فكر

أصابعنا وأيادي إيران

11 يناير, 2018

14
مشاركة

لست أدري لماذا في كل مرة يتحرك فيها الشارع الإيراني، نسمع أصواتا من هنا وهناك تستشرف المستقبل وتتنبأ بثورة إيرانية جديدة وتطلق العنان لخيالها يصور تداعي نظام الجمهورية الإسلامية بتفاصيل افتراضية لا تمت للحقيقة بصلة. للأسف هذا المنطق لم تسلم منه الأحداث الأخيرة التي عرفتها إيران والتي وضعها الغرب وجماعته من العرب تحت عنوان نهاية ولاية الفقيه والربيع الإيراني على الأبواب ونظام الملالي يعيش أيامه الأخيرة.

 

من المنطقي أن نقول أن الاضطرابات في إيران تقف وراءها مشكلات داخلية كإخفاقات حكومة الرئيس حسن روحاني في المجالين الاقتصادي والاجتماعي والتعب المتنامي من دعم باهظ التكاليف للقوى الخارجية الموالية لطهران. أي أن إيران تدفع فاتورة تدخلاتها الخارجية وسياستها الإقليمية بمزيد من الإضطراب والتوتر على جبهتها الداخلية.

لا إصلاحيين ولا محافظين

بدون الدخول في مسارات اللعبة الأزلية المفضلة في إيران، والمتمثلة في الصراع بين المحافظين والإصلاحيين، حيث استخدم المحافظون هذه المرة الاحتجاجات لإضعاف مواقع حكومة حسن روحاني الإصلاحية، مثلما قاد الإصلاحيون الاحتجاجات التي واكبت نتائج انتخابات الرئاسة عام 2009 ، قبل أن ينتهي الأمر ببعض رموزهم إلى الإقامة الجبرية، بعد أن وصفهم النظام (المحافظ) بأنهم أصحاب فتنة.

بدون الدخول في هذه اللعبة لأن جناحي النظام يتبادلان الكر والفر في كل مرة حسب الجناح الذي يتواجد في السلطة وحسب طبيعة المشكلات التي يطرحها الشارع بإيعاز من أحد الطرفين، يجب أن نقول أن الحقيقة والواقع يؤكدان أن إيران بمؤسساتها ومجتمعها ومشاكلها الداخلية تتحرك بأسلوب مختلف تماما، أسلوب يحمل دائما مكنزمات جديدة للتكيف مع الأوضاع الطافحة، بغض النظر عن مدى شرعيتها الأخلاقية.

ولعل ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية يشير – بما لا يدع مجالا للشك- أن الإيرانيين يعيشون في واد آخر، يتحركون ببطء ولكن بثبات، يخططون للمستقبل، يفكرون بما تعلموه من هذه الأحداث ومن مثيلاتها التي تكررت خلال السنوات الأخيرة. ثم يضعون الخطط المناسبة لمواجهتها و تطويقها واحتواء مظاعفاتها. كل هذا يحدث بحزم ولكن بضجيج أقل وبدون شعارات فارغة ووعود كاذبة أو استخفاف بمشاكلهم وخلافاتهم.

وحتى ندرك أن النظام السياسي في إيران بمحتوياته الإيديولوجية والإستراتيجية لم يتأثر بهذه الاحتجاجات، نشير فقط إلى التقارير التي تسجل يوميا تزايد فعل الاحتجاج في هذا البلد.

فخلال السنة المنقضية قبل أيام قليلة، زاد عدد الاحتجاجات على 5275 احتجاجًا ضد ممارسات السلطات، بمعدل 15 حركة احتجاجية يوميا، وأكثر من 3 احتجاجات كل ساعتين، ضد القمع والاضطهاد وقلة الخدمات وغلاء الأسعار وعمليات الابتزاز التي يمارسها المسؤولون، إضافة إلى الاشتباكات التي تندلع باستمرار بين الشباب والنساء مع عناصر النظام. وهذا الفعل الاحتجاجي الذي يتسارع بوتيرة كبيرة وملحوظة، لكنه في النهاية لا يؤثر على السياسة العامة لإيران.

ليس هذا تمجيدا للنظام الإيراني، ولكن من قبيل أن نعطي حتى الشيطان حقه، يجب أن نعترف أن الرهان على الجبهة الإجتماعية وتحريك الاحتجاجات لقلب نظام الحكم في إيران استراتيجية أثبتت فشلها في هذا البلد. طهران تدير أزماتها بثقة وقوة وثبات، لا تترك مجالا للصدفة، ولا تسمح لخصومها بالتدخل في خياراتها الاستراتيجية، الإقليمية منها والدولية.

إيران الحالية تحسن الحديث بلغة الواقع، ولا تسعى للقفز على أوضاعها الداخلية الهشة ،لكنها لا تتردد في القول أنها ليست دولة من دون مشاكل، بهدف الحفاظ على تماسكها الداخلي وفي نفس الوقت صيانة ما تسميه “مكتسباتها” الإقليمية وهي كثيرة واستراتيجية وتصنع قوة الدولة وهيبتها، فبدون سلوكها ومسؤولياتها الإقليمية لا وجود أصلا لدولة اسمها إيران.

سيناريوهات مرعبة..ولكن لمن؟

إيران اليوم لديها يد في العراق ويد في سوريا ويد في اليمن وأخرى في السعودية ولبنان.. أخطبوط أذرعه طويلة ممتدة إلى أبعد الحدود، طالت حتى دولا غير عربية، إيران لديها موضع قدم في كل مكان! أما نحن فليس لدينا موضع أصبع في أي مكانن ثم نأتي لنتحدث عن ثورة جديدة في إيران وعن سقوط نظام الملالي وانهيار الامبراطورية الفارسية الشيعية.

