فكر, كتب

“انتقام الجغرافيا”..كابلان مصير أمريكا والعالم والجغرافية العربية

23 مايو, 2018

3
مشاركة

لا شك أن أحد مصادر قوة تحليل روبرت كابلان في كتابه “انتقام الجغرافيا” أنه -ببساطة- يعيد الاهتمام بالجغرافيا، لدرجة يقول فيها أن “من يغفل قوة الجغرافيا وجبروتها سيتجرع غصة الهزيمة”،وهي مقولة مقولة يمكنها أن توجز حديثه حول نزاعات المستقبل والمعركة ضد المصير الذي ركز فيه على النزاعات الإقليمية والدولية وأهميتها في رسم الجغرافيا متخيلا خريطة العالم وخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وضعف المكسيك، وتراجع الاقتصاد الأمريكي وتنامي الاقتصاد الصيني، والأخطاء التي وقعت فيها أمريكا خاصة الحروب التي خاضتها في الشرق الأوسط.

 

لكن كابلان الذي انتقد كثيرا هذه الحروب التي خاضتها واشنطن في المنطقة العربية (البعيدة جغرافيا) ودعا بلاده إلى الاهتمام أكثر بجغرافية المكان والالتفات لما يحدث على حدودها مع المكسيك، كابلان ،ورغم هذه المواقف، كان من أشد المتحمسين لغزو العراق والداعمين للرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن ،قبل أن يغير موقفه منه لاحقا، وهو موقف اعتبر الكثيرون أنه يحسب له لأن الرجل أدرك أنه كان مخطئا في تقديراته.

ومثل الكثير من الدراسات الأمريكية، والكتاب الأمريكيون، فالنقد الذي تم توجيهه إلى كابلان أنه انطلق من زاوية أمريكية بحتة، تحمل بعض بذور النرجسية أو”ثقافة الكاوبوي” ، كما أعاب عليه بعض الباحثين عدم تنوع المصادر والمراجع الأكاديمية.

ومع ذلك ظهر كابلان واقعيا  في دراسته ،أثناء رحلة انتقامه للجغرافيا، ولم يسقط في صياغة النظريات التي تنطلق من عقدة التفوق الأمريكي مثل “صراع الحضارات” لصامويل هنتنغتون أو “نهاية التاريخ” لفوكوياما. وكأنه أراد أن يقول أن “نهاية تاريخ” فوكوياما، كانت سببا في انتقام جغرافية كابلان.

تونس والصدفة الجزئية

وبخلاف جدله المتواصل بأن التركيز على دور الاقتصاد والسياسة قد ألهى الباحثين عن دور الجغرافيا في فهم وتحديد مصير العالم،يتحدث كابلان عن بدايات الربيع العربي ويقول “إن بدء الفوران في تونس قد لا يكون صدفة كاملة”،مشيرا إلى وضع تونس التاريخي وكيف كانت المركز الديمغرافي لشمال أفريقيا ليس فقط في عهد القرطاجيين والرومان بل تحت حكم الوندال والبيزنطيين والعرب و الأتراك.

ويقول كابلان أن تونس كانت دوما مركزا لحضارات قديمة، وأن العمران بدأ فيها قبل الفى عام. ثم يسرد بعض الأحداث التاريخية تعود إلى عام 202 قبل الميلاد، عندما انتصر (سكيبيو) على هانيبال بالقرب من تونس، وكيف قام بحفر خندق حدد من خلاله نهاية الأراضي المتحضرة. ويقول كابلان أن هذا الخط لازال حتى اليوم قائما في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن المناطق التي تقع خلف هذا الطريق لم تشهد فيها آثار رومانية وهى اليوم الأكثر فقراً والأقل تطورا، وفيها أعلى نسبة من البطالة.

ويضيف أن مدينة (سيدى بوزيد) التي بدأ منها التمرد في تونس في ديسمبر عام 2010، تقع خلف خط (سكيبيو) مباشرة. ويقول كابلان انه يحاول هنا أن يعطى للأحداث التي وقعت مؤخرا في المنطقة (يقصد الثورات العربية) البيئة الجغرافية والتاريخية لها، ويؤكد أن التمرد العربي من اجل الديمقراطية بدأ في المجتمع الذي اعتبر تاريخيا أكثر المجتمعات العربية تقدما، وأكثرها قربا من أوروبا؛ ولكن أيضا بدأ التمرد بشكل خاص في هذا الجزء من البلاد الذي ظل منذ التاريخ القديم منسيا وعانى كثيرا من نتائج سوء التنمية.

ويؤكد كابلان إن الجغرافيا تشهد على أن تونس ومصر يتمتعان بتماسك تدعمه الطبيعة؛ بينما تشهد الجغرافيا في كل من ليبيا واليمن وسوريا على أنهم اقل تماسكا. لذلك يمكن القول إن كل من تونس ومصر احتاجا إلى أشكال بسيطة نسبيا من النظام الاستبدادي حتى يبقيهما في وحدة متماسكة، بينما تحتاج ليبيا وسوريا إلى أشكال مختلفة عديدة من الاستبداد.

اليمن واستنزاف الحياة

ولكن الجغرافيا من وجهة نظر كابلان جعلت من الصعب دوما حكم اليمن. لأن اليمن حسب قول الخبراء، يعتبر مجتمعا “مُجَّزءاً”، تتداخل في طبيعته الجبال والصحارى. لذا فهو مجتمع ظل يتأرجح ما بين المركزية والفوضى، وهو مجتمع حسب قول الخبراء، يحكمه بالضرورة نظام يقوم على “استنزاف الحياة منه”، ولأنه يعانى من “هشاشة داخلية” فهو يفشل دائما في إقامة مؤسسات تدوم. ويفسر الكاتب هذا الأمر بأن القبائل في اليمن قوية بصورة تبدو فيها الحكومة المركزية ضعيفة بالمقارنة بهم.

ولعل اليمن المليء بالحواجز الجغرافية قد جعلته كيانا غير متماسك لاعتبارات تشتته المركزي بفعل التقاطعات الجغرافية التي هيأت لنشوء عدة أقاليم غير منسجمة. وقد يظهر ذلك بسيطرة الحوثيين على البلاد وتعدد التدخلات الأجنبية في واقع هذا البلد.

ويتوقف كبلان عند دولة يقول أنها تكتسب قوتها من موقعها الديني في الإسلام وهي السعودية ، ويصفها بأنها قلب الجغرافيا الدينية، لكنه يشير بمنطق استشرافي إلى أن الخطر الحقيقي على هذا البلد هو اليمن، حيث يأتي استنتاج الكاتب هذا ثلاث سنوات قبل التدخل السعودي العسكري في اليمن الذي يقول عنه الكاتب أنه الدولة التي تمثل القلب السكاني لشبة الجزيرة العربية، والتي ظلت تحاول توحيد أراضيها، ولكنها كانت دوما تصطدم بطبوغرافية جبلية ممتدة عملت على إضعاف الحكومة المركزية وبالتالي دعمت أهمية النظام القبلي والجماعات الانفصالية.

إدماج الشمال الإفريقي في أوروبا

كما يطرح كابلان العديد من الأفكار المثيرة للجدل في كتابه، فمثلا يقول إن “الحدود الجنوبية الحقيقية لأوروبا هي الصحراء الكبرى وليس البحر المتوسط”، ومن ثم يتوقع أن يؤدي ما يوصف بالربيع العربي في المنطقة الممتدة من المغرب إلى مصر إلى إعادة إدماجها في أوروبا في المدى البعيد حسب تعبيره، ومعنى ذلك أن دول الشمال الأفريقي من مصر إلى المغرب كما يقول في نهاية المطاف سوف يعاد دمجها في الخريطة الأوروبية، فهل هذا موقف يرتكز إلى أسس علمية أم أنه يرتكز إلى أسس أيديولوجية بالنسبة لكابلان وأمثاله الذين ربما ينظرون إلى العالم من منظور أميركي أو أوروبي يختلف عن المنظور العربي الإسلامي؟

ويدافع تشارلز كابتشن من مجلس العلاقات الخارجية الأميركية وأستاذ جورج تاون الذي خدم في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، عن بعض أفكار كابلان ويقول إن أفكار هذا الأخير “حتمية” إلى حد بعيد في قوله بأن الجغرافيا هي التي تتحكم وتقرر النتائج مقدما، ويقر بفكرة أن يكون شمال أفريقيا أكثر ارتباطا بأوروبا، وذلك لأن للاتحاد الأوروبي علائق اقتصادية ومؤسساتية متزايدة هناك.

والحقيقة أن كابلان ليس الأول وحتما لن يكون الأخير في الاعتقاد بربط جنوب أوروبا بشمال إفريقيا، وأن هذه المنطقة العربية سيعاد إدماجها بشكل أو بآخر بأوروبا، لأنه تاريخيا جنوب المتوسط الأوروبي كان يتحكم في الشمال الإفريقي ،وهو الأمر الذي قد يبدو على أنه اجترار لفكر استعماري جرب في فترة ما وفشل بحكم مقاومة شعوب الشمال الإفريقي خاصة الجزائر للحملات الأوروبية التي تعرضت لها.

نزاع أمريكي صيني

وفي الباب الأخير من كتاب “انتقام الجغرافيا” وهو يضم فصلا واحدا هو الرابع عشر من فصول هذا الكتاب يخص المؤلف بالاهتمام ما يصفه بأنه مستقبل أو مصير أميركا وهو يطل كذلك على هذا المستقبل أو المصير من منظور العامل الجغرافي الذي يعتمده.

ويتوقع الكاتب صراعات أو نزاعات تشتبك فيها أميركا سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، و يتوقع أن تدخل أميركا في نزاع يصفه بأنه “معنوي” أو “أدبي” أو “أخلاقي” بصورة أو بأخرى مع الصين ؟ لأن الصين في تصور مؤلفنا- لا تستطيع أن تطعم سوى نسبة 23%من سكانها ومن واقع رقعة من الأرض لا تزيد مساحتها المزروعة على 7%، وهو ما يدفع الصين بالضرورة إلى أن تلتمس موارد وإمكانات من خارج حدودها ، فإذا بها تستمد موارد الطاقة والمعادن والغذاء من نظم وحشية للحكم في أقطار من قبيل بورما أو زمبابوي أو غيرها، وهو ما يزج بها في ذلك النزاع المعنوي مع الولايات المتحدة ،التي يؤكد كابلان أن بات من واجبها التركيز في سياساتها الخارجية، لا على الشرق الأوسط وعلى الصراعات المندلعة في مواقع مثل أفغانستان ، أو باكستان أو العراق، كما أن على أميركا ،كما يصر كابلان، أن تتطلع إلى حيث حدودها في الجنوب إلى ما يدور أساسا في ربوع المكسيك التي يصفها بأنها بلد أصبح على حافة الخطر، حيث يوشك بأن يصبح دولة شبه فاشلة بسبب ما يقع على أرضه من مصادمات بل ومجازر على يد عصابات (كارتلات) تجارة وتهريب المخدرات.

فن الجوار و محو الأمية الجغرافية

لا يمكن الحديث عن انتقام الجغرافيا في تحليل أفكار كابلان دون الحديث عن “الجوار”، وهو مصطلح تعرفه الفيلسوفة وعالمة النفس الفرنسية هيلين هويي بأنه “ارتباط مكان” وهي بذلك تختزل معظم التعقيدات الاجتماعية التي يستوعبها التعايش الاجتماعي ضمن الفضاء الذي يتكفل به، الأمر الذي يرفضه الفيلسوف والناقد الفرنسي جيل دولوز ويربطه بفكرة المصير وبطريقة حدسه واستشرافه، ويقول دولوز الذي يقترب كثيرا من أفكار كابلان في الدفاع عن الجغرافيا أنه “يجب أن يكف الجوار الجغرافي عن أن يكون مجرد تماس طبيعي ليتحول إلى رؤية للمحيط الجغرافي وإلى تصور للعلاقات الإقليمية. فالجوار ليس معطى مكانياً فقط، وإنما هو ثقافة ينبغي أن ترتقي إلى ضرب من التكامل الثقافي على أساس التزامن التاريخي”.

ويضيف دولوز أن فن الجيرة الجغرافية – كما يسميه-  ليس مجرد تلاصق جغرافي؛ بل هو، بالأساس، ضرب من الزمنية، والاشتراك في منظومة قيم تحفظ حقوق الجيران دون أن تطمس اختلافاتهم. ذلك أنّ الجغرافيا، ولئن كانت مكاناً، فإنّها في الوقت نفسه زمان، أي سياق تاريخي”. ويؤكد دولوز بأن “المصير جغرافي”، أي أن ما يؤثر في التحول تاريخيا هو التبدل الجغرافي.

ولذلك قد يكون العرب مدعويين، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بعد فشل كل مشاريعهم التكاملية تحت مسمياتها المختلفة، وعامل التجزئة والتقسيم الذي صار يهددهم في الوقت الراهن، إلى محو أميتهم الجغرافية والاشتغال أكثر على مفهوم الجوار ضمن تجمعاتهم الإقليمية  شريطة أن يكون هذا الاشتغال مستندا إلى تمحيص فلسفي لمفهوم الجوار بحسب ما تقتضيه مناهج الفكر السّياسيّ دون الاكتفاء بالقرار السّياسي الذي إمّا أنّه يكتفي ببداهة الجغرافيا أو يحوّلها إلى مناورة سياسية ضد جيرانه.

العولمة وسور برلين

انتقام الجغرافيا” في عمومه كتاب شيق خاصة في طرحة لفكرة أهمية التضاريس الجغرافية في تشكيل الوعي الاجتماعي باتجاه الانسجام مع الحواجز الجغرافية في كينونة التجمعات البشرية. وقد برهن كابلان في هذا الكتاب – بما لا يدع مجالا للشك-  و بالشواهد الواقعية كيف أن تحطيم سور برلين كان استجابة لوحدة ألمانيا الجغرافية بينما عجزت السياسات عن فصل الوحدة الاجتماعية بين الباكستان وأفغانستان التي تحفظ بنيتها الجبال الشاهقة رغم الفصل بينهما سياسيا.

كما برهن أننا نسينا العوائق الطبيعية التي لازالت تحيط بنا وتقسمنا،و أن العولمة ليست نظاما يضمن السلام والأمن الدولي، بل هي مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية للتنمية.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018