فكر

حيدر لإسلام أون لاين: العلمنة أكثر المفاهيم الغربية قابلية للتأويل

المفكر محمود حيدر في حوار حول الدين والعلمانية في الغرب(1-2)

18 أكتوبر, 2017

0
مشاركة

العلمانية لم تنته في الغرب، ولكنها أصبحت مضطرة إلى تشكيل مسار جديد في ظل يقظة الدين، هكذا يلخص المفكر اللبناني محمود حيدر، حالة العلاقة بين الدين والعلمانية في الحضارة الغربية المعاصرة، حيث يرى “حيدر” المتخصص في الفكر الغربي والفلسفة والاجتماع الديني، ورئيس مركز دلتا للأبحاث المعمقة ببيروت، ورئيس تحرير مجلة “مدارات غربية”، ومدير التحرير الحالي لمجلة “الاستغراب”، أن علمنة الغرب ليست واحدة، ففي التجربة الفرنسية هناك حدود واضحة بين الروحي والزمني، وبين السياسي والديني، أما في الخبرة الأمريكية والأوروبية فإن العلمنة جاءت على نحو يكاد يخلو من الصدام مع سلطة الكهنوت الفكرية والسياسية، لذا كانت العلمنة أكثر المفاهيم التي أنتجها الغرب قابلية للتأويل.

ويؤكد “حيدر” في حواره مع إسلام أون لاين أن أكبر العيوب التكوينية في المشروع الحداثي أنه استبدال محورية الإنسان في الكون بمحورية الحضارة الغربية، وهو ما جعل أزمة المشروع الغربي تكاد أن تكون أزمة عالمية.

 

علمنة الغرب ليست واحد

يرى البعض أن الغرب علماني، ومن ثم ليس هناك ما يدعونا الى متابعة شأنه الديني، والسؤال كيف تقيمون هذا المسلك الذي ينظر باستسهال وتبسيط شديد إلى قضايا الدين في الغرب مستنداً إلى نظرة سطحية تقول إن الكنائس لا تجد من يقيم الصلوات فيها، وأن الكنيسة في الغرب تعاني من هشاشة في خطابها الديني؟

مع أن الدخول إلى فكرة العلمنة والسفر في عوالمها، لا يزال ينطوي على حذر لافت بين مفكري وفلاسفة الغرب، فلا ينفك التعامل مع هذه الفكرة في البلاد العربية والإسلامية بطريقة فيها الكثير من التبسيط والاختزال. من أجل ذلك سيكون علينا في المجتمعات العربية والإسلامية أن نقوم بمراجعات هادئة ومتدبرة لمفهوم العلمانية لكي ننتهي من الدوامة الفكرية التي افترضها عالم المفاهيم المتدفق علينا بزخم هائل من الغرب.

ما يحملني إلى هذه الملحوظة هو ابتلاؤنا المستدام بغموض المفاهيم التي أنتجتها الحداثة الغربية ولما تزل تستغرقنا، غير أن النقطة الجديرة بالمعاينة، هي وجوب معرفة حدود التمايز بين العلمنة كمفهوم نظري والعلمانية كما هي في حقل الاختبار والتجربة التاريخية.

فإذا كان المفهوم هو على الدوام معيار البناء المعرفي لدى النخب التاريخية في العالمين العربي والإسلامي، فإن مفهوم العلمنة نفسه لم يتحدد بوضوح إلا وفقاً للاختبارات التي اكتسبت خصوصيتها في التاريخ الغربي الحديث. لكن لا بد من التنبيه إلى أن علمنة الغرب كمثال ونموذج حضاري ليست واحدة، ولا هي جرت على النشأة نفسها في البلدان التي شهدت ثورات الحداثة ابتداءً من القرن الرابع عشر.  ففي كل بلد أوروبي كان للعلمنة فيه نسقٌ يناسب هويته وثقافته وجغرافيته المعرفية.

واليك بعض المقتبسات  تأتينا من خزائن الحداثة وتبيِّن علامات المشهد:

-الثورة الفرنسية على سبيل المثال أطلقت سياقاً خاصاً في سيرورة العلمنة. قد يكون هو السياق نفسه الذي حمل نخب البلاد الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى الأخذ بالنَسخة الفرنسية للعلمنة كوسيلة لبناء مدائنهم الفاضلة.

