمان، قطر، لبنان، مصر، ومعنى حصول المرشحة المصرية على صوتين من الأصوات العربية في الجولة الأولى انها حصلت على صوت دولتها وهي مصر ودولة واحدة فقط من الدول الستة أو الخمسة مع استبعاد قطر صاحبة المرشح المنافس..

وهذه تعني ان المحيط العربي غير متفق في هكذا ازمات، ويعني ايضا أن الأزمة الخليجية ليست محل إجماع عربي، وان رباعية الحصار ربما تكون هي التي تم حصارها خلال الفترة السابقة على مستوى الموقف.. ومعركة اليونسكو خير شاهد على ذلك..

الثالثة: صداقة إسرائيل لا تنفع:  نعم.. فبرغم من العلاقات الودية التي يتمتع بها النظام المصري علنا مع دولة الاحتلال الإسرائيلي إلا ان هذه الصداقة لم تنفع في مثل تلك المعارك التي يخوضها الجانب الإسرائيلي بعقيدة ثابتة تقدم مصلحة “إسرائيل” على كل من سواها.

ففي جولة الإعادة بين المرشحة اليهودية الفرنسية وبين المرشحة المصرية حشد اللوبي اليهودي والصهيوني كل قدراته وإمكاناته خلف المرشحة الفرنسية التي ستتبنى وجهة نظره بكل تأكيد أو على الأقل سيتم تحييد المنظمة في عهدها لتتخلص إسرائيل من “صداعها” المزمن..

ولم تنفع مصر صداقتها ولا علاقاتها المميزة مع “إسرائيل” التي تحدث البعض عن أنها ستساند مصر من خلال علاقاتها المتميزة، بل ذهب بعض الحالمين في الإعلام المصري إلى القول بان المرشحة الفرنسية ستتنازل للمرشحة المصرية.. ولله في خلقه شئون!!!!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة