فكر

جريمة نيوزيلندا في إطارها الأوسع

19 Mar, 2019

12
مشاركة

لست أهوّن أبداً من مشروعية الغضب في مثل هذه الصدمات، بل أعتبر هذا دليلاً على حياة الأمة واعتزازها بهويتها وبذاتها، وبالعنوان الكبير الذي يجمعها، رغم محاولات تغييبها وتجزئتها، فحينما أرى شاباً عربياً أو تركياً أو كردياً يبكي حزناً وألماً على ما أصاب إخوانه المسلمين في أقصى الكرة الأرضية، وهو لا يعرفهم ولا يعرف جنسياتهم ولا أسماءهم، أتأكد أن الهوية الإسلامية الجامعة ما زالت تعيش في ضمائرنا وتجري في عروقنا.

لكن جمرة الغضب سرعان ما تخبو وتنطفئ إن لم تقترن بتشخيص دقيق وتصوّر واع ضمن الدائرة الأشمل والأوسع.

بداية ربما لا نحتاج أن نشخّص الدوافع الكامنة وراء هذا الإجرام، فالمجرم لم يكن على خلاف شخصي مع إمام المسجد مثلاً، ولا على خلاف مع المصلين في مسألة مالية أو اجتماعية، فالجريمة استهدفت المسجد، وكل إنسان مسلم موجود في هذا المسجد، وهذا باختصار معناه وجود كراهية وأحقاد متأصلة وراسخة في تكوين هذا المجرم ونظرته وثقافته تجاه الإسلام والمسلمين.

والسؤال هنا؛ كيف تكونت هذه الثقافة؟ وهل هي ثقافة شخص أو ثقافة تيار له أصوله وفروعه وخلاياه الهائمة والنائمة؟

من المؤسف بالنسبة لنا، وبالنسبة للإنسانية بمعناها الأوسع كذلك، أن تكون هذه ثقافة تيار واسع وليس ثقافة شخصية محدودة، بل هي في كثير من الحالات ثقافة مدعومة أو محمية من قبل أنظمة عالمية كبرى!

نعم نحن عندنا مجانين كما أن عندهم مجانين، لكننا وقفنا جميعاً بكل مؤسساتنا الحكومية والدينية والمجتمعية ضد مجانيننا، وبذلنا الدماء الغالية في محاربتهم وكبح جماحهم، ولم تحصل جريمة في الغرب إلا هبّ رؤساؤنا وكبار علمائنا للاستنكار والتنديد وتقديم التعازي والتبري الرسمي والفعلي من الفاعلين، ولكن حينما نكون نحن الضحايا يكون الآخرون في وضع مختلف، لا يرتقي في أحسن أحواله فوق تسجيل المواقف الشكلية والدبلوماسية.

ليس معنى هذا أن الغرب جميعاً قد تواطأ على ذلك، فنيوزيلندا لا مصلحة لها بهذه الجريمة، ولا شك أنها متضررة أكثر من غيرها، وفي العالم الغربي كثير من التيارات التي قد تكون حزينة لما حصل أو يحصل، لكن هناك قوى فاعلة في هذا العالم ترى من ضرورات مصالحها توسيع سياسة «الفوضى» ونشر ثقافة الشر، وما لم تقف الإنسانية بوجه هذه القوى وتفضح مشاريعها ومخططاتها، فإنها ستغرق في بحر من الدم والبؤس والشقاء لا نهاية له.

التصنيفات:

المصدر: العرب القطرية
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019