في المثال الفرنسي حيث كانت تقوم بين النظامين السياسي والديني صلة تلاحم وترابط، لم يكن النضال من أجل التحرر السياسي والاجتماعي لينفصل عن النضال ضد الهيمنة الإيديولوجية للاهوت الديني المسيحي. لقد كان تأكيد استقلال الإنسان وحريته يعني تأكيداً موازياً لاستقلالية العقل. على هذا النحو من الحراك كانت العلمانية و”الدَنْيَوَة” تشكلان سيرورة واحدة، وسيكون لها أن تفرز تصوراً للحداثة جمهورياً وجذرياً ووضعياً، تصوراً يقيم حدوداً واضحة بين الروحي والزمني، بين السياسي والديني.

أما في أميركا وبقية أنحاء أوروبا، فإن نزع القداسة عن العالم والمجتمع تمّ على نحو يكاد يخلو من الصدام مع سلطة الكهنوت الفكرية والسياسية، وهكذا أفضى هذا النزع إلى ظهور ضرب من العلمانية من نوع خاص ومركب، ما حدا بالفيلسوف الفرنسي الكسيس دو توكفيل إلى أن يرى في التناغم الحاصل بين الدين والسياسة إحدى كبريات ركائز الديمقراطية في أميركا.

ويمكن أن نلاحظ في السياق نفسه كيف أن بريطانيا العظمى ليست اليوم بأقل حداثة أو أقل  “دَنْيَوَة”  بالنظر إلى أن الديمقراطية تتكيَّف فيها تكيُّفاً أفضل مع سلطة روحية معترف بها، أو إلى أن الملكة ما فتئت تضطلع بوظيفة مزدوجة حيث تترأس الدولة وتترأس الكنيسة في الآن عينه.

ما أريد قوله هنا هو أن أهم ما في العلمنة أنها أكثر المفاهيم التي أنتجها الغرب قابلية للتأويل. فهي لا تنضبط عند تعريف واحد. قد تكون نظرية العلمنة هي النظرية الوحيدة التي استطاعت الارتقاء إلى وضعية نموذجية ضمن العلوم الاجتماعية الحديثة.  فلقد أجمع كل آباء الحداثة والتنوير على تبنّيها : من ماركس ومن قبله، إلى أوغست كونت وهربرت سبنسر الى دوركهايم وماكس فيبر، ناهيك عن كانط ومن عاصره، إلى نيتشه وفرويد وسواهم.

وفي الواقع فقد بلغ هذا الإجماع مبلغاً لم تعد العلمانية فيه تتعرض للتشكيك، بل لم تبرز الحاجة، على ما بدا، إلى اختبارها، لأن الجميع سلّموا بها، ما يعني أن هذه النظرية، أو بالأحرى مقولة العلمنة، بالرغم من كونها المقدمة المنطقية غير المعلنة للكثير من نظريات الآباء المؤسسين، لم تخضع إطلاقاً لدراسة رصينة، بل ولم يحدث أن صيغت صياغة صريحة ومنهجية.

ومهما يكن من تعدد مناحي التأويل، فثمة ما يشبه الإجماع على أن مفهوم العلمنة نشأ من الجدل الذي شهدته عهود الحداثة حين راحت تقوم بإجراءات التمايز والفصل بين النطاق الدنيوي الزمني للدولة والاقتصاد والعلم التجريبي، وبين الإيمان الديني.

 

الدين لم يغب

هل الدين حاضر حاليا في الغرب بعد تراجعه مع بداية التنوير والحداثة الأوروبية، أم أن إحساسنا بحضور الدين هو الذي تغير بعدما غير تموضعه داخل المجتمع الغربي، وانتقل من حالة الجلاء والسيطرة المكشوفة الى الخفاء والتأثير المتواري في ميدان الثقافة والتعليم بل والسياسة أيضاً؟

يفترض سؤالك الرجوع قليلاً إلى البدايات. فقد تزامنت بدايات ما سمي عصر التنوير مع إقصاء الكنيسة، وتجاهل الحتميات الإلهية الدينية. وهنا يمكن القول إن العوامل التي بلورت العلمانية، تكمن في الإخفاقات ذاتها، التي عاشتها القرون الوسطى. وهنا اسمح لي أن أشير إلى بعض هذه العوامل:

أولاً: قصور التعاليم والأحكام المسيحية حيث إن سلطة الكنيسة النسبية – في بداية القرون الوسطى – تحولت إلى سلطة مطلقة فيما بعد، ممّا دفعها إلى الاستبداد واستعمال القوة.

