فكر

ماذا لو لم تكن “كتالونيا” في أوروبا؟

26 أكتوبر, 2017

785
مشاركة

منذ رحيل الجنرال فرانكو قبل أكثر من 40 سنة ،لم تتعرض المملكة الإسبانية لتحد كبير مثل الذي تعرضت له مطلع الشهر الجاري عندما صوت 90% من الناخبين في إقليم “كتالونيا” بـ”نعم” في استفتاء الاستقلال عن إسبانبا الذي رفضته حكومة مدريد جملة وتفصيلا، بدليل أنها فرضت الحكم المباشر على الإقليم عقب إعلان  كتالونيا الاستقلال والانفصال رسميا عن إسبانيا بعد شهر من الاستفتاء. ولكن ،وبغض النظر عن نتيجة هذا الاستحقاق وتأثيره محليا ودوليا ،فقد أثبتت أوروبا والغرب عموما ازدواجيتهم في التعامل مع قضايا الاستقلال في العالم.

 

رغبة انفصال كتالونيا عن إسبانيا ليست جديدة لكنها تجددت عام 2010 ،وبالضبط عندما ألغت المحكمة الدستورية جزءا من قانون الحكم الذاتي الجديد الذي أقره مواطنو كتالونيا في استفتاء شعبي في يونيو 2006، ويقضي بتوسيع صلاحيات الحكم الذاتي المالية للإقليم، حيث تظاهر وقتها آلاف الكتالونيين غاضبين “نحن أمة.. نحن الذين نقرر”.

مدريد تتخلى عن عقيدتها

لكن ماذا فعلت السلطات الإسبانية التي لا يعترف دستورها بشعب كتالونيا أمة منفصلة عن الشعب الإسباني؟ طبعا لم تساعد هذا الإقليم على تقرير مصيره ،ولم تدعو لتطبيق قوانين الديموقراطية التي “تُدين” بها مثلها مثل الدول الغربية الأخرى التي صدعت آذاننا بتقاليدها في الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، بل أن حكومة مدريد قررت بين عشية وضحاها تجميد كل وسائل السلوك الديموقراطي والفكر الحر ورفضت منح “شعب كتالونيا” حرية الاختيار بأسلوب انتخابي ديموقراطي حر ،بل حاولت منع عملية الاقتراع بكل الطرق المتاحة لديها، من خلال السيطرة على العديد من مراكز الاستفتاء، ونشر تعزيزات أمنية كبيرة، ومصادرة أكثر من 12 مليون بطاقة تصويت، وإغلاق نظام إحصاء الأصوات، وغيرها من الإجراءات الهادفة لمنع التصويت، والتي وصلت حد التدخل الأمني وقمع الجماهير في الإقليم ،وبدا أن صور الضرب والاعتقال والسحل في الشوارع وكأنها صادرة من دولة عربية أو إفريقية أو أي دولة أخرى (متخلفة) لا تقيم لقيم الحرية والديموقراطية شيء.

وحصلت مواجهات بين الشرطة الإسبانية ومؤيدي الاستفتاء في مختلف أرجاء الإقليم، خلفت، حسب سلطات كتالونيا، إصابة نحو 800 شخص. وتحدثت الداخلية الإسبانية من جهتها عن إصابة 12 من أفرادها أيضا في هذه المواجهات.

ورغم تلك الإجراءات والعنف الذي خيم على الوضع ،تم الاستفتاء وصوت 2. 2 مليون ناخب كتالوني بنعم في الرد على سؤال “هل تريد أن تصبح كتالونيا دولة مستقلة على شكل جمهورية؟. وطبعا الحكومة الإسبانية لم تقر بالنتائج، و اعتبرت أن الاستفتاء “فشل” وهددت بعزل حكومة الإقليم ووضعه تحت الإدارة المركزية لحين إجراء انتخابات جديدة.

