وجهات نظر

الأزمة في مصر: وادي التكنولوجيا في السويس أم الدستور والمرشد؟

31 يناير, 2013

0
مشاركة

قبل حوالي شهرين من الآن، تواردت الأنباء في وسائل الإعلام حول دور ماليزي مرتقب للمساهمة في تنفيذ مشروع (وادي التكنولوجيا) في الإسماعيلية. لم ننظر للخبر حينها إلا كجزء من العلاقات التقليدية بين القاهرة وكوالالمبور، إذ أن التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة في تزايد منتظم. بعد فترة وجيزة تواردت أنباء عن استعداد تركي للمساهمة في ذات المشروع، وهو ما استدعى البحث في ماهية هذا المشروع الذي يحتاج إلى مساندة من كبرى الدول الإسلامية، وقد كانت المفاجأة حين حصلتُ على الملف الكامل للمشروع من السفارة المصرية في كوالالمبور، فوادي التكنولوجيا ليس مجرد مشروع استثماري ضخم، وإنما يرقى ليكون بداية عملية في تحول أنماط الحياة الاستثمارية، وميلاداً لسلوك اقتصادي واجتماعي يتماشى مع أهداف الاستقلالية واسترداد الثقل الإقليمي بل الدولي لجمهورية مصر.

باختصار، فإن المشروع سيستغل ما مساحته 16500 كم2 ضمن موقع استراتيجي، إذ أنّه لا يبعد سوى 10 كم عن قناة السويس ومدينة الإسماعيلية وتتوفر فيه شبكة من الطرق المعبّدة ويقرب من الطرق البحرية. وسيشمل المشروع العديد من الصناعات مثل الطاقة النظيفة والمتجددة والصناعات الدوائية والإلكترونية والاتصالات والصناعات البيوتكنولوجية، بالإضافة إلى المشاريع السياحية الضخمة، وتقديمه للخدمات اللوجستية لحركة النقل البحري العابرة للسويس. لكن ما هو موقع (وادي التكنولوجيا) مما يجري في مصر حالياً؟

الإجابة وبشكل محدد، تتضح في الآتي:

أولاً: نوعية المنتجات التي من المفترض أن يقدمها المشروع لا يوجد لها منافس إقليمي، وخصوصاً في مجال الطاقة النظيفة، وهو ما يعني الاستغناء مستقبلاً عن المنتج الغربي، وهذا لا يعني إغلاق السوق المصرية فقط في وجه المنتج الغربي وإنما سيمتد لأن تكون الأسواق التقليدية لأوروبا وأميركا والصين سوقاً للمنتج المصري. وما يزيد من حجم التخوفات غير المعلنة والمترجمة إلى دعم حالة العنف في مصر هو استعانة مصر بدول إسلامية رائدة في المجال الاقتصادي، بما يعكس الإرادة المصرية في إقامة اقتصاد قائم على علاقات نفعية متبادلة ليس لها مردود عكسي على استقلالية القرار المصري.

ثانياً: إن جزءا مما يكبّل صانع القرار المصري في اتخاذ قرارات حاسمة على الصعيد الدولي هو حاجته لتوريد الأيدي العاملة لكثير من دول الإقليم وخصوصاً النفطية، وبالرغم من أن هذه الدول تظهر مسألة الاستعانة بالعمالة المصرية كجزء من (الإحسان) لمصر، إلا أنها كبنية اقتصادية قائمة على العمالة الوافدة تستفيد بشكل كبير من العمالة المصرية ذات التكلفة القليلة، وما يميزها عن العمالة الآسيوية الرخيصة أنها عربية الثقافة والسلوك بما يعنيه من تقليل للمشاكل الاجتماعية الناجمة عن العمالة غير العربية. إضافة لذلك فإن بعض هذه الدول تتخذ من العمالة المصرية لديها ورقة ضغط على مصر وهو ما أعطى بعض هذه الدول مكانة أكبر مما تستحق وحرم مصر من دور ريادي مفترض.

في هذا المشروع سيتاح للحكومة المصرية أن تعلن عن ملايين فرص العمل، جزء منها في المشاريع الإنتاجية التي سيضمها وادي التكنولوجيا، وجزء آخر في الأعمال التكميلية تجارياً وإدارياً وأمنياً، بالإضافة إلى شواغر أخرى ستتطلبها إعادة تسكين العمالة المحلية في مناطق قريبة من المشروع، في المجالات الطبية والتعليمية والخدمية. وهو ما يعني تراجعاً في نسبة العمالة المصدرة للخارج، وإنعاشاً للمناطق المكتظة بالسكان في المدن الرئيسية. أي أن الاستفادة ستكون بوجهين بالنسبة للعمالة، حيث سيتحسن مستوى العمالة التي بقيت في مكانها بحكم تصدير الفائض منها إلى مناطق مصرية مستحدثة، وستجد العمالة الفائضة فرصاً محلية تغنيها عن تبعات الهجرة.