ثانياً – الإصلاح الديني: وقد شكل عاملاً من عوامل إقصاء الدين تدريجياً عن المجتمع، وكان من أوائل المنظرين لهذه الحركة (مارتن لوثر 1483-1546م)، فقد طرح آراء جديدة من أجل إصلاح وتحسين شرعة المسيح، وإقامة الاستقرار فيها.

ثالثاً: تناحر الفصائل الدينية فيما بينها، مما أدى إلى تصدع المقدس اللاهوتي للمسيحية، ومن ثم إلى تمهيد الطريق لظهور العلمانية. كان مارتن لوثر من القساوسة المسيحيين، وكسائر زملائه لم يكن يعتقد بلزوم وساطة القساوسة لفهم الأناجيل الأربعة، بل كان يذهب إلى أن الإنسان بإمكانه أن يؤدي دور رجل الدين بنفسه، وبما أوتي من رؤى عقلية يتمتع بها كل إنسان، لذا قرر أن  يقف بوجه الأسطرة والخرافات المفتعلة التي نسبت للكنيسة والدين. وعلى هذا فقد خرج لوثر ذات يوم على الناس، ووقف في وسط المدينة حاملاً بيده مجموعة من صكوك الغفران ليمزّقها أمام الملأ، يومئذٍ دعا الناس إلى تحكيم عقولهم لفهم الدين لكن التمادي المفرط لدى الكنيسة لم يترك مجالاً للإصلاحات داخلها، ولم يبق أمامه سوى القضاء على الأنظمة والمؤسسات التي ترتبط بالدين، وبهذه الطريقة تهيّأت الأجواء لظهور العلمانية الحادة كردة فعل على استبداد اللاهوت وقسوته.

مع هذا فإن السؤال في الغرب اليوم يعود ليتجدد حول مآلات العلمنة. وهو سؤال يبدأ أصلاً من المنطقة المعرفية الكلاسيكية التي وضعت العلمانية على الطرف النقيض للدين قبل قرون خلت.

 

هل ثمة من أفق لإجراء حساب شامل مع العلمنة بما يعيد وضع المفهوم على نصاب المصالحة مع الإيمان الديني… وبالتالي هل صراع العلمانية مع الدين في الغرب أوجد فراغاً عميقاً لدى الإنسان الغربي؟ وهل تمتلك النخب من العلمانيين واللاهوتيين القدرة على إجراء حساب النقد والمراجعة والتجديد؟
الجواب على سؤال كهذا فيه الكثير من المخاطرة.. لكنه سؤال جائز بأي حال… أما لماذا أقول ذلك، فلأنني لست متفائلاً على الأقل في المدى المنظور، من أن تتمكن النخب المفكِّرة والمستقلة عن دوائر سلطة القرار في الغرب، أن تجري مثل هذا الحساب. فقد اختُبرت الحداثة العلمانية على مدى قرون ثلاثة ولم تفلح بمبادرة تاريخية تعيد العلاقة بين شأن الدين وشأن الدنيا على نصاب التكامل والمصالحة. وهذا عائد إلى جملة عوامل في مقدمها اجتياح ذهنية المنفعة حضارة الحداثة، وهيمنة قيم التقنية ورأس المال على القيم المعنوية والأخلاقية.
أعتقد أن الحضارة الغربية أكملت تجربتها وبلغت حداثتها وعلمانيتها درجة الإشباع. وما لم تستدرك النخب الغربية هذه الحال، فقد تؤول حضارتها إلى التداعي والانهيار والتبدد.

 

أليس ما تقوله تقدير مبالغ فيه حيال حضارة باتت أسيرة عالمها التقني ولا تزال تمسك بزمام العالم؟

لو نظرنا إلى ظاهر المشهد في الغرب لصح القول أننا نبالغ في التقدير والتوقع. لكن لو استقرأنا ما يصرح به عدد من رواد الحداثة ونقادها فسندرك إلى أي مدى كان التحذير من الانهيار بيِّناً. يحضرني في هذا المجال ثلاثة تعليقات: الأول للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو والثاني لعالم النفس المعروف سيغموند فرويد والثالث للفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر.

1- يتساءل فوكو عما إذا كانت الحداثة لا تزال تشكل امتداداً لعصر الأنوار، أو أنها أحدثت قطيعة أو انحرافاً عن المبادئ الأساسية للقرن الثامن عشر. وبشيء من المرارة، والسخرية أضاف: “لا أعرف إن كنّا سنصبح راشدين ذات يوم.. أشياء كثيرة في تجربتنا تؤكِّد لنا أن حادث “الأنوار”لم يجعل منّا راشدين، وأننا لم نصبح كذلك بعد”… وما من ريب أن منشأ كلام فوكو مردُّه الى استشعارٍ عميق للمآل الذي بلغته مسارات الحداثة وبما ينبئ عن تهافتٍ أخلاقي بيِّنٍ لقيم التنوير ومبادئه الكبرى.

