فكر

“صفقة القرن”..أم صفقة لم يشهدها حاطب؟

11 يوليو, 2018

6
مشاركة

اعتادت الإدارة الأمريكية في تعاملها السياسي والاستراتيجي مع قضايا الشرق الأوسط ومع غيره على بث صور مشفرة ومصطلحات متناقضة، من قبيل “القوة الناعمة” و”القوة الذكية” و”صراع الحضارات” و”نهاية التاريخ”..ومنذ فترة بدأ الحديث يتزايد عن “صفقة القرن” وهي مشروع تسوية جديد تعده واشنطن يفترض أنه سيقدم حلولا للمسألة الفلسطينية.

 

حتى الآن لم تقدم الإدارة الأمريكية أي تصور واضح ومعلن عن هذه الصفقة، وكل ما يكتب ويقال يقع تحت طائلة “الغموض المثير”المبني على سياسة التسريبات التي تبدو أقرب إلى “بالونات اختبار” لاستكشاف ردود الفعل المحتملة، منها إلى محاولة تصحيح الأخطاء ومعالجة مواقع القصور التي قد تشوب هذه الصفقة، والتي في كل الأحوال، لا يمكن وصفها بأنها صفقة بين طرفين متكافئين يحتكمان لميزان قوى ثابت ومعتدل، وإنما هي محاولة جديدة لفرض نموذج تسوية جديد على الطرف الفلسطيني لا يضع في الاعتبار إلا عاملا واحدا فقط هو اختلال ميزان القوى بين الطرفين منذ أن “تخلى” الفلسطينيون عن نهج النضال المسلح و “اختاروا” مسار التسوية الطويل الذي لا هو بدأ ولا هو انتهى.

الحرب لا تُخاض بقفازات بيضاء

في عام 1965عندما قام الزعيم الفلسطيني أحمد الشقيري بزيارة إلى الصين، بصفته رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو مؤسسها وأول  من ترأسها، التقى برئيسها آنذاك الزعيم ماو تسي تونغ في محاولة للاستفادة من تجربة الصين النضالية، فطلب ماو من الفلسطينيين حفر خنادق على طول الحدود مع إسرائيل والبدء مباشرة في مطاردةالعدو.

وعندما أخبره الشقيري، الذي ارتبط اسمه بتكوين جيش التحرير الفلسطيني والدعوة إلى الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لحل القضية الفلسطينية، بأن الوضع في الداخل الفلسطيني مختلف وأن الجيش الإسرائيلي لديه أسلحة ثقيلة وطائرات، فتساءل ماو : لماذا لا تستهدفون طائراتهم وتسقطونها؟، وعندما حاول الشقيري أن يشرح لماو تسي تونغ أن المعركة غير متكافئة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، قاطعه ماو معترضا: “يا سيدي الكريم الحرب لا تُخاض بقفازات بيضاء. الصين أيضا لم يكن لديها طائرات ولا أسلحة لحماية المقاتلين في الخنادق”.

ثم أضاف “الإمبريالية تهاب الصين والعرب، إسرائيل وجمهورية فوروموزا تشكّلان قواعد الإمبريالية في آسيا. أنتم البوابة الأمامية للقارة، ونحن الخلف. هدفهم واحد…آسيا أكبر قارة في العالم، ويريد الغرب استغلالها…صراع العرب ضدّ الغرب هو الصراع ضدّ إسرائيل. وبالتالي، أيها العرب، قاطعوا أوروبا وأمريكا!”.

ثم توقف فجأة عن الكلام ونظر الى الشقيري وأعضاء وفده نظرة معبرة، ثم أكمل: “أتذكر جيدا أن وفداً من جيش التحرير الجزائري زارني ليطلب مني ما تطلبونه أنتم من نصائح وإرشادات. وقلت لأعضاء الوفد إنه ليست هناك وصفة سحرية يمكن استعمالها لربح الحرب سوى التضحية بالنفس. وفي نهاية الأمر، خسر الجزائريون مليون قتيل، ولكنهم عبّدوا طريق الاستقلال..”.

