فكر

مئوية “بلفور”..بريطانيا لا تؤمن بثقافة الاعتذار

6 نوفمبر, 2017

580
مشاركة

في ذكرى مرور مائة عام على “وعد بلفور” المشئوم، الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917م، وتم بموجبه منح اليهود وطنًا قوميًّا في فلسطين؛ وذلك عبر رسالة أرسلها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، أحد زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا.. تجددَ الحديث عن موقف بريطانيا الرافض للاعتذار عن دورها في مأساة فلسطين، وتمكين اليهود دون أي حق.

 

فقد رفضت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، الاعتذار للشعب الفلسطيني عن “النكبة” التي حلَّت به، جراء هذا الوعد. وعبّرت عن فخرها بدور بلادها في تأسيس “إسرائيل”، معلنةً تصميمها على الاحتفال بمئوية “وعد بلفور”.

وقالت “ماي” أثناء ردها على الأسئلة بمجلس العموم البريطاني، في 25 أكتوبر الماضي: “إننا نشعر بالفخر من الدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر”.
وكانت الحكومة البريطانية أعلنت في أبريل الماضي، رفضها الاعتذار عن “وعد بلفور”، وقالت في بيان لها: إن وعد بلفور موضوع تاريخي ولا نية لها بالاعتذار عنه. بل أعربت عن الفخر بدور بريطانيا في إيجاد “دولة إسرائيل”.

ورغم هذا الرفض، أضاف البيان، فيما بدا تفهُّمًا منه لوجهات النظر المطالِبة بالاعتذار: “إن الحكومة البريطانية تدرك أن الإعلان كان ينبغي أن يدعو لحماية الحقوق لجميع الطوائف في فلسطين، ولاسيما حق تقرير المصير”.

لم تكتف بريطانيا بعدم الاعتذار، بل نظمت لاحقًا احتفالية في الذكرى المئوية لوعد بلفور، وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وجاء بيان الحكومة البريطانية ردًّا على حملة إلكترونية نظمها “مركز العودة الفلسطيني”، الذي يتخذ من لندن مقرًّا له؛ لجمع توقيعات تطالب بريطانيا بالاعتذار للفلسطينيين عن “وعد بلفور” في ذكراه المئوية.
الحملة نجحت في تخطي الحد الذي يُلزِم الحكومة البريطانية بالرد رسميًّا- وهو 10 آلاف توقيع- وجمعت أكثر من 13 ألف توقيع.. فأرسلت الحكومة ردها للبرلماني البريطاني، مؤكدةًً رفضها الاعتذار عن وعد بلفور.
لم تكتف بريطانيا بعدم الاعتذار، بل نظمت لاحقًا احتفالية في الذكرى المئوية لوعد بلفور، وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ورغم أن سفير فلسطين لدى بريطانيا، مانويل حساسيان، كان قد أكد، في حديث لإذاعة “صوت فلسطين” في 25 أبريل الماضي، أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، سيتوجه إلى المحاكم الدولية لرفع دعوى قضائية ضد بريطانيا بسبب رفضها الاعتذار عن “وعد بلفور”.. فإن أحدًا لم يسمع بعد ذلك عن أي خطوة اتخذها أبو مازن، الذي يبدو أنه تراجع، مثلما تراجع من قبل عن خطوات تصعيدية كان هدد باتخاذها..!

هذا الجدل الذي صاحب ذكرى الوعد المشئوم، يطرح سؤالاً مهمًّا عن سبب رفض بريطانيا الاعتذار عما يعتبره كثيرون خطأً فادحًا منها؟ كما يطرح سؤالاً آخرَ عن مدى تشابه هذا الموقف البريطاني مع مواقف دول أوروبية أخرى رفضت الاعتذار عن أخطاء- وربما جرائم- تاريخية ارتكبتها؟

في الحقيقة، يمكن أن نقول إن “الاعتذار” ليس جديدًا على أوروبا، وأنها سبق أن اعتذرت صراحة عن أخطاء تاريخية لها؛ سواء على الصعيد السياسي أو الديني.. لكن هذه الاعتذارات جاءت في ظروف معينة، بحيث بَدَتْ لا تعبر عن موقف أخلاقي مبدئي، وإنما عن انتهازية سياسية، واستجابة للضغوط، وانطلاق من المصالح.. ولو كانت هذه الاعتذارات- التي سنشير إلى بعضها- تعبِّر عن موقف مبدئي، لكان لبريطانيا ألا تجد غضاضة في الاعتذار عما اقترفته بحق فلسطين، والعرب عمومًا..!