2- أما فرويد فقد نبَّه إلى هذه العقدة وهو يستطلع اللوحة السيكولوجية الأخلاقية للغرب إثر الحرب العالمية الأولى، فيقول: “ليست المسألة في أننا سقطنا إلى أدنى المستويات (عبر قتل بعضنا البعض)، بل إننا لم نرتقِ إلى المستوى الذي كنا نظن”. من بعد ذلك تمدَّدَ الزمن ليظهر عالم جيوسياسي ثقافي جديد أمام الملأ. معه ما عاد بمقدور التسمية القديمة للغرب أن تلبي تعريفه البدئي بعد أن ذوى التنوير تحت سطوة الاستحلال الكولونيالي. لكأن حادث الأنوار الذي آل إلى حداثة مكتظة بالعيوب، غاب مع الحداثة الفائضة عن مرآة الفكر والقلب.

3-أما مارتن هايدغر، فسيمضي إلى حيث لم يقدر عليه الأولون من قبله. عنده الحداثة لم تفلح في إنتاج ما يتجاوز ميتافيزيقا الإغريق، وأن اليونان مذ حدَّدوا الخطوط الأساسية لفهم الوجود، لم تتحقق خطوة جديدة من خارج الفضاء الذي ولجوه للمرة الأولى. وعلى غالب الظن لم يكن هايدغر لينحو هذا النحو، لولا أن بلغ نقده للحداثة حدّاً بات معه على دراية بما انتهى إليه مشروعها من صدوع لا ينفع معها نقدٌ ذاتي، أو تبريرٌ إيديولوجي، بل سيذهب هايدغر أبعد من هذا ليحكم على ميتافيزيقا الحداثة بعدم قدرتها على إحداث تغيير مباشر لحالة العالم الراهنة. وهذا – برأيه – لا يصدق على الفلسفة فحسب، بل على كل المحاولات والتأملات الإنسانية. الأمر الذي حدا به في سنواته الأخيرة إلى القول “بأن الله وحده ما زال بإمكانه إنقاذنا”. ويضيف: أعتقد أن الإمكانية الأولى الباقية للخلاص هي التحضير للجهوزية، أي التفكير من أجل ظهور الإله. فنحن ببساطة لا نموت ميتات بلا معنى، لكننا عندما ننحدر فإننا ننحدر بسبب من غياب الإله”.

أصل القضية إذن، عائدٌ بالأصل إلى العيوب التكوينية لمشروع الحداثة. لعل الأظهر في تلك العيوب هو استبدال محورية الإنسان في الكون بمحورية الحضارة الغربية وقيامتها على العالم. فقد حلَّ المدى الجيوحضاري للغرب محلَّ تساؤلٍ مريب حول هويته ووجوده. تم استدعاء التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة من أجل تركيب هويةٍ تكون له منفردة بذاتها. ففي قلب التعريف الذاتي للغرب يتموضع مفهوم عالميته الحضارية. وبحسب المدَّعى يمسي المفهوم عقيدة مترسِّخة: الغرب مركز جاذبية العالم، بَدْؤه وختامُه، وهو التعبير الأرقى عن الكمال التاريخي للبشرية. جغرافية الغرب الأم التي تمثلت بأوروبا منحت لنفسها رسالة “تحضيرية” في علاقتها مع الشعوب الأخرى. حتى أن مراياها الثقافية انصبغت مع الوقت برؤية عالمية لا ترى إلى الغير إلا بوصفه تابعاً محضاً أو مجال استخدام.

وعلى هذا المنحى نظر عقل الغرب إلى التنوع كَقَدَرٍ مذموم لا ينبغي الركون إليه. من أجل ذلك سينبري جمعٌ من فلاسفته وعلمائه، لا سيما علماء الطبيعة، ليقترحوا أساساً علمياً وفلسفياً لشرعنة “الحوْضَرة”، ومن ثمَّ لتسويغ مبدأ الوصاية على بقية العالم.