المصلحة قبل الديموقراطية

قد يبدو الموقف الإسباني من استقلال كتالونيا – مفهوما إلى حد ما – بحكم حق الدولة الإسبانية في السعي إلى الحفاظ على وحدتها الترابية و التاريخية ،وأيضا بحكم أن استقلال الإقليم سيكبد إسبانيا خسائر جمة، حيث ستفقد 8% من إجمالي مساحتها، وعلى 16% من سكانها ،و زيادة على الخوف من انتقال عدوى الانفصال إلى الأقاليم الأخرى وهي 16 إقليما ،ستُحرم إسبانيا من قوة اقتصادية هائلة، فإقليم كتالونيا يساهم بأكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي الإسباني عام 2016، ويجلب نحو 14% من الاستثمارات الأجنبية بفارق كبير عن باقي الأقاليم التي يحتل صدارتها في مجال التصدير.

لكن الذي يثير الاستغراب حقا في المسألة الكتالونية هو الموقف الأوروبي والغربي عموما ، والذي قدم كل الدعم المادي والمعنوي لحكومة مدريد للاستمرار في قمع الإقليم ،بل أن الشركاء الأوروبيون أعلنوا موقفهم مسبقا بعدم قبول كالتونيا في الاتحاد الأوروبي إذا ما قررت الانفصال.

ومباشرة بعد إعلان رئيس إقليم كتالونيا كارلس بوغديمونت استقلال الإقليم ،لقي هذا الموقف رفضا أوروبيا وأميركيا كبيرا، حيث قال رئيس البرلمان الأوروبى أنطونيو تاجاني :”الاتحاد الأوروبي لن يعترف بانفصال كتالونيا”.
وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك :”لا شيء تغير بالنسبة للاتحاد الأوروبي”،وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر “الاتحاد ليس في حاجة إلى تصدعات أخرى”، كما أعلنت الحكومة البريطانية المنخرطة في مسار الخروج من الاتحاد الأوروربي: “لا ولن نعترف” بكتالونيا دولة مستقلة.
أما واشنطن فقد أكدت وقوفها مع وحدة إسبانيا ودعمها للإجراءات التي تتخذها مدريد للمحافظة للمحافظة على وحدة البلاد.

من جهة أخرى ،فإن ما كان لافتا فعليا، بعد كل تلك الدماء ومشاهد العنف التي خيمت على كتالونيا أثناء الاستفتاء، هو غياب أي انتقاد من المؤسسات الحقوقية في الاتحاد الأوروبي أو حتى المنظمات الحقوقية العالمية التي اعتادت أن تسارع إلى الانتقادات والتنديد بأعمال العنف في مناطق أخرى من العالم.

والأكيد أنه لو حدث ذلك، لتعرض الإقليم لأشد أنواع الحصار وأبشع صور العزلة. فلماذا يتصرف الغرب بهذه الازدواجية في التعامل مع قضايا الانفصال والاستقلال والتقسيم التي تحدث في أوروبا مع التي تحدث في الدول العربية والإسلامية مثلا أو في إفريقيا ودول العالم الثالث؟ لماذا يجمد الغربيون رصيدهم الضخم من الحرية والديموقراطية والمساواة والعدالة والحق في تقرير مصير الشعوب..إذا ما تعلق الأمر ببلدانهم، ويفتحون كل الأبواب بمجرد تصريح أو فكرة عن نية في الانفصال أو الاستقلال إذا ما تعلق الأمر بدول أخرى؟ . لا يمكن أن نعي هذه المواقف إلا عندما نستبدل كلمة “إقليم كتالونيا” بأقاليم أخرى في العراق وسوريا والسودان واليمن والجزائر ومصر وحتى تركيا وإندونيسيا ويوغسلافيا. والجميع يعلم كيف تعامل الغرب مع انفصال جنوب السودان وتقسيم اليمن واستقلال كردستان العراق وحتى تقسيم يوغسلافيا واستقلال تيمور الشرقية وكوسوفو التي لم تتمكن لحد الآن من الانضمام إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة. والجميع يعلم أيضا كيف تعامل الغرب ولا يزال مع ما يحدث في فلسطين ويجدر التذكير أن بلدانا مثل جنوب السودان وكوسوفو كان لها داعمون دوليون بارزون، ولا سيما الولايات المتحدة، في مسعاهم للاستقلال – وهو أمر لا تملكه كاتالونيا حاليا كما لا تملكه كردستان رغم الدعم الأمريكي العسكري لها.