اعتذار سياسي لليبيا

على الصعيد السياسي، سبق لإيطاليا أن اعتذرت لليبيا عن جرائمها في فترة الاحتلال، التي زادت على ثلاثة عقود.ففي 30 أغسطس من العام 2008، قدم رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني، اعتذارًا رسميًّا باسمه وباسم الشعب الايطالي، عن «الجراح الغائرة التي سببها الاستعمار الإيطالي للشعب الليبي»، وذلك خلال زيارته إلى بنغازي.

ووقع برلسكوني مع الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي «اتفاقية تعاون وشراكة وصداقة»، تقضي بدفع إيطاليا 5 مليارات دولار، كاستثمارات في مشروعات البنية الأساسية، عن الأضرار التي ألحقها الاستعمار الإيطالي؛ الذي استمر أكثر من ثلاثة عقود، بين عامي 1911 و1943م.

في مقابل ذلك، رفضت باريس الاستجابة لمطالب الجزائر بالاعتذار عن فترة الاحتلال الفرنسي، وما ارتكبته من جرائم بحق الجزائريين، خلال 132 سنة، في الفترة من 1830 إلى 1962م.

وفي كل مرة تُجدد الجزائر مطالبتها بالاعتذار، ترد باريس بأن «الأبناء لا يمكن أن يعتذروا عما اقترفه الآباء»! بل وسبق للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، أن صرح بأن الاستعمار الفرنسي شكَّل “إضافة حضارية” للجزائر!!

اعتذار ديني لليهود

أما على الصعيد الديني، فقد قدم الفاتيكان اعتذاره لليهود- وفي أكثر من مناسبة مختلفة- عما لحق بهم من اضطهاد الكنيسة، وعن المحرقة النازية (رغم عدم ضلوع الكنيسة فيها)، بل وأعلن الفاتيكان تبرئة اليهود من دم المسيح؛ وذلك بخلاف الموقف التقليدي للكنيسة تجاه اليهود، طوال ما يقرب من ألفَيْ عام، والذي يؤكد أن اليهود قتلوا المسيح!

ففي 21 نوفمبر 1964م، أقر المجمع المسكوني بشكل مبدئي، وبأكثرية 1770 صوتًا مقابل 185 صوتًا، وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح، تمهيدًا لعرضها على الدورة القادمة للمجمع لإقرارها بصورة نهائية.

وبررت الكنيسة الكاثوليكية موقفها من الوثيقة في بيان قالت فيه: “وإن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه إلى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز، ولا إلى يهود اليوم. إن المسيح بمحبته الفائقة قدّم ذاته طوعًا للآلام والموت، بسبب خطايا جميع الناس؛ لكي يحصلوا جميعًا على الخلاص، وهذا ما تمسكت به الكنيسة ولا تزال” (انظر: بيان المجمع الفاتيكاني الثاني، بعنوان: “في عصرنا.. بيان في علاقات الكنيسة بالديانات غير المسيحية”، على موقع http://coptcatholic.net).

وفي أكتوبر سنة 1965 درس المجمع المسكوني الوثيقة وأقرها، بعد تعديلات طفيفة، بأكثرية 1937 صوتًا ضد 153 صوتًا. وبهذا حقق اليهود نصرًا كبيرًا ذا أبعاد دينية وسياسية، خاصة في الصراع العربي- الإسرائيلي؛ حيث اعتبرت “إسرائيل” والدوائر الصهيونية وثيقة التبرئة مكسبًا سياسيًّا مهمًّا استغلته في مجالات عديدة، ولاسيما في سعيها لكسب تعاطف المسيحيين مع الحركة الصهيونية (كما ذكر موقع “الموسوعة الفلسطينية” في مادة “الفاتيكان”).

وقد قوبلت تلك التبرئة باعتراض واحتجاج من مسيحيين من طوائف شتى، ومنهم الكنيسة المصرية الأرثوذكسية؛ التي اتهمت الصهيونية بتضليل الكنيسة الكاثوليكية.

