فكر

النجار لـ”إسلام أونلاين”: لا معنى للأمة دون القدس

15 يناير, 2018

15
مشاركة

أسئلة كثيرة أثارها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية للقدس، واعتبار المدينة المقدسة عاصمة لإسرائيل.. وتتعلق هذه الأسئلة بتوقيت القرار الأمريكي ودوافعه ومصيره، كما تتعلق أيضًا بردود الفعل تجاهه، عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا، وبالخيارات التي يملكها الفلسطينيون للحفاظ على عروبة المدينة المباركة وإسلاميتها. “إسلام أونلاين” التقى المفكر والأكاديمي الفلسطيني د. مازن النجار، في هذا الحوار للتعرف على إجابات هذه الأسئلة وغيرها، وعلى خلفياتها التاريخية ومآلاتها المستقبلية.

 

كيف رأيتم توقيت صدور القرار الأمريكي بشأن القدس، وهو الذي ظل مؤجلاً سنوات طويلة؟

الإدارة الأمريكية الحالية، إدارة ترامب، غير متصلة مع سياقات الإدارات السابقة؛ لأن ترامب غريب أو طارئ على سياسات واشنطن، وليس له علاقة مع المؤسسة الشرقية (في الساحل الشرقي الأمريكي) Eastern Establishment، أي المؤسسة السياسية التي تصوغ الخيارات والسياسات التي يختار من بينها الرؤساء والمسئولون.

من ناحية أخرى، ترامب أيضًا غير مسيَّس أصلاً.. فالسياسيون كالعادة يقدمون وعودًا انتخابية، لكن إذا استطاع أحدهم أن يفلت من هذه الوعود بأي معاذير، خاصة إذا كانت الوعود مكلفة؛ فإنه يفعل. لكن هذا الرئيس وقد وعد أثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية للقدس، فإنه لجأ لتحقيق وعده نظرًا لعدة أسباب، من أهمها أنه معرَّض لأزمة كبيرة على مستوى مصير هذه الرئاسة بسبب الفساد وما يُشتبه به من اتصالات مع الروس وتدخل روسي في الانتخابات الأمريكية.. فربما أراد ترامب أن يعيد التواصل مع القاعدة الشعبية التي ينتمي إليها والتي نصرته؛ وهي قاعدة تغلب عليها الشعبوية، وأفكار اليمين الديني المسيحي.

فقرار ترامب بشأن القدس يروق لهذه القاعدة الانتخابية التي تتداول “أفكارًا أخروية”، أي ما يخص الصهيونية المسيحية، التي تنظر لهجرة اليهود إلى فلسطين كعلامة على قرب المجيء الثاني للسيد المسيح (عليه السلام) ويعقبها ألف سنة سعيدة (عقيدة الألفية) وقبلها معركة آخر الزمان (أرمغدون) التي يتحقق لهم فيها الانتصار النهائي..

إذن، أنتم تتفقون مع ما رجحته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية من أن السبب الحقيقي وراء إعلان ترامب هو خوفه من خسارة قاعدته الانتخابية المسيحية المتطرفة، من الأمريكيين “الإنجيليين”.

نعم، وأنا مطلع على أوضاع وأفكار الصهيونية المسيحية منذ 1980، لأنني كنت مشغولاً بفكرة أن الدعم الغربي شبه الكامل للكيان الصهيوني ليس ناجما عن سيطرة صهيونية أو يهودية عالمية شاملة. فثمة أسباب أو ظواهر تفسر الدعم الغربي الأعمى للمشروع الصهيوني الاستيطاني، مثل “الصهيونية المسيحية”، والتي تفسِّر لنا: لماذا يدعم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة إسرائيل، ويسهم في انتخاب مرشحين ذوي ميول صهيونية واضحة.

هل أفهم من ذلك أنكم ترون قرار ترامب كأنه “قرار شخصي” يخص ترامب وموقفه ومصالحه، بأكثر مما يخص السياسة الأمريكية؟

ليس بالضبط.. فقرار ترامب يخصه من ناحية، وأيضًا يمثل الدائرة السياسية الاجتماعية المالية التي ينتمي إليها ترامب.. فقد حصل على عشرات الملايين من يهودٍ صهاينة ومن أوساط اليمين المسيحي الذي يعتنق الصهيونية المسيحية، ويعتقد، كما أسلفت، أن قيام تجمعا يهوديا أو دولة يهودية على أرض فلسطين وعودة اليهود لما يزعمون أنه “أرض الميعاد”، سوف يعجِّل بالمجيء الثاني للسيد المسيح، وسوف يعقب ذلك أحداثٌ تاريخية مثل معركة أرمغدون (Armageddon)، التي سوف ينتصرون فيها انتصارًا نهائيًّا.

بجانب ذلك، لدى ترامب كراهية حقيقية للإسلام والمسلمين، وله علاقات عربية خليجية تُغريه بالعدوان علينا.. فضعف وانحطاط القيادات العربية التي تعامل معها يغريه بالعدوان علينا.. وعندما يكون السياسي الغربي على اتصال وثيق مع بعض هذه الأنظمة العربية ويرى فيها حالة رثة من التبعية والخواء تدعو للاشمئزاز، فهو لن يزداد احترامًا لنا، بقدر ما يزداد ظلمًا عدوانًا على حقوقنا ومقدساتنا.

إذن، التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تنسيق بين ترامب وبعض الأنظمة العربية، صحيحة؟

نعم، صحيحة إلى حد كبير، فأنا أعتقد أن ترامب جسَّ النبض، ولا يمكن أن يتخذ مثل هذا القرار، مهما كان تهوره الذي يوصف به، دون أن يجس نبض بعض النخب الحاكمة، خاصة الأنظمة ذات الصلة الوثيقة بالقضية الفلسطينية.. وأعتقد أنه وجد استجابة يرضى عنها ولو بالحد الأدنى.

رد الفعل الرسمي، عربيًّا وإسلاميًّا.. هل يتناسب مع قضية كبرى بحجم القدس؟

منذ سبعين عامًا تقريبًا، ورد الفعل العربي والإسلامي لا يتناسب مع التحديات التي يمثلها المشروع الصهيوني. لكن منذ الثلاثينيات، وتحديدًا من مؤتمر لندن سنة 1938، اتفقت الدول العربية الأساسية على ألا تحمل الفلسطينيين على قبول ما لا يمكنهم القبول به وعلى ذلك سارت الجامعة العربية في سيرتها الأولى. واتفقوا أيضًا على أن يكون السقف الفلسطيني هو نفسه سقف المشروع العربي..

استمر هذا الوضع حتى 1970. فجمال عبد الناصر قَبِلَ بالقرار 242، الذي يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ويدعو إلى حدود آمنة معترف بها (اعتراف صريح بحدود إسرائيل مقابل الانسحاب)، لكن عبد الناصر لم يطلب من المقاومة الفلسطينية أو من منظمة التحرير الفلسطينية أن تقبل بهذا القرار.

واستمر هذا الاحترام العربي للسقف الفلسطيني سنوات طويلة.. لكن فيما بعد ضغطت الدول العربية والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق على منظمة التحرير الفلسطينية للإقلاع عن مشروع التحرير الكامل والقبول بالمشروع المرحلي.. مما أدى إلى سلسلة من التنازلات والتراجعات انتهت إلى قيام السلطة (الوطنية) الفلسطينية، ونحن نعرف باقي القصة.

د.مازن النجار رفقة الزميل السنوسي محمد

فمنذ انسحاب منظمة التحرير والمقاومة من لبنان سنة 1982، بل منذ مبادرة الأمير فهد بن عبد العزيز (ولي العهد) سنة 1981، إلى مبادرة السلام العربية التي اقترحها أصلاً ولي العهد أيضًا الأمير عبد الله بن عبد العزيز، وما تخللهما من اتفاقيات مثل أوسلو وغيرها، وحتى الآن، انقلب دور المجموعة العربية إلى الضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بتنازلات لها علاقة بترسيخ شرعية الاحتلال المغتصِب للأرض.

وكانت تتم مقايضة الضغط على الفلسطيني بالاعتراف العربي بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، حتى لو تم التنازل عن المبادئ الحاكمة للصراع العربي الإسرائيلي، فيما بدا أنه ترسيخ لشرعية أشخاص بعينهم أو نخبة سياسية بعينها وليس لمشروع التحرير. فجُل الجهد الفلسطيني الذي بُذل منذ الستينيات كان يعود لترسيخ شرعية القيادة ووحدانيتها في تمثيلها للشعب الفلسطيني، أكثر مما صُرف على مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض ومأسسة المقاومة واستدامتها.