ثالثاً:  سيتحول هذا المشروع مع الوقت إلى عقدة التجارة الدولية المتجهة إلى غرب آسيا وشمال إفريقيا، وبحكم أن دبي من تلعب هذا الدور حالياً، فإن (وادي التكنولوجيا) يعتبر تهديداً لدور الإمارات العربية، وهو ما قد يفسّر استماتة دبي في دعم رموز (العرقلة) لاستقرار مصر ما بعد الثورة. الخطر الذي قد يحدثه إتمام مشروع وادي التكنولوجيا على الاقتصاد الإمارتي ينبع من كون مصر أقدر على استقبال حركة التجارة العالمية  نتيجة لعدة عوامل:

–       الموقع الاستراتيجي من حيث وقوفها في المركز بين قارة آسيا وأفريقيا، وقربها نسبياً من أوروبا.

–       بقاء الإمارات العربية رهينة التقلبات المحيطة في إيران ومنطقة الخليج عموماً يجعل من وجود بديل لها فرصة للمستثمر الأجنبي كي يوجه تجارته إليه.

–       اعتماد مصر على العمالة المحلية بشكل كامل يحقق الانسجام والاستقرار.

–       الوصول إلى مصر لا يعني الوقوف عند حدودها، فمصر لديها اتفاقيات دولية تضمن لها الدخول إلى كافة قارات العالم بما فيها أوروبا وأميركا.

رابعاً: يبدو أن إسرائيل انضمت أيضاً إلى فريق المتخوفين من وادي التكنولوجيا، وبالرغم من أنها التزمت الصمت في كثير من الأحيان لإدراكها حساسية إبداء رأيها وأثره العكسي على حلفائها، إلا أن (قلّة حياء) حلفائها جعلتها أكثر وقاحة، فهم يطالبون اليوم وعبر وسائل الإعلام بتدخل دولي لإزالة الشرعية عن مرسي. إسرائيل لا تكتفي كغيرها بمحاولة هدم الخصوم، فقد سارعت إلى الإعلان عن مشروع مطابق لوادي التكنولوجيا والدعم هذه المرة صيني. لقد أدركت بشكل تام أهمية مثل هذا المشروع وقد أحسنت اختيار الداعم لها، فالصين لها أطماعها في منطقة شمال أفريقيا أكثر من الغرب، وما قد لا يعلمه البعض أن العمل في العديد من المشاريع في السودان أصبح يتطلب إلماماً باللغة الصينية! وما قد لا يعلمه البعض أيضاً أن اختيار الصين مقابل ماليزيا وتركيا ليس مجرد صدفة، فتركيا ما زالت شوكة في حلق الصين من خلال دعمها للمسلمين في تركستان الشرقية، وماليزيا تعطي مؤشرات متكررة على أنها في طريقها للريادة ضمن مجموعة الآسيان.

إن عوامل ومؤشرات منها سابقة الذكر تعزز ادعاءنا بأن ما يجري في مصر حالياً ليس إلا نتاجاً لبعض القيادات التي استغلت الخلافات الأيديولوجية والسياسية لحشد الناس وتطويعها كأداة بيد العديد من القوى (مهدَّدة المصالح) شرقية وغربية. وما يعزز هذا الإدعاء أكثر هو نقل ساحة الخلافات التقليدية من العاصمة إلى المدن الحاضنة لوادي التكنولوجيا، بل وافتعال العنف فيها كي لا تصبح قادرة على استيعاب أي أفكار تطويرية. إن ما يجري في مصر اليوم هو حرب من طرف واحد وقودها أبناء الشعب المصري، وتديرها الدول التي ترتعد خوفاً على مصالحها، ولذلك فإن من يطالب مرسي باحتضان المعارضة والتفاهم معها لا يدرك حقيقة ما يجري، فالمشكلة ليست في نفور مرسي من معارضيه، بل هو انعدام مقومات التفاهم مع من يهدف إلى إبقاء مصر في حالة تبعية كاملة. إن من يريد لمصر الاستقرار عليه أن يطالب أنصار المعارضة بأن تلفظ قياداتها التي ترعرعت على يد من دفع أكثر.

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2013