فكر

سيد قطب والمكتبة القرآنية الجديدة

9 سبتمبر, 2019

75
مشاركة
سيد قطب والمكتبة القرآنية الجديدة, المكتبة القرآنية, تفسير قرآن, قرآن كريم,

قليلون هم أولئك الذين يملكون تفكيرا منهجيا، وقليل من أولئك من يملك الأدوات التعبيرية التي يدبج بها فكره، لكن سيد قطب حاز الحسنيين، التفكير المنهجي القوي والعبارة المشرقة الدقيقة، ولعل أحسن من عبر عن ذلك هو الشاعر الأردني يوسف العظم حين قال: “إن لمصر ثلاثة كتاب، ولكل واحد منهم ميزة تفرد بها، تفرد العقاد بعمق الفكرة، وتفرد الرافعي بإشراق العبارة، وتفرد طه حسين بالقدرة التحليلة وبالتعبير عن الفكرة الواحدة بطرق متعددة، وقد جمع سيد قطب الأبعاد الثلاثة”.

ولعل هذه الخصائص الثلاث فيما يكتبه سيد قطب هي التي جعلت دراساته القرآنية تحدث ذلك الأثر الكبير، ذلك بأن النص القرآني المعجز في بيانه وبرهانه لا يستجيب إلا لمن حاز قبسا وضَّاءً من البيان العربي، فجمال القرآن لا ينفتح إلا لصاحب لغة جميلة.

لقد كان سيد قطب مفتونا ببلاغة القرآن، ولم تكن فتنته بها وليدة انتمائه للحركة الإسلامية، بل كان مفتونا به قبل ذلك، وكتابه “التصوير الفني في القرآن” يؤكد ذلك، فقد كتبه وهو ما يزال غارقا في الدراسات النقدية، ومنشغلا بالمساجلات الأدبية مع كبار الكتاب والأدباء من معاصريه، كما أن إهداء هذا الكتاب يدل على ارتباطه بالقرآن وبلاغته منذ كان طفلا.

وحين رجع من أمريكا كان عازما على توسيع اشتغاله بمباحث القرآن، فقد تركت رحلته إليها في نفسه أثرا عظيما وأحدثت انقلابا فكريا في حياته، فبدأ وضع مشروعه القرآني الذي سماه “مكتبة القرآن الجديدة”،  تلك المكتبة التي لم تمهله الأيام ليكملها، ولكن ملامحها البارزة من خلال كتبه “التصوير الفني في القرآن” و”مشاهد القيامة في القرآن” وتفسيره الضخم الماتع “في ظلال القرآن”؛ تلك الملامح توحي بأن الأمة كانت على موعد مع مشروع قرآني بلاغي سيعيد ألق وحيوية علاقتها بكتاب ربها.

وهناك عناوين بحوث أفصح عنها في مقدمة كتابه “مشاهد القيامة في القرآن” كانت ضمن مشروع “المكتبة القرآنية” مثل: “القصة بين التوراة والقرآن” و”النماذج الإنسانية في القرآن” و”المنطق الوجداني في القرآن” و”أساليب العرض الفني في القرآن”، وهي عناوين -كما ترى- دالة على طبيعة المشروع الضخم الذي كان الرجل ينوي وضعه حول القرآن الكريم.

وقد نثر سيد قطب كثيرا من أفكار ومباحث هذا المشروع القرآني الفريد في كتابه الضخم “في ظلال القرآن” الذي مثل مرحلة جديدة في مناهج التفسير وفي الدراسات القرآنية عموما، ولكنها ظلت لمحات خاطفة ومباحث مفرقة، لم تجد من التحليل والتعليل والتدليل ما كانت ستجده لو أتيح له أن يفردها بكتب مستقلة.

ولم يكن سيد -وهو يضع مشروعه القرآني- يمارس ترفا فكريا، بل كان واعيا بالهدف السامي الذي من أجله يكتب وكتب هذا المشروع، وهو ما صرح به في مقدمة كتابه: “مشاهد القيامة في القرآن” حيث قال: “وفي اعتقادي أني لم أصنع بهذا الكتاب وبسابقه، ولن أصنع بلواحقه، إلا أن أرد القرآن في إحساسنا جديدا كما تلقاه العرب أول مرة فسحروا به أجمعين، واستوى في الإقرار بسحره المؤمنون والكافرون، هؤلاء يسحرون فيفرون! ويقولون: ( لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، وأولئك يسحرون فَيُلَبُّونَ، يملأ نفوسهم بالإيمان واليقين”.

إن سيد قطب -كما هو واضح من كلامه السابق- كان يريد من خلال مشروع “المكتبة القرآنية الجديدة” أن يعيد القرآن إلى صدارة المغالبة والتدافع بين الحق والباطل، وأن يكون ببراهينه وبلاغته وقوة خطابه أول مُحَاجِجٍ في الميدان، وذلك من خلال إعادة الألق والحيوية إلى علاقة الأمة به عندما تفهمه وتستوعبه في ضوء حياتها المعاصرة وزمنها الراهن.

كما كان يريد أن يقيم بها الحجة على أصحاب التيارات التغريبية المادية ذات النزعة الإلحادية، بحيث يرجع منصفوهم ويتمادى متطرفوهم وهم مدركون لسحر هذا الكتاب وحجته وقوته، ذلك بأن ركاما من الدراسات الفقهية واللغوية والأصولية امتلأت بها كتب التفسير قد تحول بين القارئ غير المتخصص وبين المعاني الإيمانية والحجج العقلانية والطاقة التربوية الكامنة في الآي القرآني المجيد.

إن مشروع سيد القرآني ذو شقين، أحدهما بياني أدبي يهدف إلى وضع نظرية جمالية قرآنية، وثانيهما فكري تربوي يهدف إلى وضع نظرية فلسفية قرآنية، وقد بلغ في الهدفين شأوا بعيدا، وإن كانت ملامح نظريته الجمالية القرآنية أوضح وأكثر شيوعا من نظريته الفلسفية القرآنية، ويرجع ذلك في نظري إلى أن فكر سيد قطب تعرض لتشويه مبكر جعل الدارسين يبتعدون عنه دون تمحيص أو تدقيق.

وأرى أنه يمكن تلخيص كل واحدة من النظريتين: البيانية والفلسفية اللتين حكمتا تفكير الرجل في مختلف كتبه، فنظريته البيان القرآني عنده قائمة على (التصوير)، وقد بين هو نفسه ذلك في مقدمتي: “التصوير الفني في القرآن” و”مشاهد القيامة في القرآن”، كما أن العنوانين طافحين بهذا البعد التصويري الحاضر عنده.

أما نظريته الفلسفية القرآنية فقد بناها -في نظري- على مبدأ (الهيمنة)، وهو مصطلح اهتم به كثيرا وبرز تأثيره عليه وتأثره به وانطلاقه منه في كتابه الأم “في ظلال القرآن”، وقد استقى سيد قطب هذا المصطلح من القرآن نفسه، وذلك قوله تعالى بعدما عرض شأن الرسالتين السماويتين الكبريين؛ اليهودية والمسيحية، فقال متحدثا عن القرآن والإسلام: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ”.

لقد عاجلت المنية سيد قطب قبل أن يكمل مشروعه الرائد “المكتبة القرآنية الجديدة”، وقد خسرت الأمة بذلك كثيرا من الفكر الأصيل والتحليل العميق واللغة المشرقة البديعة، فهل ما زال في رحمها سيدٌ آخر لينبري لإتمام هذه المهمة الحضارية الكبيرة؟

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2019

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019