كتب

قراءة في كتاب “التفسير السياسي للقرآن : دراسة في المبادئ المعرفية”

14 Nov, 2018

13
مشاركة

القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، وكلما ازداد العالم تبحرا في معانيه كلما ازداد علما بجهله عن إدراكها، والنص بقائله، فعلى قدر عظمة الخالق سبحانه، تأتي عظمة كتابه، فهو ليس كمثله شيء، وإذا كان القرآن الكريم يتحدث عن الكون والخلق والمصير، ويصوغ رؤية المسلم نحوها، أيعحز هذا النص المُعجز أن يتناول شأن السياسة والإدارة والحكم وتنظيم المجتمع!

ومع ذلك فإن كانت هناك علمانية تعادي الدين، فهناك أيضا علمانية دينية تنظر إلى الكتاب المبين، وكأنه كتاب للموتى لا يُقرأ إلا على الأموات لتسكن أرواحهم المضطربة، وهؤلاء لا يقرؤون القرآن ليهتدوا به، ويبحثوا في آياته عن أنفسهم وعن الكون، ولكنه يعتبرون آياته البينات الهاديات مغنما للحسنات فقط دون أن يبصروا عظمة الكتاب.

والسياسة وما يرتبط بها من علوم وممارسات تدخل في صميم حياة الناس، بل إنها في كثير من الأحيان مسئولة عن أخلاقهم، فالنظم السياسية التي تُعنى بحقوق الإنسان تجد فيها ميزان العدل مبسوطا للجميع، ينام فيه المواطن لا يخشى أن تنتهب حقوقه، أو يُعتدى على كرامته، وليس معقولا أن يترك القرآن هذا الشأن بلا رؤية ولا معالم تهدي المجتمعات إلى الطريق القويم، وما قصة فرعون في القرآن التي استغرقت الكثير من سوره وآياته إلا تبيان لطبائع الاستبداد وقدرتها على تغيير طبيعة البشر، وما قصة ملكة سبأ التي ساست قومها وجنبتهم ويلات الحروب، ثم أخذت بهم إلى طريق الهداية إلا سياسة راشدة.

وفي محاولا للاقتراب من الطريق الذي ندر سالكوه، وهو العلاقة بين القرآن والسياسة، يأتي كتاب “التفسير السياسي للقرآن: دراسة في المبادئ المعرفية”، تأليف أبو الحسن حسني، وآخرون، والصادر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، في بيروت، في طبعته الأولى 2018، في 196 صفحة، والكتاب يحوي خمس دراسات صدرت بالفارسية، تُعنى الأولى بتعريف المصطلح، ثم جاءت الدراسات الأربع الأخرى لبيان المبادئ الأولية لهذا التفسير.

في البدء يجب التأكيد على أن القرآن الكريم هو الأساس والأصل المرجعي الذي ينبغي أن يقوم عليه الفكر الإسلامي في شتى علومه، وأن البعد الاجتماعي هو بعد أصيل في الإسلام، والسياسة أحد أبعاد الإنسان ، ومعاني القرآن عظيمة تحتاج إلى تكوين معرفي وشخصي لإدراكها وفهمها، فالتفقه في القرآن يستلزم طهارة النفس من الرذائل، مع الإيمان بعظمة الكتاب، وكلما خاض المفسر في التفسير الموضوعي كلما احتاج إلى مقدمات معرفية أكثر تخصصية.

وإذا كان والتفسير هو فهم مراد المتكلم الذي يمكن الحصول عليه على نحو من الإجمال وفقا للقواعد، فإن التفسير السياسي هو بيان معاني القرآن الكريم ومفاهيمه وتعاليمه السياسية، ويتطلب التفسير السياسي إدراك ثلاثة أمور هي: التوحيد، والمعرفة الكونية، ومعرفة الإنسان، فالنظام الاجتماعي المبني على التعاليم الدينية منسجم مع إنسانية الإنسان، فهو يُؤمن له سعادته، ويعتبر أصل الفطرة أهم أركان معرفة الإنسان في القرآن، والفطرة يمكن من خلالها معرفة الحسن والقبيح، أما الصفات السيئة التي ذكرت في القرآن في حق الإنسان فهي نتيجة لمخالفة الفطرة، وليست الفطرة التي خُلق الإنسان عليها، والعقل هو أهم الخصائص المعرفية في وجود الإنسان، ومن ثم يصبح الكتاب، الفطرة، والعقل، أهم دعائم المعرفة التي يحتاج إليها الإنسان في الحياة السياسية.

