الابتلاء علامة على حب الله أم علامة على سوء التخطيط؟

15 أبريل, 2018

1.3K
مشاركة

في وجدان الدعاة والمصلحين، الابتلاء علامة على حب الله تعالى، ومن صور الابتلاء ما يتعرض له المصلحون من بطش وسجن وتعذيب على يد أعدائهم، ويستقر في فكرهم أن طريق الإصلاح لا بد له من الابتلاء، وربما غالى بعضهم في ذلك فعدَّه علامة على صحة الطريق، كما يُحكى عن بعض المصلحين أنه قال، وقد مضى شوط من طريقه في الإصلاح : لقد تأخر الابتلاء؛ أخشى ألا أكون على الحق!

وفي المقابل، لا تعرف السياسة هذا المعنى، بل ترى الانكسارات التي تلحق أصحابَها علامة على سوء التخطيط، وأمارة على ضعف استشراف المستقبل وقراءة الواقع . ففي السياسة لا يُنظر إلى قدر الجهد المبذول، ولا إلى عِظَم التضحيات على أنها مناقب، ولكن يُنظر إلى النتائج التي تحققت، فعلى قدر ما يتم من إنجاز على أرض الواقع يكون النجاح.

تقاطع المفهومين

ربما كان يمكن للرؤيتين أن تمضيا هكذا بهذا التوازي لو لم تتقاطع المسيرتان، ولكن؛ لأن دائرة الإصلاح تتعدى الجوانب الشخصية إلى الإصلاح في المجال العام، من ثقافة واجتماع واقتصاد وسياسة ، فاقتحم المصلحون المجال السياسي بمعناه العام، وانتقلوا من الدعوة إلى الدولة، بأدمغة مسكونة بهذه الفكرة، أن ما يتعرضون له من بطش وسجن وتعذيب على يد أعدائهم، هو من الابتلاء الذي يرفع صاحبه درجات إلى الله.

ولِمَ لا، وهم يحفظون عن نبيهم صلى الله عليه وسلم  أنه قال: ” إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع ” [ رواه أحمد بإسناد جيد، مسند أحمد ط الرسالة (39/ 35)]

وهم  يقرأون مثل هذه النصوص : “والله- سبحانه- إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه، أهَّله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه.” [الطب النبوي لابن القيم (ص: 145)]

 

إرباك نتج عن المفهوم الدعوي

أدى هذا التقاطع بين الرؤيتين ( الدعوية والسياسية) إلى البحث من جديد عن أيتهما هي الأصوب والأصلح في التقدير؟

فمن الآثار المربكة التي نتجت عن المفهوم الدعوي للابتلاء، ألا يتم محاسبة المقصر الذي وقعت الابتلاءات بسببه، وأنه لا ضرورة أصلا  لتقييم التجربة، فأيا كان الحال الذي هم عليه، فهو خير، وهو إحدى الحسنيين، {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } [التوبة: 52] فالنصر والهزيمة وجهان لعملة واحدة رائجة في هذه السوق، التي لا يبتغي أصحابُها إلا وجه الله تعالى؛ ” ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”. الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 48)

التفريق بين الابتلاءات القدرية وابتلاءات التقصير

من الإضاءات التي يمكن أن تعين على فض الاشتباك هنا، التفريق بين نوعين من الابتلاءات

النوع الأول الابتلاءات القدرية.

والنوع الثاني: الابتلاءات الناجمة عن أخطاء وتقصير.

فالنوع الأول، ينبغي التعامل معه بمفهوم الدعاة والمصلحين حتى إذا كان الابتلاء في المجال السياسي

فتجمع الأحزاب بالمدينة  في السنة الخامسة  للهجرة من بني النضير وغطفان وقريش وكنانة، ابتلاء قدَري، ليس ناتجا عن أخطاء ، أو سوء تقدير من أهل المدينة،  قال تعالى :{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11]. فهنا يحسن استدعاء المفهوم الدعوي للابتلاء، وأنه قدر قدَّره الله للاختبار.

لكن الهزيمة التي تعرض لها المسلمون يوم أحد، لا ينبغي التعامل معها وفق هذا المنظور، {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]

فقد كان سبب هزيمة المسلمين في غزوة أحد غلطة من أغلب الرماة قلبت الوضع تماما، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين، وكادت تكون سببا في مقتل النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم، والهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر.

لقد أصدر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمره  إلى هؤلاء الرماة، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة، لكن على رغم هذه الأوامر المشددة؛ لمَّا رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو، غلبت أثارة من حب الدنيا، فقال بعضهم لبعض: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟

فغادر أربعون رجلا من هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل، والتحقوا بسواد الجيش، ليشاركوه في جمع الغنائم، وهكذا خلت ظهور المسلمين، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة من أصحابه، التزموا مواقفهم، مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا.

فهنا يحسن استدعاء المفهوم السياسي للابتلاء أنه علامة على سوء تخطيط هؤلاء الرماة ،  وأمارة على ضعف استشراف المستقبل وقراءة الواقع منهم، وأنه يقتضي محاسبة المقصرين؛ ولذلك قال القرآن في سبب هذه الهزيمة: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } [آل عمران: 165] مع أن هذا لا ينفي أبدًا قوله تعالى فيما بعد : {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 166] وأن كونه بإذن الله لا يمنع من محاسبة المقصر، فكل ما في الكون لا يحدث إلا بإذن الله!

كما أن إسفار الخسارة عن عدد من الشهداء، لا ينفي محاسبة المقصرين، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]

انفكاك الجهة وتباين المنطلقات

ومن المحددات التي يمكن أن تعين على فض الاشتباك أيضا : مبدأ انفكاك الجهة وتباين المنطلقات.

فقتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد شهادة بالنسبة له هو، وهو وجع بالنسبة لأهله، وخسارة ومصيبة بالنسبة للجيش الإسلامي، لا يتنماها له، وهو أيضا نتيجة تقصير الرماة يستحقون عليها اللوم والمعاتبة، وهو فوق هذا كله جريمة ارتكبها جيش مكة في حقه وحق المسلمين؛ لذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه لما وقف على  جثة حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عنه، حين استشهد، قال: “رحمة الله عليك، إن كنت – لما علمت -لوصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها-أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك  . فنزل جبريل، عليه السلام، على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة ،وقرأ: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر الآية، فكفَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: عن يمينه-وأمسك عن ذلك . [تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 614)]

وبغض النظر عما قيل في سند الحديث من ضعف؛ فإن مبدأ القصاص العادل من القاتل، حق مقرر في الشرائع السماوية جميعًا، بالرغم من أن القتيل من جهة أخرى نال بقتله منال الشهداء؛ فهذه جهة غير تلك؛ وإلا لوجب مكافأة القاتل  وشكره على قتله المقتولَ؛ إذ كان سببًا في تبليغه منازل الشهداء!

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018