ما يحدث هو العكس تماما ،بل أن السيناريو الأكثر رعبا في نظري لو كُتب لهذه الاحتجاجات في إيران بأن تصل إلى نقطة اللارجوع، ليس الخوف على مصير الرئيس روحاني وانهيار نظام ولاية الفقيه، وإنما الخوف على بشار الأسد وعلى غيره من الشخصيات والحكومات والأحزاب والفصائل والطوائف والمذاهب وحتى الدول التي ترعاها طهران في الخارج..فكلما انكفأت إيران على نفسها وانشغلت أكثر بداخلها رفعت غطاءها عن كل هؤلاء وتركتهم يلاقون مصيرهم.

الأغرب في هذه الحالة أن العرب ليس لديهم القدرة على ملء الفراغ الذي يمكن أن تتركه إيران إذا ما أُرغمت على الانطواء للاهتمام بمشاكلها الداخلية. والأخطر أن تراجع مساحة إيران الإقليمية سيتيح الفرصة لقوى إقليمية أخرى إسرائيل مثلا بالتمدد و فرض سيطرتها على الوضع. كما سيسحب هذا الوضع البساط من تحت سياسات بعض الدول التي تتحجج بالتغلغل الشيعي الإيراني في المنطقة للتدخل فيها.

ليست مؤامرة

ما يحدث الآن لإيران ليس مؤامرة، لأن إيران هي التي تحيك المؤامرات، وهي أكثر دولة في المنطقة تعيش من فيضان بيئتها الخار جية لدرجة أنها لم تعد تهتم، أو بالأحرى، لم تعد تقوى على وقاية بيئتها الداخلية من شتى المضاعفات والتأثيرات. فما تشهده من توتر وتململ داخلي هو نتاج أوضاع اقتصادية صعبة، يعرف الجميع أنها باتت تشكل عبئا على المواطن الإيراني، نتيجة الحصار والكلفة العسكرية الثقيلة التي تدفعها ايران في أكثر من منطقة، والتي تجد الحكومة الايرانية أن حضورها في ميادينها الملتهبة، يمثل دفاعا عن أمنها القومي، وانسجاما مع قناعاتها العقائدية والسياسية.

إيران تعيش في منطقة ملتهبة، وطبيعي جدا أن تتأثر داخليا بما يحدث من توترات سياسية واقتصادية واستراتيجية في المنطقة. لا يمكن فصل المجتمع الإيراني عما يحدث من تحركات إقليمية ودولية في المنطقة وفي العالم. والواقع أن هذه الحركية التي يشهدها الشارع الإيراني ليست وليدة اللحظة، وليست مرتبطة بحدث ما، أو اتجاه معين، إنما هي نتاج تراكمات مختلفة تشكلت عبر سنوات من التفاعل المجتمعي مع الحكومة أو السلطة الحاكمة في طهران من جهة، ومع القوى الدولية والإقليمية وكذلك الساحات التي تلعب فيها إيران ألعابها المفضلة: تصدير الثورة، دعم الشيعة، إثارة النعرات الطائفية، السباق نحو التسلح النووي..

وبالتالي فإن ما يحدث لإيران ليس فعلا اقتصاديا منعزلا ومجردا من أي عمق تاريخي أوفكري أوإيديولوجي، وإنما هو نتاج كل ذلك، وأي قراءة في أسباب ومآلات هذه الاحتجاجات لا تأخذ في اعتبارها هذه المعطيات هي قراءة مضللة وتمشي برجل واحدة.

سؤال كبير

لكن السؤال الكبير هو كيف نجحت إيران “الدولة” في التعامل مع إيران “المجتمع”؟

إلى حد الآن نجحت الدولة في إخماد نار المجتمع، على الرغم من أن هذه النار أشعلها لهيب الأسعار وتفشي البطالة وسوء المعيشة، ثم انتقلت ألسنتها لتطال عمل الحكومة وتنتقد سياستها الداخلية والخارجية أيضا، حيث رُفعت شعارات عابرة للحدود مثل: “لاغزة لا لبنان..روحي فدا إيران”، و”اترك سوريا وفكر في حالنا”. ثم سرعان ما انتقلت عدوى المطالب المعيشية إلى مظاهرات سياسية وأحداث شغب  وتخريب بمهاجمة مقرات حكومية وممتلكات عامة، وهوسلوك واضح على رفض المجتمع الإيراني لسياسة دولته الإصلاحية والمحافظة على السواء.

ومع ذلك نجحت الدولة في السيطرة على الاحتجاجات رغم عدم انتفاء أسباب انفجارها، وهذا قد يعود لكونها لم تحظ بأي نوع من أنواع القيادة السياسية والإيديولوجية ، على غرار ما حدث في 2009، وإن كانت بعض الجهات في حكومة طهران وجهت أصابع اتهامها إلى أياد خارجية متهمة إياها بالوقوف وراء إشعال فتيل هذه الإحتجاجات، خاصة عندما تحول مسار المظاهرات من مطالبات معيشية يومية إلى مطالبات سياسية تصعيدية وغير سلمية، لكنها أبدا لم ترقى إلى أي نموذج من نماذج الربيع العربي، لأن البيئة الداخلية في إيران رغم هشاشتها لا زالت قوية ومتماسكة وغير قابلة لانتشار الأجسام الغريبة فيها، وهو الأمر الذي يفسر الفرق بين ضعف أصابع العرب وقوة أيادي إيران.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018