المفاهيم المفتاحية

إذا كان الإنسان مدني بطبعه، وله حقوق في حياته، وله حدود في حياته الاجتماعية يجب ألا يتخطاها، فإن هذه الأمور تحتاج إلى هيكل اجتماعي ينظمها، والسياسة أحد وجوه حياة الإنسان الاجتماعية للرقابة الفاعلة على جودة الأنسجة الاجتماعية، وحفظها، ويأتي في مقدمة المفاهيم المفتاحية للسياسة في القرآن :

– مفهوم العزة: وهم من أهم المفاهيم، والعزة في اللغة تدل على الصلابة وعدم الاختراق، وهو ما يعني أن تكون تلك الأمة عصية على الانكسار، وترفض المذلة، وهو مفهوم للأمم المتحضرة التي تستشعر دورها في التاريخ، وقيمتها في الوجود، وهو مفهوم يتجاوز مفهوم القوة بكثير، وتحقيق العزة يعني: أن يتقاطع المواطن مع السلطة في المفهوم، وأن يعتقد الإنسان أن السلطة منبثقة منه وتعبر عنه، وبالتالي تصبح أحد المفاهيم الضرورية لتشكيل الهوية السياسية.

القسط والعدل: والعدل في استعمالاته يعني الوسطية بين التفريط والإفراط في الحق والتكليف، والعدالة ضرورية في الميدان الاجتماعي لبقاء المجتمع السياسي، فهو مفهوم ديني وسياسي، لذا تكرر ذكره في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، فقال تعالى “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” (النحل :90) ومعنى الأمر ضرورة أن ينشيء المجتمع جهاز مستقلا يحقق هذه القيمة الجوهرية في الرؤية القرآنية.

أما القسط فهو أن يتحول العدل إلى شيء واضح، لذا جاء استعماله مع من غير المسلمين، وكذلك في الميزان والمكيال، حيث يصبح القسط هو التجسيد الفعلي للعدل، ويرى البعض أن القسط أعلى من العدل، فهو يعني رفع الظلم القائم، ورفع الظلم السابق، ويرى آخرون أن القسط شدة تحري الدقة في تطبيق العدل، والحيلولة دون وقوع ظلم محتمل، وأيا كانت الاختلافات، فتظل القيمتان العدل والقسط هما الميزان التي تحفظ المجتمعات من الخلل والاختلال، وتحفظ العلاقات الدولية من تفشي الظلم والعدوان.

– ضرورة الولاية : فلابد للمجتمع من سلطة سياسية، تأخذ بزمامه وتقوده بعيدا عن حالة الفوضى والبدائية، والسلطة في الرؤية الإسلامية أمانة ووديعة، وليست امتيازا يعطي لفرد أو طبقة، وعلى هذا يتضح مبدأ أن الشعب يجب أن يكون شريكا في مكاسب السلطة، وشريكا في وضع السياسات العامة في الدولة والمجتمع، فلا يجب أن ينتقص قدر المواطن بدءا من الاستشارة في صناعة القرار، مرورا بالاشتراك في التنفيذ وكذلك الرقابة على السلطة.

– المؤمن والكافر والمنافق: وهي فئات تحدث عنها القرآن الكريم لشخصية الإنسان، وموقفه من الحق، وهذا التقسيم له تداعياته وآثاره في عالم السياسة.

المصلحة والمفسدة: وفي الرؤية الشرعية فإن أساس المفاسد والمصالح رؤية واقعية، وأن مصالح الإنسان لا تقتصر على هذه الدنيا فقط، بل تتعداها إلى الدار الآخرة، ويصبح معيار المفسدة والمصلحة أساسا لتقييم السلوك الإنساني، وممارسة السلطة، أي معيارا يصلح للفرد والمجتمع والسلطة، وتصبح السياسة هنا هي التي تحدد وتشخص المصلحة والمفسدة وفقا لتعاليم الكتاب.

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018