لذا، فالرد الرسمي العربي والإسلامي لم يكن على المستوى.. وقد تقود التطورات الأمريكية الإسرائيلية الراهنة إلى ضحايا جدد كالأردن؛ لأنه معرَّض لتهديد حقيقي نظرًا لمخططات اليمين الإسرائيلي التي تتحدث عن (الخيار الأردني)، الذي يقوم على إلغاء المملكة الأردنية الهاشمية وإقامة كيان فلسطيني مزيف في شرق الأردن وترحيل (ترانسفير) الفلسطينيين إليه.

ماذا عن رد الفعل الشعبي؟

إذا ما أخذنا بالاعتبار كل عوامل التخذيل والتضليل والخداع التي يمارسها الإعلام العربي تجاه قضية فلسطين وتجاه مفاهيمها الأساسية، فرد الفعل الشعبي ليس سيئًا ولا منخفضًا. لكن كان يمكن أن يكون أفضل لو فُتحت الأبواب أمام الشعوب لتعبر بحرية عن خياراتها وإرادتها وهو المحظور المستمر منذ ما قبل قيام الكيان الصهيوني.

المشكلة هنا أن البعض يخلط بين القضيتين: قضية حق الشعوب العربية في الحوكمة العادلة، والرفاه الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية الاقتصادية والتمكين السياسي.. وبين قضية فلسطين! بينما لا يمكن إلغاء واحدة من هاتين القضيتين بالأخرى.

فالاهتمام بقضية فلسطين لا يناقض الاهتمام بالقضية الوطنية.. بالعكس، فالنضال المحلي من أجل التنمية والعدل والنمو الاجتماعي الاقتصادي، يعطي أبعادًا أوسع، وآفاقًا أكبر لقضية فلسطين. والثورات العربية أكدت هذا، حيث استبطنت وعيًا ومفاهيم تتصل بالقضيتين معًا.

ونحن نلاحظ أنه بعد تغول السياسات الاقتصادية “النيوليبرالية” وانسحاب الحكومات من الاستحقاقات المجتمعية كالرفاه والعدل الاجتماعي والصحة والتعليم والثقافة، أصبحت الشعوب مختزلة في البحث عن لقمة العيش لا آفاق لها في قضية وطنية، ولا بقيت الحدود الدنيا فيما يتصل بالقضية المشتركة، قضية فلسطين.

وكالة «أسوشييتد برس» الأمريكية قالت إن أمريكا بدت «منعزلة» في مجلس الأمن، وفي مواجهة 14 دولة، خلال الجلسة الطارئة التي عقدت لبحث قرار ترامب.. هل يكفي هذا على مستوى المنظمات الدولية؟

كما نعلم جميعًا، أهم المنظمات الدولية الأمم المتحدة، وهي تتخذ قراراتها عبر مستويين: مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة. وتاريخ الجمعية العامة مع القضية الفلسطينية تاريخ إيجابي.. ففي سنة 1975 نجحت المجموعة العربية وحلفاؤها في استصدار قرار بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وأن إسرائيل دولة عنصرية. كنا قادرين على انتزاع هذا الموقف الدولي طالما كانت الدول العربية، رغم خلافاتها البينية، متسقة في دعم القضية المشتركة بينها، وهي قضية فلسطين.

لكن الأنظمة العربية عندما بدأ بعضها يُساوِم على علاقات جيدة بالولايات المتحدة، ثم فيما بعد بإسرائيل؛ اختلفت المسائل، ونجحت أمريكا في أن تُفشل مشروع قرار مجلس الأمن الذي حاول أن يبطل قرار ترامب، رغم ما وصلت إليه أمريكا من “عزلة” دولية، ومن استهجان دولي لحماقة المندوبة الأمريكية.

فالموقف الدولي عمومًا إيجابي، وقد واجهت أوروبا نتنياهو بموقفها الإيجابي حين زارها للحصول على دعم الاتحاد الأوروبي لإعلان ترامب القدس الشريف عاصمة للكيان الصهيوني. لكن السؤال هو عن مدى قدرتنا على الاستفادة من تجربة سابقة علينا، وهي تجربة مواجهة النظام العنصري في دولة جنوب أفريقيا من خلال استخدام المنابر الدولية لعزل النظام العنصري الحاكم.

وهذا العزل تطور وفق المنظومة الثلاثية: المقاطعة، سحب الاستثمارات، العقوبات. بجانب أن الدول الأفريقية، رغم خلافاتها البينية، لم تختلف على ضرورة تفكيك النظام العنصري الاستيطاني في جنوب أفريقيا. هذه التجربة تعتبر مثالاً يحتذى به في مقاربة قضية فلسطين.