في 2000 اعتذر الفاتيكان عن الأخطاء التي ارتكبت في الماضي تحت راية الصليب‏‏‏، لكن قائمة الأخطاء لم تتضمن الجرائم التي ارتكبت ضد المسلمين

ثم في 12 مارس 1998، اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني لليهود عما لحق بهم من معاناة أثناء الحقبة النازية، وقال معلِّقًا بعبارات الأسى والحزن، على الوثيقة التي أصدرها بعنوان: (نحن نتذكر: تأملات في المحرقة): “أملي كبير في أن وثيقة (نحن نتذكر) تشكل إعادة تفكير حول المحرقة، وتساعد حقًّا على شفاء الجروح”. وأضاف: “في عدة مناسبات خلال بابويتي تذكرت وبشعور عميق بالأسف معاناة الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية. الجريمة التي أصبحت معروفة باسم (SHOAH) (المحرقة) تبقى بقعة لن تمحى من ذاكرة هذا القرن الذي شارف على الانتهاء”.

وفي مارس سنة 2000، وبينما أصدر الفاتيكان، وثيقة اعتذر فيها عن الأخطاء التي ارتكبت في الماضي تحت راية الصليب‏‏‏.. فإن قائمة الأخطاء لم تتضمن الجرائم التي ارتكبت ضد المسلمين في الحروب الصليبية، ببلاد الشام ومصر وفلسطين، وكان للكنيسة الكاثوليكية دور فيها‏!!

بل عند زيارته لدمشق، في مايو 2001، اكتفى البابا يوحنا بالدعوة إلى حوار بين المسيحية والإسلام بدل صدامهما، زاعمًا أن المسلمين والمسيحيين كلاهما اضطهد الآخر.. وعندما زار البابا المسجد الأموي، رفض زيارة قبر صلاح الدين الأيوبي، الذي يقع على بعد خطوات من المسجد، حتى لا يُفهم ذلك بأنه اعتذار.. وقام بالصلاة أمام ضريح يوحنا المعمدان، المعروف باسم النبي يحيى، وألقى خطابًا قال فيه: “إن المسلمين والمسيحيين أساؤوا إلى بعضهم البعض”(!!) ولم يقدم- على غرار ما حدث منه لليهود- الاعتذار للمسلمين عن الحروب الصليبية أو محاكم التفتيش في إسبانيا.

وفي أغسطس 2012، سيعيد خَلَفُه، البابا بنديكت السادس عشر، تبرئة اليهود من دم المسيح، من خلال كتابه (يسوع الناصري).وأوضح بنديكت أن الكتاب دراسة مهمة تقع في ثلاثة أجزاء، تتناول حياة المسيح في شبابه وفترة تبليغ الرسالة، والعنف الذي ارتكب باسم المسيح، وبرأ اليهود من المسئولية. مضيفًا: “إن الكتاب هو رسالة لكل العالم من أجل تأكيد أن اليهود بريئون من دم المسيح”.

المصالح لا الأخلاق

إذن، “الاعتذار” حدث من الغرب، على المستوى السياسي والديني، لكن ليس عن مبدئية وأخلاقية؛ وإنما لظروف سياسية وضغوطات ومصالح. ففي حالة ليبيا كان الاعتذار مقدمة لاستئناف إيطاليا نفوذها واستثماراتها في ليبيا، ولم تجد روما حرجًا في إرضاء غرور القذافي ببضع كلمات، وبضع مليارات سترتد إليها أضعافًا.

أما في حالة اليهود، فكان واضحًا، أن الاعتذار لهم وتبرئتهم قد جاء- كما يقول د. محمد عمارة خلال دراسته القيمة: (الفاتيكان والإسلام)- في سياق “التقرب من اليهود؛ خضوعًا للابتزاز الصهيوني، واتساقًا مع تحالف الكنيسة الكاثوليكية مع الإمبريالية الأمريكية، والمسيحية البروتستانتية (المسيحية الصهيونية).. ولدور اليهود في الحرب الباردة ضد الشيوعية”.

أي أن “المصالح” هي التي كانت وراء الاعتذار السياسي في حالة ليبيا، والديني في حالة اليهود.. وليس الانطلاق من موقف “أخلاقي مبدئي”، يرى في الاعتذار شجاعة ونبلاً، وحقًّا مستحقًّا لمن صدر الخطأ بحقهم..
أما والفلسطينيون في حالة من الضعف- والمسلمون عامة- ولا يملكون أوراق ضغط كافية، أو لا يستخدمون ما بأيدهم من أوراق؛ فلا يليق بهم أن يطلبوا اعتذارًا، ولا أن ينتظروا مراجعة.. فالاعتذار توجبه القوة، أو تمليه المصالح!

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017