 

المؤسسة الدينية الغربية

كيف ترون حضور المؤسسة الدينية في الغرب في ظل الواقع العلماني المحتضن للكنيسة، هل ما زالت لها تأثيرها الواضح في عالم السياسة، خاصة مع الصورة الشهيرة منذ شهور التي جمعت القادة الأوروبيين في ظل رعاية بابا الفاتيكان؟

– سؤالكم هذا يحيلنا أيضاً إلى المراحل التأسيسية للحداثة. لقد حطَّت المنازعةُ بين الحداثة والكنيسة على أرض الفصل بين “دنيوية العلمنة” وجوهر المسيحية. لم تتوقف “العلمانية الحادة” لمّا نازعت الكنيسة مقامها، على احتكار قيم السياسة والاجتماع ووضع نظريات الدولة. فإذا بها، تمضي إلى نهاية الرحلة لتنقلب على الكنيسة، وتُطيح لاهوتها السياسي، وتحكم على ادعائه امتلاك الحقيقة بالبطلان. بل إنها ستذهب مسافة أبعد في المواجهة، لتفتح باب المساءلة، حول مجمل ما أنجزته الفلسفة الحديثة في صعيديها القيمي والأخلاقي.

ويمكنني القول أن الحداثة لما حققت غلبتها على اللاّهوت، وابتنت علمانيتها الحادة بعقل بارد، راحت تنظر إلى الكنيسة بوصفها نابض إرجاع للزمن، وإلى المؤمنين بوصفهم كائنات أسطورية تُغرِقُ العالمَ بالظلمات. لكن يبدو أن تلك النظرة أخذت تتهيَّأ لمنقلب آخر.. صحيح أن الحداثة انتصرت على اللاّهوت، لكنها لم تستيقظ من نوام انتصارها بعد.. كان الفرنسيون يقولون بشي من السخرية أن جمهوريتهم لم تنتصر إلا بدحر الكنيسة.. لكنهم سرعان ما أدركوا أن هذا النصر كان أشبه بانتصار فرنسا على نصفها الآخر.

هذه الوضعية دفعت ببعض المفكرين وعلماء الاجتماع إلى تشبِّه مآلات ما بعد الحداثة بتلك الصورة المنسوبة إلى جاهلية القرون الوسطى. وقد عنى بها تلك الجاهلية المستأنفة، والتي تأتينا هذه المرّة برداءٍ تكنولوجيّ “ما بعد حداثيّ”. وهذا بالضبط ما قصده اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر حين صبَّ جام نقده على “حداثةٍ باتت مهووسة بعالمٍ صار عبداً لأهوائه وأشيائه. حداثة تحول فيها سيّدُ الآلة إلى عبدٍ لها، وانتهى تحرر الجماهير إلى رعب المقصلة. والقومية انتهت إلى الحرب.. وتفتَّحت مع الحداثة أبواب العدمية”. أما حين انتهت ما بعد الحداثة إلى الحديث عن الإنسان الأخير وعن موته، فإنها لم تكن لتفعل ذلك إلا لتكشف عن جاذبٍ إلى معنى ما فوق ميتافيزيقي.. بل ربما عن رغبة كامنة بيومٍ تستعاد فيه الإنسانيّة على نشأة الجمع بين أفق الألوهة وأفق الأنسنة على نصاب واحد.

 

الطريق الشائك

هل سؤال الإيمان ما زال حاضراً في مجتمعات الحداثة اليوم، وهل يمتلك الدين والمسيحية تحديداً القدرة على الإجابة عليه.. علماً أن القضية الدينية تعود إلى حيويتها في المجتمعات الغربية، هل تعني هذه العودة برأيكم نهاية العلمانية، أو على أدنى تقدير انكفائها عن حضورها التاريخي؟

لا أتصور أن الأمر يجري على هذا النحو من الوضوح. صورة النقاش بين النخب الغربية نفسها لا تقر بمثل هذه المعادلة. لكن الأكثر قابلية وملاءمة لواقع التحولات هو ما يمكن أن نسميه بـ “الطريق الشائك والمتداخل”. بمعنى أن طوراً من العلمانية قد انتهى وهو طور الصدام المرير مع الإيمان الديني وبدأ طور مستحدث يقوم على التكيف مع أمر واقع فرضه ازدهار وتوسع الحالة الدينية في الغرب. العلمانية لم تنته ولم تمت لكنها وصلت إلى منعطف يفترض عليها إعادة تشكيل مسارها بما يتلاءم مع يقظة الدين وعودته كفاعل تاريخي في حضارة الغرب المعاصرة.

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017