فكر

رامافوزا..قصة “الصعود الهادئ” لثالث خليفة لمانديلا

Feature image

من قرأ مذكرات الرئيس الراحل لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا سيلحظ بشكل واضح أهمية و محورية سيريل رامافوزا و الأدوار الجسيمة التي كان يقوم بها أثناء الكفاح ضد نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، فقد خص مانديلا  رامافوزا بكثير من الثناء و ذكره في أكثر من موقف و صفحة  من المذكرات المعنونة ب:”مسيرتي الطويلة نحو الحرية”.

كان سيريل رامافوزا أحد الوجوه الشابة التي جابهت نظام التمييز العنصري بجنوب إفريقيا على الأرض، و كان  الشاب الذي ينتمي لحي سياولو بمنطقة سوويتو التي ترمز لقلعة النضال و التحرر ضد الأبرتايد  أحد مهندسي المخططات المناهضة لسياسات الأبرتايد في الخلايا السرية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي،كما اشتهر بكونه احد  ابرز محامي السود الذين عرفتهم المحاكم للدفاع عن الملاحقين في قضايا النضال و الكفاح من اجل رفع الظلم و التمييز عن السود.

أسس سيريل النقابة الوطنية لعمال قطاع المناجم بغية الدفاع عن مصالح هذه الفئة الحية من المجتمع، و قاد ابرز إضراب للنقابة سنة 1987، و قد حقق هذا الإضراب نجاحا كبيرا بفعل التفاف الشريحة العمالية حول مطالبه مما أربك نظام الفصل العنصري و جعله يذعن لمطالب المضربين.

عندما بدأت بوادر الانفراج في حل مشكلة الأبرتايد، كان سيريل أحد كبار المفاوضين عن السود، ثم ظهر مع مانديلا في أول صورة يظهر فيها أيقونة نضال جنوب أفريقيا طليقا بعد 27 سنة من الأسر في سجون نظام الفصل العنصري.

شارك الرجل لاحقا في ابرز محطات الانتقال السياسي فكان من ضمن المجموعة التي شاركت في تحرير دستور البلاد، و استندت إليه الأمانة العامة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي و عمره ساعتها دون الأربعين.

عندما همٌ نيلسون مانديلا بالتخلي عن السلطة سنة 1999 كان سيريل خياره الأول، فقد كان مانديلا أو ماديبا كما يسميه محبوه من أهل البلاد يميل لإسناد السلطة لجناح حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي كان يناضل من الداخل، و عيا منه أن هذا الجناح يعتبر أكثر معرفة بتحديات البلد و باعتباره كان الأقرب للمواطنين في ساعات الشدة، إلا أن ضغوط جناح الحزب، الذي كان يناضل بالخارج مالت لصالح تابوا مبكي أحد قيادات نضال الخارج، و نجل كوفان امبكي صديق مانديلا و رفيق دربه.

عندما فاتت  سيريل فرصة الظفر بكرسي الرئاسة طلق الحياة السياسية و  يمم وجه نحو عالم المال و الأعمال، استفاد الرجل من سياسية التمييز الإيجابي التي وضعتها الحكومة السوداء من اجل التمكين الاقتصادي للسود فأسس صندوقا للاستثمارات و شارك في أسهم بالعديد من الشركات العاملة بالقطاعات الحيوية كالمعادن و العقارات و سلسلة ماكدونالد و كوكا كولا.

دخل نادي الأثرياء بسرعة و تزوج من شقيقة باتريس موتسيبي  أول ملياردير اسود بالبلد،

و قدرت مجلة فوربيس ثروة سيريل  بحوالي 450 مليون دولار، و صنفته المجلة المتخصصة بالمال و الأعمال في  الترتيب 42 على المستوي الإفريقي.

ساهم سيريل في تأسيس اتحاد العمال بجنوب إفريقيا و تربع على رأسه لفترة طويلة، و أصبح هذا  التجمع في فترة قيادة سيريل  يشكل قوة ضاربة و منظمة ذات تأثير كبير في مجري الحياة السياسية و العامة، و هيأ هذا الاتحاد الرجل ليكون احد ابرز رجالات البلد و أكثرهم تأثيرا في المشهد السياسي و الحياة العامة.

عاد سيريل سنة  2012 للعمل السياسي تحت مظلة حزبه الأم(حزب المؤتمر الوطني الإفريقي)، وأصبح احد شخصياته الفاعلة، وفي نفس السنة تولي مسؤولية نائب رئيس الحزب و نائب رئيس الجمهورية.

استقال سيريل من السلطة سنة 2015،  احتجاجا على فساد الرئيس جاكوب زوما و خوفا من ربط مصيره به، و بدأ لحظتها أخذ مسافة من الرئيس  و تحضير نفسه كبديل و منافس له.  و تعززت حظوظ الرجل كخليفة لزوما بعد محاصرة الأخيرة بفضائح الفساد التي زادت تهمها على 700 تهمة، في ظل التراجع  البين لشعبية الحزب في المدن الكبرى و بعض معاقله التقليدية.

هزم سيريل منافسته الرئيسية نكوزازانا دلاميني زوما لرئاسة الحزب في ديسمبر الماضي لتكون تلك الهزيمة خطوته الأولي نحو رئاسة الحزب، و بعد اقل من شهرين من ترأس الحزب أرغم الرئيس زوما على ترك السلطة تحت تهديد طائلة حجب الثقة عنه .

يرفع سيريل الثري شعار محاربة الفساد و يسعي لتعزيز مكانة الحزب و رد الاعتبار إليه بعد تأكل رصيده الانتخابي و تراجع ألقه و مصداقيته السياسية، فجنوب أفريقيا تعيش تحديات اقتصادية و اجتماعية صعبة باتت تهدد استقرار النظام السياسي  و تؤثر على صورته.

و يُبشر  الرجل بإصلاح للأراضي من خلال سياسية مصادرة الأراضي من البيض و منحها للسود دون تعويض باعتبار أن إجراءات التعويض قد تطيل مسار استرداد الحقوق لأهلها و  باعتبار أيضا أن هذه الأراضي مغتصبة بغير وجه حسب قوله.

و  تهدف هذه السياسية التي  يراها سيريل خطوة لتضميد جراح الماضي لتحسين من ظروف الأغلبية السوداء، إلا أن الأنظمة السابقة ظلت تتعامل مع هذا الملف بالكثير من التوجس مخافة انعاكاسته الاقتصادية و ارتداداتها على التعايش الوطني .

و لا زال البيض بجنوب أفريقيا يحتكرون الثروة و اقتصاد البلاد، فقد أكدت دراسة حديثة أن المزارعين البيض يمتلكون حاليا 73% من الأراضي الزراعية، في حين كانت النسبة حوالي 85% عند نهاية عهد الإبرتايد.

يعتبر سيريل من أكثر قيادات الحزب المتشبثين بالقضية الصحراوية، و قد تصدر موضوع الصحراء خطاب السياسية الخارجية الذي أعلنه أثناء تنصيبه كرئيس للحزب، و طالب المغرب صراحة بتبني دبلوماسية واعية داخل الإتحاد الإفريقي و أن تلتزم بنصوصه التي تؤكد على مبدأ استقلال الدول الأعضاء و احترام سيادتها.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة