شريعة

الإفتاء لـ “50” شخصا فقط في مصر .. لماذا ؟

19 نوفمبر, 2017

58
مشاركة

لغط كبير في أوساط النخبة المصرية عقب إصدار الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية قراراً بمنع عدد من المشايخ وأساتذة الفقه من الظهور في وسائل الإعلام، وقصر هذا الظهور على 50 اسماً من علماء الدين المصرّح لهم بالإفتاء في مسائل الدين…

وكان رئيس المجلس الأعلى للصحافة والإعلام، مكرم محمد أحمد، قد أعلن في مؤتمر صحفي، الأربعاء 15 نوفمبر، الأسماء الواردة في القائمة، معتبراً أن الهدف منها “منع المتطرفين من الحديث في وسائل الإعلام”..

القرار الذي لا يأخذ قوة القانون على الأفراد وإنما على الفضائيات بحسبان أن مصدر القرار هو رئيس المجلس الأعلى للإعلام يثير عددا من الأسئلة منها:

لماذا الآن؟ وماذا عن الأسماء التي لم ترد في القائمة ومنها أعضاء في المجلس الاعلى لمكافحة الإرهاب؟ وهل أضحى أعضاء مركز الازهر للفتوى الإلكترونية او الباحثين الشرعيين بدار الإفتاء أولى من أساتذة الفقه بجامعة الازهر؟وماذا عن أسماء بعينها لها علاقاتها المتشعبة داخل النظام الحاكم؟

ليس قانونا

وعن طبيعة القرار وهل هو قانون يمكن أن يتم العقاب على أساسه فإن خروجه عن المجلس الأعلى للإعلام يؤكد كونه مجرد قرار إداري، تخضع بموجبه الفضائيات ووسائل الإعلام للائحة المجلس الاعلى الذي لا سلطان له على الأفراد من العلماء والمشايخ..

وهذا ما دفع مثلا الدكتور أسامة العبد ئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري غلى القول بأن اللجنة الدينية بمجلس النواب لديها مشروع تنظيم الفتوى والذي تم رفعه من اللجنة إلى الأمانة العامة للمجلس وينتظر عرضه في دور التشريع الحالي، مؤكدا أن مثل هذا القرار لا يغني عن مشروع قانون تنظيم الفتوى الذي سيضع حدا للفتاوى الشاذة من غير المتخصصين.. حسب تعبيره…

موجة الفوضى

كنت ومازلت ضد ما يقولون إنها “فوضى الإفتاء” بالمعنى الذي يقصدونه ولا يخلو مطلقا من توظيف سياسي للحديث عن هذه الشعيرة.. سواء مع الانظمة او ضدها…

وهذا الموقف نابع من أن الأصل في الفتوى هو المستفتي وليس المفتي.. وهذا ما دفع كبار فقهائنا للحديث عن ثقافة المستفتي.. كيف يسأل ومن يسأل وعن أي شيء يسأل..

ولهذا فإن كثرة الكلام في وسائل الإعلام عن “فوضى الفتاوى” جعل الحديث عن المنع والقصر والتقنين حديثا سائغا، بل ولدى البعض واجبا ينبغي على “ولي الأمر” أن يقوم به حفظا للدين من هذه الفوضى..

ومثل هذا التقنين والمنع أمر يخالف طبيعة العمل الإفتائي من جهة، من حيث كونه وظيفة أهل الذكر التي تحدث عنها القرآن، ويخالف الواقع ويجافيه من جهة أخرى، خاصة مع اتساع وسائل الاتصال وعدم القدرة على المراقبة والمنع والتقنين من خلالها..

وهنا لابد من استحضار تجارب سابقة في بعض الدول العربية والإسلامية والتي أصدرت بالفعل قوانين لتقنين الفتوى وقصرها على أناس باعيانهم ومع ذلك لم تجد نفعا لمجافاتها للواقع كما قلنا سابقا..

فهناك قانون أصدرته الأردن عرف بقانون الإفتاء لسنة 2006 وتضمن عددا من المواد تنظم شئون الفتوى، وقد حظرت المادة 12 من القانون المذكور على غير المعينين في وظيفة الإفتاء التصدي للفتوى بل وحظرت التشكيك في الفتاوى الصادرة من هذه الهيئة، وكان نص المادة كما يلي:

“أ- لا يجوز لأي شخص أو جهة التصدي لإصدار الفتاوى الشرعية في القضايا العامة خلافا لأحكام هذا القانون.

ب- يحظر على أي شخص أو جهة الطعن والتشكيك في الفتاوى الصادرة عن المجلس والمفتي العام بهدف الإساءة والتجريح ”  وتسعى كثير من الدول الإسلامية لأن تحذو حذو الأردن في خطوتها هذه غير المسبوقة”.

هل يجدي التقنين؟

أشرت فيما سبق إشارات سريعة عن أن التقنين غير مجد من ناحيتين: الاولى هي طبيعة العمل الإفتائي نفسه، والثانية: طبيعة وسائل الاتصال والتواصل..

ففي الأولى يوقن الجميع ان الفتوى مهمة جليلة ورفيعة القدر جعلها ابن القيم رضي الله عنه وأرضاه “توقيعا عن الله”، وبالتالي فالنظر إلى القائم بها نظر إلى مقامها، ولا يمكن أن تفرض هيئة او مؤسسة نفسها على العوام لتكون هي الجهة الوحيدة التي يتم النظر غليها بهذه الهالة من القداسة، خاصة مع وجود حالة من انعدام الثقة في اغلب المؤسسات التابعة للانظمة والحكوماتن حيث تراها الجماهر دوما في صورة من يسوغ للأنظمة ما تريد…

من هنا فلا يمكن بحال أن يتم فرض مجموعة أفراد أو هيئة أو مؤسسة على الجماهيرن وسيدفع ذلك الجماهير دفعا إلى البحث عن وسائل أخرى للتحايل على تلك القوانين، مدفوعين بانعدام الثقة التي تحدثنا عنها.. ومن هنا تظهر وتنتشر وتروج فتاوى مضادة ويحدث ما يحاول النظام التضييق عليه!!

أما من ناحية طبيعة وسائل الاتصال والتواصل، فلا أعلم كيف يفكر حقيقة أولئك الذين يتخيلون ويتوهمون قدرتهم على تقنين الفتوى وضبطها بقانون؟!!

أيمكنهم حجب شبكة الانترنت الزاخرة بآلاف المواقع التي تقدم هذه الخدمة؟ أيمكنهم إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي التي تستخدم كمنصات لإصدار تلك الفتاوى؟

أيمكنهم السيطرة على اناس يخصصون مواقعهم وصفحاتهم لتقديم الفتاوى ليلا ونهارا خارج بلدانهم ولا يعلم احد عنهم شيئا؟!! أي وهم هذا الذي يتعاملون به مع هذه الثورة الاتصالية غير المسبوقة؟

إن تقنين الفتوى وهم يحاول به بعض القابعين في المؤسسات الدينية تقديم أنفسهم من خلاله لأنظمة الحكم في بلدانهم تساوقا مع أفكار رائجة كثيرة.. كمحاربة “الإرهاب” وغيرها..

ولا ينفك القرار المصري الاخير عن قرارات ونشاطات سابقة، كهذا المسمى بـ “مرصد الفتاوى التكفيرية” الذي أقامته دار الإفتاء المصرية ولم يقدم إلى الآن فكرة واحدة مكتملة الأركان.. كل ما هنالك إعلان بالوجود داخل الكادر .. كادر النظام الذي يتقربون إليه بالنوافل كثيرا حتى يقربهم!!!

عجائب القائمة

وبعيدا عن أصل ما نحن بصدد مناقشته فإن القائمة التي تم إعلان قصر الفتوى عليها تجاهلت قرابة اثنين وعشرين عضوا بهيئة كبار العلماء في الازهر الشريف، حيث لم تتضمن غير اثنين فقط من الهيئة هما الدكتور علي جمعة والدكتور نصر فريد واصل، إضافة بالطبع للدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية…

الغريب أن تجاهل أعضاء هيئة كبار العلماء قابله وضع قرابة ثلاثة عشر باحثا من مركز الأزهر للفتاوى الإلكترونية وقرابة ستة عشر باحثا من دار الإفتاء المصرية أحدهم خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية ويعمل مستشارا داخل دار الإفتاء المصرية..

عجائب القائمة لا تننتهي عند هذا الخليط غير المنسجم من الموظفين في مركز الأزهر أو في دار الإفتاء، وإنما يمتد العجب لخروج شخصيات بعضها نافذ داخل النظام وفي أعلى هرمه، وبعضها محسوب على أذرعه القوية!!

فالدكتور “أسامة الازهري” المعروف بقربه من رأس النظام في مصر والذي قيل إنه عضو نافذ بالمجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب لم تضمه القائمة، ومعلوم ان الخلافات بينه وبين شيخ الأزهر كانت قد وصلت إلى حد التراشق على صفحات الجرائد عبر مقالات كتبها “الأزهري” ورد عليها بعض تلامذة شيخ الازهر المقربين..

أيضا فإن “خالد الجندي” أحد مشاهير المفتيين عبر الفضائيات المصرية قد استبعدته القائمة، وهو الذي يعرف بعلاقاته النافذة داخل المؤسسة العسكرية، وما ذلك ايضا إلا لتوتر العلاقة بينه وبين شيخ الازهر وبعض المحيطين به..

وبالطبع استبعدت القائمة سعد الدين الهلالي واحمد كريمة وصبري عبد الرؤوف وسعاد صالح وكل مشايخ الفضائيات السلفية التي مازالت تعمل كالرحمة والندى وغيرها…

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017