وقبل أن يغادر الشقيري مجلس ماو طلب منه تزويد الوفد  الفلسطيني ببعض المؤلفات عن “مسيرة الألف ميل” حتى يقتدي بها المناضلون الفلسطينيون، فما كان من الزعيم الصيني إلا أن نصحه قبل أن يأمر بتلبية طلبه، قائلا: حذار من تكديس الكتب أمام أعين المجاهدين، لأن ذلك الجدار الثقافي يحجب عنهم رؤية الحرب على حقيقتها القاسية”.

الحقيقة أن ما قاله ماو للشقيري لم يكن موقفا ماوياً فحسب بل كان نهجا سياسيا وثقافيا صينيا، ربما صنعته العقيدة “العالم ثالثية” التي كانت سائدة آنذاك مع انتشار الثورات وحركات التحرر والانقلابات في العالم الجنوبي بين الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، ولكن للأسف الشديد، ولاعتبارات عديدة لا يتسع المجال لذكرها، لم تستفد منه بعض الحركات وفي مقدمتها منظمة التحرير. لقد كان زو إينلاي، أحد أهم قادة الحزب الشيوعي الصيني في منتصف الستينات، يقول للعرب بالحرف الواحد: “نحن على كامل الاستعداد لمساعدتكم في استرداد فلسطين. قولوا لنا عندما تكونوا جاهزين، وستجدوننا مستعدين. سنمنحكم أي شيء وكل شيء، من المتطوعين للأسلحة”.

ولكن في النهاية يبدو أن الفلسطينيين ومن ورائهم العرب، لم يأخذوا تحذيريرات ماو على محمل الجد ولجؤوا إلى “تكديس الكتب أمام أعين المجاهدين”، وإلى الإمعان في التدقيق والتمحيص والإبداع في شرح وتفسير مشاريع التسوية التي تهاطلت ولا زالت تتهاطل على العرب والفلسطينيين من جانب، والتي ألغت في النهاية “ثقافة النضال والصراع” وصنعت “ثقافة التسوية”.

الدويلة في غزة والعاصمة في “أبو ديس”

آخر فصول هذه التسوية ما اصطلح على تسميته بـ”صفقة القرن”، ويقول المثل العربي “صفقة لم يشهدها حاطب” ،الذي يُضرب لمن يقضي أمرا ليس عن يد أربابه. ولا أحد يعتقد أن صفقة القرن هذه ،التي تتكشف تفاصيلها يوما بعد يوم، ستعقد على يد أربابها. فأول من يراهن عليها هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وآخر ما ظهر منها وجود “دعم عربي” لخطة إعادة تنظيم قطاع غزة، بوصفها أولى مراحل تنفيذ الصفقة.

صحيفة “يسرائيل اليوم”، تقول نقلاً عن كبار الدبلوماسيين العرب المنخرطين في الصفقة، أن الرئيس الأميركي “يعمل على حل مشكلة غزة، باعتبارها المرحلة الأولى من خطة السلام”. وأرجع الدبلوماسيون العرب السبب في ذلك إلى إصرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس على عدم التعاون مع إدارة ترمب في المضي قدما نحو تنفيذ الصفقة. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أردني، أن جاريد كوشنر صهر ترامب، والمبعوث الأميركي للمنطقة جيسون غرينبلات، “عرضا على رئيس مصر وملك الأردن ومسؤولين سعوديين وعرب النقاط الرئيسية في الصفقة”.

ونقلت عدة  مصادر أن الإدارة الأمريكية حددت بعض النقاط قبل الإعلان الرسمي والنهائي عن الصفقة وهي كالآتي:

– ستقام دولة فلسطينية ذات سيادة محدودة على نصف الضفة الغربية وعلى كل قطاع غزة، وقد تشمل أجزاء من سيناء.

– تحتفظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية لمعظم ارجاء الضفة الغربية ولكل معابر الحدود.

– سيبقى غور الأردن تحت السيادة الإسرائيلية والسيطرة العسكرية.

– تنضم الأحياء العربية في القدس الشرقية إلى الدولة الفلسطينية، باستثناء البلدة القديمة، التي ستكون جزءًا من “القدس الإسرائيلية”.

– “أبو ديس” هي العاصمة المقترحة لفلسطين.

– سيتم دمج غزة في الدولة الفلسطينية الجديدة بشرط موافقة حماس على نزع السلاح.

– لا تتطرق الخطة إلى اللاجئين الفلسطينيين، ولكن سيتم إنشاء آلية تعويض وإدارة من قبل المجتمع الدولي.