وما الذي يمنع من الاستفادة من هذه التجربة، عربيًّا؟

ما يمنع تكرارها عربيًّا هو غياب القيادة العربية والإرادة العربية، وعدم التنسيق السياسي، بل وحتى الإعلامي، في دعم القضية. وأصبح كل نظام يقايض على علاقات جيدة بالولايات المتحدة مقابل تقديم تنازل على حساب قضية فلسطين وحقوق شعبها ومقدسات الأمة. وأصبحنا أمام حالة من التخلي العربي حتى عن مفاهيم القضية والمبادئ الأساسية. وغاب حتى التأييد اللفظي لحق الشعب العربي في فلسطين في المقاومة حتى تحرير الأرض من الاحتلال، بل أصبح بعض العرب يرى في المقاومة المشروعة إرهابًا! ولم يعد حتى الإسعاد بالنطق قائمًا على نحو ما وصف المتنبي قبل ألف عام:

لا خيل عندك تُهديها ولا مال ** فَليُسْعِدِ النطقُ إن لم يُسعد الحال!

تصديق الكنيست على قانون (القدس الموحدة)، الذي يمنع الحكومة الإسرائيلية من التفاوض على أي جزء من القدس إلا بعد موافقة 80 عضوًا من أصل 120، ألا يدل على سياسة الاحتلال، بدعم أمريكي، في إخراج القدس من أية مفاوضات؟

هناك ترسانة من مشروعات القوانين قابعة في أدراج المشرعين الصهاينة، من قبل، مثل قانون “الهوية الوطنية”، وقانون “القدس الموحدة”، وقانون “تشريع الإعدام” للمقاومين العرب، وقانون مصادرة جثامين الشهداء، وغيرها من التشريعات العنصرية الجنونية. كل هذه القوانين كانت موجودة وتنتظر اللحظة المناسبة لتخرج للعلن. وما شجع على طرحها للنقاش ثم التصويت ثم وضعها موضع التنفيذ هو في الحقيقة “إعلان ترامب”، وهذه الإدارة الأمريكية التي بدت حالةً استثنائيةً في صهيونيتها في تاريخ البيت الأبيض.

لقد أشارت الباحثة التونسية كوثر قديري في أطروحتها العلمية التي نالت بها الدكتوراة من جامعة “إكستر” البريطانية، أن لدى المشروع الصهيوني طاقة استيطانية فائضة؛ تتجلى يوميًّا في التشريعات العنصرية الاستيطانية، ورفض تحديد حدود للكيان الصهيوني، ومصادرة الأراضي، وإقامة المستوطنات وتوسيعها، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وسور الفصل العنصري.

هذه الطاقة الفائضة مستمدة من عوامل كالدعم الغربي، استمرار تدفق المهاجرين، خطط استيعابهم، برامج الوكالة اليهودية، تبرعات سنوية (معفاة من الضرائب) بالمليارات من جاليات يهودية بالغرب، مخصصات بمئات الملايين في الموازنة الإسرائيلية العامة.

وخلصت الباحثة إلى أنه طالما بقيت هذه الطاقة الفائضة فلن يكون هناك انسحاب من الأراضي المحتلة يقوم على الحل التفاوضي، خاصة أن اتفاقات التسوية القائمة على التفاوض، منذ كامب ديفيد إلى أوسلو وما بعد أوسلو، ليس فيها كلمة أو تعبير من قبيل “الانسحاب”، أو “إنهاء الاحتلال”، أو “سحب القوات” أو “حق تقرير المصير”!

ما السيناريوهات المتوقعة لمصير القرار الأمريكي بشأن القدس.. خاصة وأن “حماس” أعلنت أن لديها معلومات تفيد بأن الإدارة الأمريكية بصدد اتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية بشأن القدس؛ مثل إقرار “يهودية الدولة”، وشطب حق العودة؟

الإدارة الأمريكية تتخذ خطواتها طبقًا لقاعدة “التكليفات والتكاليف”، بمعنى أنها قبل أن تتخذ قرارًا ما فهي يتحسبون لتكلفة وتبعات هذا القرار وإمكانية تنفيذه. فإدارة أوباما مثلاً لم تتخذ قرارًا باعتبار كيانات معادية لأمريكا منظمات إرهابية، لأن قرارًا مثل هذا له تبعات داخلية وخارجية وقانونية ومالية وتجارية تفرضها الإدارة الأمريكية على ذاتها وعلى العالم.

