فكر, كتب

حول كتاب “الأزمة الدستورية” للدكتور محمد المختار الشنقيطي

20 يناير, 2019

23
مشاركة
حول كتاب “الأزمة الدستورية” للدكتور محمد المختار الشنقيطي,

يعد هذا الكتاب في اعتقادي من أفضل الكتب التي كُتبت في الفكر السياسي الإسلامي في الآونة الأخيرة، إن لم يكن أفضلها على الإطلاق. أنفق الباحث جهدًا كبيرًا في بناء أفكار هذا الكتاب وبرهنتها حتى أمكن القول إنه كتاب “مركزي” في دائرة المعرفة السياسية الإسلامية، ولم يكن ذلك ممكنًا في حقه لولا أنه صاحب اطلاع موسوعي متمكن من التعامل مع التخصصات المختلفة منهجيًا وموضوعيًا.

كما أن الدكتور الشنقيطي كان واضحًا في التعبير عن أفكاره، واضحًا في أسلوبه حيث لم يكن يهمه التعقيدات اللفظية والتراكيبية التي أصبحت للأسف مسيطرة على أساليب المؤلفين المعاصرين، كما أنه كان واضحًا في التعبير عن مواقفه، خلافًا للمثقفين الجبناء الذين يتلاعبون بالألفاظ خوفًا من أن يرى القارئ أفكارهم رأي العين.

كما أن كتاب الدكتور الشنقيطي امتاز بالرجوع إلى المصادر الأصلية في كل المجالات التي خاض فيها، فهو إن تحدث في علوم الشريعة ذهب يحاور الشرعيين أنفسهم، وإن ذهب ينتقد الفلاسفة كان ناقلاً منهم لا عنهم، فعلى الرغم من أنه تحدث في الأصول والفقه والتاريخ والحديث واللغة والفلسفة فإنه لم يتحدث في أي مجال من هذه المجالات من وراء جُدُر الناقلين، بل كان رجّاعًا مباشرةً إلى أصحاب الأفكار أنفسهم.

وهذا وإن كان يبدو ثناءً على ما يفترض أن يكون بدهيًا، لكن الحقيقة كثرة الكتابات المعاصرة التي تضرب بالأصالة عرض الحائط جعلت الثناء على الأصالة البحثية أمرًا متعينًا، فهناك أسماء كبيرة في العالم العربي لا تعرف أن تتعامل مع المصادر الأصلية، فينقل الأحكام الحديثية عن المؤرخين، وينقل آراء الفقهاء من ناقديهم، وينقل أفكار الفلاسفة من كتب المداخل والمقدمات الفلسفية.

أما ما يتعلق بنقد الكتاب، فأختصر نقدي في ثلاثة أمور:

أولاً: في ندرة التأصيل القرآني للمواقف الشرعية في المفاهيم والموضوعات السياسية، فقد كانت الروايات النبوية تؤدي دور المركز في صناعة الموقف الشرعي لا باعتبارها بيانًا للنص القرآني وتجسيدًا له، بل باعتبارها بديلاً.

ثانيًا: لا يوجد توازن في مقدمات الأفكار ونتائجها، فالدكتور قد يستند إلى مقدمة ظنية ويبني عليها نتيجة قطعية، دون أن يبيّن المسوغ المنهجي لهذه القفزة، ويبدو هذا الأمر في مواطن عديدة، منها فكرة التأمر عن غير أمير، ووجوب التمثيل السياسي.

وأنا هنا لا أتحدث عن مستوى ثبوت الفكرة، وإنما أتحدث عن آلية ثبوتها، أي أن آلية الثبوت لا تفيد القطع.

ثالثًا: أحد أهم أفكار الكتاب تتمثل في القيم السياسية التي قسمها الدكتور إلى قيم بناء وقيم أداء، لكن لم يحدد أي معيار موضوعي من خلاله يتمايز مفهوم القيمة عن غيره من المفاهيم، أي ما العناصر التي يجب توافرها ليكون الشيء قيمةً؟ هذا السؤال جوهري ومركزي في تحديد ما إذا كان الشيء قيمةً أم لا، لا سيما أنَّ الباحث ذكر أنه خالف كل من سبقوه في تحديد الحجم الكمي للقيم، وأنَّ أكثر حصر تمَّ من الباحثين السابقين لم يتجاوزوا إحدى عشر، في حين أوصلها الباحث إلى ثلاثين قيمةً، ومع وجود هذه القفزة الكبيرة في حصر القيم، فإنَّ الدكتور الشنقيطي لم يوضح المسوّغ المنهجي الذي سوّغ هذه القفزة.

لكن نظرة سريعة على القيم الثلاثين التي ذكرها الباحث سنجد أن هذه القفزة الكمية لم تكن لتأتي لولا حصول تنازل منهجي يتجسد في تحديد الجانب المعياري في القيمة. فالباحث لم يعرّف القيمة فضلاً عن أن يحدد معاييرها، وهذا التغييب للجانب المنهجي هو الذي سمح في تضخّم الجانب الكمّي لأنَّ القيم التي تمت إضافتها لم تخضع لأي مساءلة منهجية.

وترتب على غيار المعيار المنهجي في تحديد مدلول القيمة أن الباحث وسّع دائرة مفهوم القيم لتشمل حتى الجانب الإجرائي باعتراف الباحث نفسه، فمثلاً وضع الباحث من قيم البناء البيعة، ومعروف أن البيعة عملية إجرائية وليست قيمة، هي نابعةٌ من قيمة الشورى، والبيعة تجسيد إجرائي لقيمة الشورى، لكنه جعل هذا الشأن الإجرائي نفسه قيمةً بحد ذاته، ولنا أن نسأل: إذا كانت البيعة نفسها قيمة، فما الإجراء الذي يجسّدها إذن؟ والمفارقة أن الدكتور الشنقيطي نفسه ذكر أن البيعة هي “تعبير إجرائي”.

وترتب على ذلك كذلك أنَّه جعل الأحكام الجزئية قيمًا، فمثلاً ذكر الباحث أنَّ أولى القيم السياسية هي “وجوب السلطة السياسية” وهذه لا يمكن أن تكون قيمة؛ لأنها حكم جزئي في مسألة جزئية، ولا يوجد لها مصاديق أخرى. فالقيمة يجب أن تكون كلية، ومسألة وجوب السلطة ليس لها توظيف متعدد يمنحها البعد الكلي، وإنما هي تجسيد لقيم أخرى، مثل قيمة الأمن، وقيمة العدل، وغيرها.

كما أنه جعل مسألة “منع الإكراه في الدين” من القيم السياسية، ومعلوم أن هذا حكم شرعي يجسّد قيمة كلية وهي قيمة الحرية، فمنع الإكراه ليس قيمة بل تجسيدًا لقيمة. وكذلك قضية “منع الاحتجاب عن الرعية” هذه مسائل إجرائية تعكس قيمًا أخرى مثل الشفافية والمساواة أمام القانون.

الشاهد أن كثيرًا من القضايا الجزئية والإجرائية تحولت إلى قيم لا لامتلاكها خصائص القيمة، بل لأن باب الدخول إلى عالم القيم مفتوح ولا توجد أي قيود منهجية عليه.

ولذلك كان يستطيع الدكتور الشنقيطي أن يتخلص من كل هذه الإشكالات لو أنه التزم بمعيار القيمة الواضح، ثم جعل هذه القضايا -منع الرشوة، وجوب السلطة، البيعة- تجسيدات عملية لكل تلك القيم، مثلا من القيم عدم الركون إلى الظالمين، يترتب عليها الأخذ بيد الظالم، الشورى يترتب عليها البيعة، هكذا أفضل.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 17/2019