كتب

مُساءلة العلمانية والإسلام

24 يونيو, 2019

4
مشاركة

تظل العلاقة بين الدين والعلمانية إحدى أكبر الإشكالات المطروحة في العالم وليس في المنطقة العربية والإسلامية، فالعلمنة تسعى للهيمنة على الإنسان المعاصر لتعيد صياغته بعيدا عن أية تأثيرات دينية، ورغم امتلاك العلمنة لكثير من وسائل التأثير باعتبارها هي التي تحدد المجال العام المحيط بالإنسان سواء في أروقة الحكم أو الأنشطة الاقتصاية أو الإعلام والتعليم، إلا أن الدين قادر على العيش والتعايش والحضور برؤيته ومقولاته رغم هوامش الحركة الضيقة .

وفي محاولة للاقتراب من العلاقة بين العلمانية والإسلام يأتي كتاب “مساءلة العلمانية: الإسلام والسيادة وحكم القانون في مصر الحديثة”[1] لـ”حسين علي عجرمة”[2] ليناقش تلك العلاقة في مصر، ولكن بطريقة تجمع بين الجانب النظري والميداني، فالباحث قضى عامين بين دار الإفتاء، وأروقة المحاكم، وبين طبقات المجتمع المختلفة مفتشا عن الدين والعلمانية في دولة ومجتمع مُراوغ يصعب توصيف بالعلمنة أو الإسلام.

الحسبة بين العلمانية والإسلام

أنشئت المحاكم الأهلية في مصر  عام (1883م) بموازة المحاكم الشرعية، في ظل تحولات في البنية القانونية فرضتها السلطة لاستقدام التقليد القانوني الغربي، ورغم أن محمد علي باشا –والي مصر- اعتمد القانون المدني إلا أن القانون لم يأخذ في الترسخ إلا مع إنشاء المحاكم المختلطة عام (1876م) والتي كانت كيانا أوروبيا مختصا للتقاضي بين الأوروبيين والمصريين خاصة في المجال التجاري، ثم أخذت مصر تنشيء المحاكم الأهلية التي شكلت على منوال المحاكم المختلطة، ثم أعيد تشكيل المحاكم الشرعية هي الأخرى على نفس المنوال لكن أصبح دورها محصورا في نطاق الأحوال الشخصية، وأدى هذا التحجيم للقضاء الشرعي إلى تغير جذري لممارساته المؤسسية خاصة ما يتعلق بالتدقيق في عدالة الشهود، حتى ألغيت المحاكم الشرعية عام (1955م) وتم استيعاب اختصاصاتها في إطار المحاكم الأهلية.

والملاحظ  في التجربة المصرية أن استقدام القانون المدني الغربي خاصة الفرنسي أدى إلى تأثيرات قادت إلى تضييق النطاق الذي تعمل فيه أدوات التدقيق الأخلاقي التي كان يستند إليها القضاء الشرعي، وقللت من أهمية بعض القيم التي كانت الشريعة الإسلامية تراعيها وتعتني بها أثناء القضاء بين الناس.

وكان من آثار التعامل بالقانون المدني في مصر ليس إنشاء محاكم أو سن قوانين فقط، ولكن تعدى الأمر إلى إنشاء  شبكات من المهن القانونية والمؤسسات التعليمية والتخصصية، والمعروف أن القوانين الأوروبية تقسم الحياة إلى مجال عام وخاص، وهو تقسيم لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية.

وقد انعكس العمل بالقانون المدني، في إعادة تشكيل الشريعة بثلاث طرق متداخلة، هي:

-العمل بالقانون الجديد قسم الحياة (عام – خاص) بطريقة لا تتناسب مع الشريعة، فتم تحجيم نطاق المُشرع الحديث للقانون الخاص، وقلص مدى تأثير الشريعة وطرق استقصائها والقيم التي تشوفت للحفاظ عليها.

-لم تعد الحياة تُرى من خلال هذا التقسيم الجديد (عام – خاص) عبر شروط الممارسة الأخلاقية، ولكن عبر المصالح الفردية المتعددة التي تمنع تدخل سلطة الدولة.

-العمل بالقانون المدني استوجب استيعاب مؤسسات الشريعة الإسلامية الموجودة بالفعل ضمن شبكة جديدة من المهن والمنظمات الجديدة، ومع مرور الزمن أصبحت هناك رؤية سائدة أن ممارسات التدقيق الأخلاقي في الشريعة الإسلامية غير مجدية.

وتأسيسا على ما سبق أثارت قضية الحسبة إشكالا كبيرا في مسألة التمييز بين العام والخاص، ومصلحة المُدعي في رفع دعوى الحسبة، فالحسبة في الشريعة هي :”الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، والنهى عن المنكر إذا أظهر الناس فعله” فالحسبة تعتبر ممارسة فردية وجماعية للنقد الأخلاقي، وكانت بداية استخدامها في المجال الإسلامي في الأسواق، فظهر المحتسب كضامن ورقيب على الموازيين والمكاييل والممارسات في السوق، ثم توسعت الحسبة بعد ذلك لتشمل “حقوق الله” وتعد السوق جزءا منها.

والحسبة وفق الرؤية الإسلامية لا تتوافق مع المنطق القانوني المدنى القائم على الرؤية العلمانية، لأن مسألة التفريق بين العام والخاص غير موجودة، وفي الحالة المصرية تم تقنين الحسبة، وجاءت قضية التفريق بين  الدكتور حامد أبو زيد وزوجته عام (1996م)  لتطرح المسألة، وحدود التداخل بين الشريعة والقانون والسياسة والعلمنة، وحدود العلاقة بين العام والخاص، ولكن السؤال المهم، هل الحسبة المقننة في الحالة المصرية دليل على العلمنة أم الأسلمة في الدولة؟

الحقيقة أن الدولة العلمانية وضعت الدين في إطار المجال الخاص مفصولا عن الدولة، ووضعت كذلك الأسرة إلا أن الدولة ترى ضرورة مستمرة في تنظيم الأسرة وحكمها كجزء من سلطتها السيادية لتحافظ على النظام العام وتستمر في تنظيمه وإحكام قبضتها عليه، وهنا وجدت تلك الدولة أن لها حقا في التدخل في الدين والأسرة معا باعتبار أن مجالهما الخاص يشكل جزءا كبيرا من المجال العام، وفي ظل تلك الحالة الملتبسة للدولة الحديثة والمغرمة بالسيطرة أصبحت الحدود بين الدين والسياسة مجالا للتداخل والتدخل.

حدد الكاتب ثلاث سمات مركزية في الدولة الحديثة، خاصة سلطتها القانونية العلمانية، وهي:

-مبدأ نشاط العلمانية: وهي سلطة الدولة في تحديد ما يُعتبر دينيا، ومسموح به في الحياة الاجتماعية، أي سلطة الدولة في التمييز بين ما هو ديني وبين ما هو مدني، أي تحديد ما يتوجب العقوبة عليه، أو ما تدعمه السلطة، فالدولة الحديثة تحدد المساحات التي يتحرك فيها الدين، ثم تضبط التقاليد الدينية في المجتمع لتناسب المساحة المسموح بها.

-مركزية التمييز بين العام والخاص، وهذا التمييز أفادت منه العلمانية، فأصبحت الدولة الحديثة حارسة لهذا التمييز.

-حكم القانون: وهي سلطة الدولة في تحديد المساحات المسموح بها للدين،  وتكون عادة سلطة محمية بحكم القانون، وهي سلطة مكونة من المحاكم والقوانين والدساتير والسلطة القضائية.

السمات السابقة تخلق محيطا إشكاليا تترسخ فيه العلمانية، فالعلمانية في الحالة المصرية تتمتع بسلطة وصلاحيات، فالنظام العام تسيطر العلمانية على دور مركزي فيه، وترك المساحات مبهمة بين الدين والسياسة تستفيد منه العلمانية، لذا يرى الكاتب أن قضايا الحسبة لا تعتبر إنحرفا عن العلمانية بقدر ما هي إندماج مع أكثر شروط سلطة العلمانية حتمية وهي سلطة الدولة السيادية في اتخاذ القرار داخل الحياة الاجتماعية.

وإذا كان الشائع في الفكر الليبرالي هو وجوب إبعاد الدين عن المجال العام، تحت دعاوى أن السماح للآراء الدينية بالحضور في المجال العام ستصيبه بمعضلات أخلاقية لا سبيل لحلها، وقد تؤدي إلى صراعات مدنية غير قابلة للحل، فإن الفكر الليبرالي يرى أن السلطة قد تكون غير قادرة على تسوية الصراعات بين الآراء الدينية، لأن تلك إحدى سمات الدين، وبالتالي ترى الليبرالية أن الدين غير قادر على صناعة قرار فعال ومقبول في السياسة العامة، ومن ثم وضعت الليبرالية الدين في المجال الخاص، ورغم تهافت المنطق الليبرالي، إلا أن الليبرالية باعتبارها إحدى نتاجات الدولة الحديثة ترى أن المجال الخاص يحتاج إلى ضبط من خلال السلطة وسياساتها العامة، أي أنها تدخلت في صياغة المجال الخاص متجاوزة لمقولاتها الهشة.

الفتوى والعلمنة

يظن كثير من الباحثين خاصة الغربيين أن الفتوى عبارة عن صيغ جاهزة للتعامل مع الواقع، غير أن نزول الباحث الغربي إلى ميدان الفتوى وفي لجانها المختصة والاستماع إلى طبيعة تعامل الإفتاء مع مشكلات الناس وحيرتهم وتساؤلاتهم يدرك أن الفتوى ذات أبعاد متعددة منها: الإجابة على التساؤلات، والقيام بدور الردع الأخلاقي والإصلاح الاجتماعي والتربوي، فالفتوى ذات مرونة عالية، والمفتي الجيد يمسك بالفتوى كأداة خلاقة مرنة للإصلاح الاجتماعي والديني، فتتعدد الفتاوى في الموضوع الواحد نظرا لاختلاف الفتوى تبعا للزمان والمكان والشخص وطبيعة الحال، لذا كان بعض المفتين حريص على تحديد تاريخ فتواه نظرا لطبيعتها المتجددة.

قضى مؤلف الكاتب بعضا من وقته داخل لجنة الفتوى بالأزهر، وعايش المفتين أثناء استماعهم لمشكلات الناس وطالبي الفتوى، وكانت المفاجأة الكبيرة له، تلك العقلية الإفتائية المُدركة للأبعاد الاجتماعية والدينية بل والسياسية لحظة الإفتاء، وحجم السعة التي يتحرك فيها الإفتاء، فليست الفتوى إجابات آلية تشبه الرسائل المسجلة على الهاتف.

وحقيقة الفتوى أنها ذات بعد تربوي، بجانب كونها أداة لتيسير أمور الناس بما يوافق الشرع، لذا تحدث الكتاب عن الفكرة الأخلاقية في ممارسة الفتوى، فهي أداة لتهذيب الذات وضمان سعيها نحو الغايات الإسلامية، وتصبح مهمة المفتي مهمة هداية وإرشاد، أما طالب الفتوى فهو باحث عن الهداية، وبالتالي يتشارك الطرفان في السير في نفس الطريق نحو الغاية، فهي رحلة للتهذيب الأخلاقي لأنها معنية بالتربية والرغبة في تيسير أمور الناس، وليست إجابات مذهبية ضيقة، لذا تظل الفتوى في الحالة المصرية، والتي تُمارس من خلال مؤسسة الدولة في لجنة الفتوى التابعة للأزهر والتي أنشئت عام 1935، ممارسة غير علمانية وغير متورطة في اللعبة الحداثية التي تفصل بين الدين والسياسة.


[1] صدر الكتاب عن مركز نماء للبحوث والدراسات ببروت عام 2017 في (340) صفحة، أما الطبعة الإنجليزية فصدرت عام 2012
[2] حسين علي عجرمة هو أستاذ الأنثروبولوجي والعلوم الاجتماعية بجامعة شيكاغو، عُرِف بتخصصه في قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها الإسلام، والقانون، والعلمانية، والدولة الحديثة. وله عدد من الأبحاث والمقالات المهمة والمنشورة في دوريات علمية عديدة، بالإضافة إلى رسالته للدكتوراه والتي أفردها لدراسة المحاكم والفتوى في مصر، وقد نُشرت الرسالة عام 2005م بجامعة جون هوبكنز  بالولايات المتحدة الأمريكية

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 17/2019