كذلك، فإن أي قرار تصعيدي تتخذه الإدارة الأمريكية، مثل “يهودية الدولة”، ستكون له عواقب ونتائج تبدو الطبقة السياسة والدولة الأمريكية في غنى عنها أو تفضل تأجيلها مثل مصير غير اليهود في إسرائيل، وجوب ترسيم حدود لإسرائيل، وهو ما لا يقبله الكيان العنصري، ردود الأفعال الدولية، الوضع القانوني للتبرعات الأمريكية لإسرائيل.

وبالنسبة لمصير قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، فأعتقد أنه ما لم يتم عزل ترامب فإنهم ماضون فيه، وسينفذونه خلال عام أو عامين.. وقد ينجحون في تكرار ما جرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيضغطون على دول أخرى صغيرة لنقل سفاراتها للقدس.

ما الخيارات التي يملكها الفلسطينيون لمواجهة التغول الصهيوني والاستخفاف الأمريكي؟

هناك الكثير من الخيارات.. القيادة الفلسطينية حتى الآن لم تتبنَّ حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.. وهي أفكار ممكنة وعملية جدًّا، كما حدث في حالة جنوب أفريقيا.. وقد قاطعت بالفعل نقابات وجامعات بريطانية وغربية أخرى الجامعات الإسرائيلية، وسحبت كنائس ونقابات استثماراتها من إسرائيل، وفُرض على الكيان الصهيوني تصنيف بضائعه المصدرة إلى أوروبا وأمريكا من حيث مكان الإنتاج في مستوطنات الضفة الغربية، وانتشرت دعوة مقاطعة هذه البضائع، وخسر اقتصاد الاحتلال الكثير جرّاء ذلك..

ينبغي تفعيل هذه الأفكار ضمن «برنامج عمل» يتناسب مع التحديات الراهنة.. لكن المقايضات التي كانت القيادة الفلسطينية تقوم بها، مثل الامتناع عن دخول منظمات دولية معينة كالمحكمة الجنائية الدولية مثلا، التي يمكن أن تلاحق مجرمي الحروب الصهاينة، تُفشل مثل هذه الأفكار، ودون مقابل!

بل صار مطلوبًا الآن، وأكثر من أي وقت مضى، سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني، وإنهاء مسار الحل التفاوضي العقيم، وحل السلطة الفلسطينية برمتها؛ ليتحمل العدو المحتل تكاليف الاحتلال كاملة وإنهاء معادلة «سلطة فلسطينية بلا سلطة.. واحتلال بلا كلفة»، كما أوجزها بدقة الرئيس الفلسطيني.. وهذا «وضع مثالي» للاحتلال لأنه يعفيه من تبعات ومسئوليات الاحتلال تجاه من يحتلهم!

في سياق الضغط على الفلسطينيين، المفارقة أن توقف أمريكا دعهما التقليدي لموازنة السلطة ولوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، وهي مساعدات كانت تقدمها لاستدامة أوضاع أنشأتها هي بالدرجة الأولى وتصب في مصلحة مشروع الاحتلال.

حان وقت أن تتخلص حركة التحرر الفلسطينية من كل أعباء مسار الحل التفاوضي. ولذا أقول: الخيارات كثيرة، متى وُجدت الرغبة الجادة في تحريك المشروع التحرري، وعادت النخبة أو الطبقة السياسية الفلسطينية إلى سنوات النضال والتقشف وغادرت مواقع الترهل والمصالح الذاتية والإعفاءات الجمركية.

كيف ترون رمزية القدس بالنسبة لفلسطين، ورمزية فلسطين بالنسبة للأمة؟

ليس هناك أي معنى لفلسطين دون القدس، فهي الأرض التي بارك الله حولها.. وليس هناك معنى أو مؤشر لنهوض الأمة كلها ما لم تسترد فلسطين. في فلسطين سيكون الحل النهائي للمسألة الشرقية ونهاية المد الاستعماري. فلسطين آية في الكتاب الكريم، وفي القدس سيكون «وعد الآخرة»: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (الإسراء: 7).

من يتنازل عن القدس، هل يتبقى لديه معنى مقدس أو عزيز يمكن أن نتوقع منه أن يدافع عنه؟! القدس قضية ربما تحتاجها الأمة، أكثر مما هي تحتاج الأمة! لأنها قضية عادلة ومشروع للتحرر من الاستعمار والتغريب والمسخ والانحطاط الحضاري.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018