شريعة

المرقَّعات الزائفة

Feature image

إن الطامع في الدنيا والمستكثر منها إنما هو امرئ قد أخطأ السبيل، وجهل حقيقتها فالدنيا مهما كان طول عمرها فهي قصيرة، ومهما كانت كنوزها فهي قليلة، ومهما كان نعيمها فهو زائل.

والآخذ من الدنيا على قدر حاجته لتبليغه للآخرة فهو الفطن الأريب، لذا كان الزهد في الدنيا شعار الصالحين. والزهد عمل قلبي قبل أن يكون شكلاً ظاهريًّا، فكم من لابس لبس الزاهدين وقلبه غارق في الدنيا وشهواتها وملذاتها.

والزهد ليس مرتبطًا بالفقر؛ فليس كل فقير زاهدًا.وقد ارتبط التصوف بالزهد في أوله ومنشئه، حتى كان يقال للصوفية: الفقراء.

وقد اتخذ الصوفية من لبس الصوف والخِرَق والمرقَّعات شعارًا لهم، حتى قال الهجويري: “إن لبس المرقعة شعار المتصوف، ولبس المرقعات سنة”([1]).

وقد كان المسلمون الأوائل يلبسون الصوف، قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- لابنه أبي بردة: لو شهدتنا ونحن مع نبينا -صلى الله عليه وسلم- إذا أصابتنا السماء حسبت أن ريحنا ريح الضأن؛ إنما لباسنا الصوف”([2]).

وقد لبس المصطفى -صلوات ربي عليه- الصوف، لكنه لم يكن يحبذه في كل الأحوال؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جعلت للنبي -صلى الله عليه وسلم- بردة سوداء من صوف، فذكر سوادها وبياضه، فلبسها، فلما عرق وجد ريح الصوف قذفها، وكان يحب الريح الطيبة([3]).

وحينما تغير حال المسلمين الأوائل وتوسعت أرزاقهم غيروا الصوف ولبسوا غيره، قال ابن عباس: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش.

فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضًا.

فلما وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الريح قال: “أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه“.

ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق([4]).

وقد لبس رسول الله -صلوات ربي عليه- الثياب المرقعة؛ فقد سُئلت عائشة: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟

قالت: كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، أو نحو هذا([5]).

وقد مات رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في كساء ملبد([6]).

والمُلَبَّد، أي: المرقَّع، قال الأزهري: “القَبِيلة: الخِرْقَة التي يُرْقَع بها قَبُّ القميص، واللِّبْدَة التي يُرْقَع بها صَدْرُه”([7]).

وقال أبو عثمان النهدي: “رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت عليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، إحداهن بأديم أحمر”([8]).

ولكن الصوفية بالغوا في أمر المرقعات حتى إنهم قد خاطوا بعض الملابس ابتداء من الرقع، ويلبسها المريد من يد شيخه، وهي ارتباط بين الشيخ وبين المريد، وتحكيم من المريد للشيخ في نفسه على حد قول السهروردي.

ولهم في ذلك كلام كثير، ومحاولة لتأصيل هذه المظاهر.وقد انتشر لبس الخرق والمرقعات فيما بين القرنين الخامس والسابع الهجريين.

وهذه الأفعال قد شوهت نقاء الصوفية، التي تهتم بالجوهر ولا تلقي بالاً بالمظهر، يقول الهجويري: “إذا كنت تلبس هذا اللباس ليعرف الله أنك من خواصه فهو يعرفك بغير لباس، وإذا كنت تلبسه لتظهر للخلق أنك لله فإن تكن كذلك فهو رياء، وإن لم تكن فهو نفاق، وهذا طريق صعب مليء بالخطر، وأهل الحق أجلّ من أن يعرفوا بالثياب”([9]).

والملابس بنت البيئة، وخروج البعض عما عليه الناس من الملبس هو خطأ، حتى ولو كان باسم التصوف.وقد ظهر أتباع الطريقة الكركرية في الجزائر بالمرقعات الملونة التي تشبه إلى حد كبير ملابس المهرجين في هذه الأيام.