لا يمكن أن نشعر بإزدواجية الخطاب الغربي إلا عندما نلمس “حرص” الغربيين على الديموقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير في هذه الدول ،وتجاهلها تماما إزاء ما حدث لسكان إقليم كتالونيا. يبدو لي أن الأسباب التي دفعت الموقف الأوروبي والغربي للتصرف مع القضية الكتالونية بهذا الشكل يمكن اختصارها في النقاط التالية:

ولادة دولة كتالونية مستقلة يحمل عواقب سيئة لإسبانيا وأوروبا باقتصادها الهش. فأوروبا تعاني من أزمة اقتصادية منذ عام 2008 تتفاقم مع دعوات كتالونيا من أجل الاستقلال.

تخوف أوروبي من عودة شبح منظمة “إيتا” الانفصالية في إقليم الباسك ،ومن ثم عودة التفجيرات والتهديدات المسلحة لإسبانيا وأوروبا ،فنجاح سكان كتالونيا في الاستقلال سيأثر بقوة على نظرائههم الباسكيين، وهم أكثر تطرفا من الكتالونيين.

انتقال عدوى الانفصال إلى دول أخرى في أوروبا من شأنه أن يهدد استقرارها ويؤثر على مسار التنمية الاقتصادية في بلدانها. هناك عدة مناطق فى أوروبا قد ترغب فى الاستقلال منها إقليم الباسك واسكتلندا و كورسيكا والفلامند وغرينلاند وجزر الفارو.

إسبانيا هي المشكلة..أوروبا هي الحل

هذه المقولة التاريخية كان يقولها فيلسوف إسباني في بداية القرن العشرين عندما كانت إسبانيا التاريخية ترى أن حل مشاكلها يكمن في التوجه إلى أوروبا، ولم تكن تريد الالتفات إلى الجنوب، بحكم أن “العدو يأتي دوما من الجنوب”. لكن إسبانيا ربما لم تكن تعي أن “العدو” قد يأتي من داخلها وفق عوامل عرقية ولغوية وترسبات تاريخية تعرفها إسبانيا جيدا لكنها تسعى لعدم تضخيمها وتحاول طمسها أحيانا بكاتم صوت “المواطنة” ،وأحيانا أخرى بتخويف الشركاء والجيران من مغبة التساهل معها.

ولعل هذا الأمر هو الذي جعل كل الدول الأوروبية تعتمد تدريس”مادة المواطنة” بعدما أقرها الاتحاد الأوروبي، وذلك عندما أدرك الاتحاد أن القيم التقليدية القائمة على التاريخ الوطني والوحدة الوطنية والعرق الواحد قد تجاوزها الزمن ،سواء بفعل الهجرة وبفعل أسباب أخرى متعددة. لذلك تم اعتماد القيم الكونية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتكافؤ الفرص، لكن يبدو أن هذه القيم أيضا فشلت، أو لنقل أنه أسيء استخدامها. لكن ما يهمنا في المسألة أن مشروع مادة المواطنة فشل فشلا ذريعا في إسبانيا وتم إلغاؤه، وذلك لأسباب متعددة منها حسابات إقليمية ترتبط بنفوذ القوميات التاريخية في أماكن حكمها، وسيطرتها على قطاع التعليم، فالكتاب المدرسي في كاتالونيا مثلا تضعه حكومة الإقليم، وهو يتضمن تفسيرات راديكالية معادية لإسبانيا نفسها، مثل القول:  “إن نهر “إيبرو” ينبع من كتالونيا ويصب في بلاد غريبة” (يقصد إسبانيا)، أو أن اللغة الكتلانية هي الجواز الوحيد الذي يضمن الرفاهية للإقليم. والأمر لا يختلف كثيرا عن ما يتضمنه الكتاب المدرسي في إقليم الباسك وربما في أقاليم أخرى.

والنتيجة أن إسبانيا تحمل بذور عدم استقرارها ،وما حدث في كتالونيا التي تعادل مساحتها مساحة بلجيكا، يمكن أن يتكرر بأكثر حدة في إقليم الباسك أو في الأندلس أو في غيره كإقليمي سبتة ومليلية المغربيتين اللتين تحتلهما إسبانيا ،خاصة بعد الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد الذي يبدو أنه لن يكون قادرا على تحمل تصدعات جديدة في أقاليمه المشاغبة.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017