– تنص خطة ترامب على الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي، وفلسطين بسيادة محدودة كوطن للفلسطينيين.

– ستتشارك فلسطين والأردن المسؤولية الدينية عن الأماكن الإسلامية المقدسة في مدينة القدس.

– تبدأ الصفقة بوضع خطة اقتصادية لإعادة إعمار قطاع غزة، بتنفيذ سلسلة من المشاريع الاقتصادية وخطط الطوارئ لإعادة إعمار القطاع الذي تدمرت مساحات كبيرة منه بسبب الحروب الإسرائيلية الثلاثة على غزة خلال أعوام 2008 و2012 و2014.

– إعادة الإعمار ستجري بدعم وتمويل من المنظمات الدولية والمجتمع الدولي، فضلاً عن إمكانية دخول السلع إلى غزة.

ويبدو أن كوشنر وغرينبلات حصلا على دعم الدول العربية المعتدلة ،لتحريك عملية السلام، حتى دون موافقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الفلسطينية في رام الله. وتقول مصادر أن أبومازن  يسعى إلى تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، بالاتفاق مع جميع الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة حماس، وتكون حكومة وحدة وطنية مهمتها توحيد المؤسسات والتحضير لانتخابات عامة قريبة. وهو الأمر الذي قد يقطع الطريق على أي محاولات لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، تحت مسمى “صفقة القرن” أو صفقات إنسانية أو أي مسميات.

البديل الصيني

وبالعودة إلى العلاقات الصينية الفلسطينية، وبحكم انخراط الطرف الفلسطيني في مشاريع التسوية،لا تزال بكين تتعامل مع القضية الفسطينية بما يتيح لها على الأقل التواجد على الساحة الدولية السياسية. وفي هذا الشأن طرحت الصين مبادرة قد تفتح الطريق أمام حل دولي متعدد الأطراف، لم تتردد السلطة الفلسطينية في قبولها والترحيب بها كبديل صيني لصفقة القرن، التي تقول السلطة الفلسطينية أنها أنهارت عمليا بسبب الرفض الفلسطيني والعربي والدولي لها.

وتتضمن المبادرة الصينية البنود التالية:

– ترسيخ حل الدولتين على أساس حدود 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية جديدة.

– دعم مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام” الذي ينهي فورا بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويتضمن تطبيق تدابير فورية لمنع العنف ضد المدنيين، ويدعو إلى الاستئناف المبكر لمحادثات السلام.

– تنسيق الجهود الدولية لوضع “تدابير تعزيز السلام تستتبع مشاركة مشتركة في وقت مبكر”.

– تعزيز السلام من خلال التنمية والتعاون بين الفلسطينيين وإسرائيل.

بالمقابل تبدو صفقة القرن صفقة غامضة وسرية ومريبة في كل الحالات ، ومن حين لآخر، تتسرب معلومات خطيرة عنها من قبيل موافقة عواصم عربية على التنازل عن القدس وتعويض اللاجئين عن حق العودة وإقامة دولة فلسطينية مقطعة الأوصال تتضمن طرح المشروع الصهيوني القديم بإعادة توطين جزء من الشعب الفلسطيني في سيناء بعد موافقة مصر التي يفترض أن تنقل إلى غزّة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومترا تضافعف بها حجم قطاع غزة ثلاث مرات. وهذه المساحة التي توازي حوالى اقتطاع  12% من أراضي الضفة الغربية سيتنازل عنها الفلسطينيون وستضمّها إسرائيل إليها في الضفة.

بغض النظر عما إذا كانت هذه المسائل السرية حقيقية أم مجرد أوراق ضغط  أمريكية وإسرائيلية على الأطراف العربية والفلسطينية ،فإن صفقة ،القرن إن تمت، ستتم على حساب المقاومة وسلاح المقاومة في غزة، وعلى حساب الدول العربية الرافضة لنهج التسوية أو ما تبقى منها على الأقل، بل إنها ربما قد تتم أصلا بعيدا عن أيدي السلطة الفلسطينية الممثل الرسمي للطرف الفلسطيني حاليا…وبذلك ستكون هذه الصفقة فعليا صفقة لم يشهدها حاطب.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018