وهذه الطريقة شيخها الآن هو محمد فوزي الكركري المولود بالمغرب عام 1394هـ الموافق 1974هـ. وقد أثار ظهورها الكثير من الجدل.

وهم يؤلون القرآن تأويلاً باطنيًّا لا دلالة عليه من قرآن أو سنة أو لغة، فهم يقولون -مثلاً: ”

مزية الألوان في القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ

عصا موسى إشارة إلى ألف التوحيد، وألف اسم الجلالة هي سر الكون سر جمع الجمع، سَرَت في جميع الحروف، ومن حقق كلمة الإخلاص وجدها ألفًا لا غير، والألف عند أهل التحقيق ليس بحرف، بل كل الحروف ما هي إلا مظاهر وتجليات الألف، سرى في الحروف كسريان الواحد في الأعداد، فضرب موسى القلب بألف التوحيد على حجر الهاء فانفجرت منها حروف كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” اثني عشر حرفًا، كل حرف عين من عيون الله… اثني عشر عينًا باثني عشر لونًا، هي سر تنوع مظاهر الكون في هاء الاسم.

والألوان في كتاب الله العزيز تحمل دلالات إشارية راقية المعنى، فهي تلعب دورًا رئيسيًّا في التعبير القرآني سواءً بالتصريح أو بالكناية.

فالمريد الصادق الطالب وجه الله كالأرض والشيخ كماء مطر الغيث، إذا نزل على أرض المريد تزخرفت أرضه (جسده) بألوان المرقعة الاثنى عشر.

والألوان لها رمزية التصوير الظاهري في القرآن، فاللون في القرآن قد يدل على القدرة والرحمة والجمال الإلهي، وقد يرمز للحياة أو الموت أوالكفر أو الإيمان أو الهداية أو الضلالة.

وهذه مفاهيم مجردة لا يمكن لمسها أو رؤيتها إلا بِتَنَزُّل لوني يُوَضِّح حقيقتها، ومعناها كتَنَزُّل العلم في اللبن. إن اختلاف الألوان وامتزاجها يشكل جمالاً يُفرح العين، ويُطرب القلب، وتنتشي له الأرواح.

فاختلاف الألوان حقيقة قرآنية تحقق معنى التناغم بين الإنسان والكون”([10]). فهذا الكلام تحميل لكتاب الله ما لا يحتمل، وهذا تأصيل للمرقعات الملونة بألوانها الاثني عشر عندهم.

فلا النصوص الشرعية تسعفهم، ولا البيئة الاجتماعية تقبلهم، يقول ابن الجوزي من قديم ردًّا على هؤلاء وأمثالهم: “فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لونٍ، فيجعلوها خرقًا ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهرة، والشهوة؛ فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الدِّيباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد. أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة؟

وهؤلاء قد فاتهم التشبيه في الصورة والمعنى: أما الصورة، فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة، ولا يقصدون التحسن بالمرقع، ولا يأخذون أثوابًا جددًا مختلفة الألوان، فيقطعون من كل ثوب قطعة، ويلفقونها على أحسن الترقيع، ويخيطونها ويسمونها مرقعة” ([11]).

 


([1]) كشف المحجوب، ص(241).
([2]) أخرجه أحمد في “المسند”، ح(19773)، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على “المسند”: “حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين”.
([3]) أخرجه أحمد في “المسند”، ح(25047)، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على “المسند”: “إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين”.
([4]) أخرجه أبو داود في “الطهارة”، باب: “في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة”، ح(353)، وقد حسّن إسناده الألباني في “صحيح سنن أبي داود”.
([5]) أخرجه أحمد في “المسند”، ح(26090)، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على “المسند”: “حديث صحيح”.
([6]) ذكرت ذلك أمنا عائشة في حديث أخرجه البخاري في “فرض الخمس”، باب: “ما ذكر من درع النبي -صلى الله عليه وسلم- وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه …”، ح(3108).
([7]) الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري، (3/301).
([8]) الطبقات الكبرى لابن سعد، (3/328).
([9]) كشف المحجوب، ص(245).
([10]) موقع الطريقة الكركرية.
([11]) تلبيس إبليس، ص(231) باختصار.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة