فكر

الترابط العضوي وتفكيك الترابط الآلي

Feature image

هل تفسر نظرية دوركهايم لنمطي الترابط في البنيات المجتمعية ما يجري من تحولات في جسد المجتمع الدولي؟ فدوركهايم يرى ان هناك نمطين من الترابط في المجتمع :الاول هو الترابط الآلي(القائم على روابط اللغة والدين واللون..الخ) والترابط العضوي (القائم على تشابك المصالح).

 

وكلما تزايد الترابط الثاني تخلخلت بنيات الترابط الأول، ويكفي النظر في مراحل العلاقات الاوروبية التي عرفت حروبا طاحنة استنادا للدين او اللغة او المذهب او العرق، ولكن تطور الترابط العضوي بينها والذي تدعم بقوة بالترابط التقني بخاصة في العشريتين السابقتين لجم الصراع وحوله لتنافس يدار بالمعادل الأخلاقي له كما تصور نورمان انجيل…وعلى خلاف ” القبائل العربية” التي ركنت الى ترابطها الآلي فلم يسعفها بالكثير بل جعلها تتطاحن على أتفه الأسباب، فالتجارة البينية العربية لم تزد في احسن لحظاتها عن 10%، ناهيك عن غياب الترابط التقني ففاقد الشيء لا يعطيه.

الخطوة الأكبر في خلخلة الترابط الآلي تكشفت بجلاء أكبر مع عبور الترابط العضوي الأقاليم الجيوسياسية التاريخية واحلالها بترابط جيواقتصادي في جوهره وقد طُعِّمَ ببعض الترابط ” الامني”، ويكفي النظر في التنظيمات الحديثة مثل البريكس ومنظمة شنغهاي والاتحاد الاوراسي ، وهي تنظيمات عابرة للقارات وتتمحور حول القوى الصاعدة.

بل ان النموذج التركي يمثل حالة متناغمة مع هذا التحول الدولي، فتركيا أكثر لهفة على ترابطها العضوي (مع الاتحاد الاوروبي) من ترابطها الآلي رغم كل أدبيات أردوغان الآلية، وهي متمسكة بترابطها العضوي في حلف الأطلسي مع كل مضامين اهداف هذا الحلف.

ماذا يعني كل ذلك؟
ان مبادرة الحزام والطريق الصينية التي بدأت منذ 2013، هي تعبير معاصر عن هذا التحول نحو المزيد من الترابط العضوي، وسيترك هذا الترابط ظلاله على الترابطات الآلية، وهو ما يفسر الضغط الهائل الذي تمارسه البيئة التي صنعتها الترابطات العضوية والتقنية على الآيديولوجيات التقليدية(القومية ) والعقائد الدينية ومذاهبها، والتي نظن ان ضغطها سيتزايد وبتسارع ايقاعه بوتيرة اشد من ايقاع القدرة على التكيف معه من قِبَلِ مجتمعات الترابط الآلي…وهو ما يشي بأن العالم العربي مقبل على مزيد من شقوق الترابط الآلي لصالح صياغة ترابط عضوي اكثر تحللا من أمراس الترابط الآلي التاريخي.

وعند النظر في السلوك الامريكي المعاصر والسلوك البريطاني (محاولة التشبث براسمالية جيوسياسية) وتنامي القوى اليمينية في اوروبا (وكلها اقرب للتشبث بالترابط الآلي) نجد في الطرف الآخر القوى الصاعدة مثل ألمانيا والصين وروسيا واليابان والهند والشمال الاوروبي التي تميل تدريجيا لبناء منظومات تتجاوز حدود الترابطات التاريخية الآلية، وهو ما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين معسكري الترابط: الآلي في مواجهة العضوي..ربما.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة