تطالعنا الأخبار صباحَ مساءَ عن حالات انتحار، وبنسبة كبيرة، وفي بلاد شتى من العالم العربي؛ في “حالة” لم نعتدها من قبل!ولعل هذا يستدعي تساؤلاً، يخص الجانب الفكري من هذه “الحالة”، التي لاشك أن لها أبعادًا متعددة.. وهو: هل الإسلام يستهين بالحياة؟ بحيث إن المرء عندما تواجهه أزمة، فإنه لا يجد مانعًا عقليًّا ونفسيًّا من التضحية بروحه؛ أم على العكس من ذلك، يعظِّم الإسلام الحياة، ويُعلي قدرها، ويحافظ عليها من الإزهاق، بل ويعاقب على ارتكاب ذلك حتى لو وقع من الإنسان بحق نفسه؟!

 

في الحقيقة، لطالما صُوّر “الدين” عمومًا بأن له موقفًا سلبيًّا من الحياة، وساعد على ذلك انتشار أفكار الزهد والرغبة عن الدنيا، في مختلف الملل والنحل تقريبًا، بصورة قد تجعل الدارس أو المتابع يعتقد بأن هذا موقف صحيح بالنسبة للإسلام، وأنه لا يختلف في ذلك عن سائر الملل والنحل.

لكن بقليل من الدرس والفحص يتبين عدم صحة هذا الاعتقاد؛ وأن خلافه هو الصحيح. ويمكن توضيح ذلك بعدة نقاط؛ أهمها:

أولاً: أن الإسلام يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ومقدِّمة وممهِّدة ووسيلة لها؛ فهي دار عمل واختبار، والآخرة دار حساب وجزاء.. ومن المؤكد أن شرف المقدمات والوسائل من شرف النتائج والغايات!

غاية الأمر، أن الإسلام طلب إلى المرء عدم الركون للدنيا، وحذَّره من الاعتقاد بأنها دار استقرار لا حساب بعدها، وأخبره بأنها دار ممر لا مقر، وأنها وسيلة إلى غاية، لا غاية في ذاتها.. والوسائل- على شرفها- تبقى وسائل، والغايات هي المطلوبات!

وقد تكرر هذ المعنى في أكثر من موضع، مثل قوله تعالى: {وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 64). أي: “وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها، ولا انقطاع، ولا موت معها”([1]).

قال الأصمعي: خطَبَ أعرابيّ فقال: أما بعد، فإن الدُنيا دَار مَمَرَّ، والآخرة دار مَقَرّ، فخُذوا من مَمَرِّكم لِمَقَركم، ولا تَهْتِكوا أستارَكم عند من لا تخفى عليه أسرارُكم، وأخرِجوا من الدنيا قُلوبَكم قبل أن تَخْرُج منها أبدانُكم؛ ففيها حَيِيتم، ولغيرها خُلقتم؛ اليومَ عمل بلا حِساب، وغدًا حسابٌ بلا عَمل([2]).

وقد قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} (غافر: 38، 39)، أي: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة، التي عُجّلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه, ثم تموتون وتزول عنكم، وإن الدار الآخرة هي دار القرار التي تستقرّون فيها، فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول فلها فاعملوا, وإياها فاطلبوا([3]).

جاء في (البحر المديد): {يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ}، أي: تمتُّع يسير لسرعة زوالها، فالإخلاد إليها أصل الشر، ومنبع الفتن، ومنه يتشعّب فنون ما يؤدي إلى سخط الله. أَجْملَ له أولاً، ثم فَسَّر؛ فاستفتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها، ثم ثنَّى بتعظيم الآخرة، وبيَّن أنها هي الموطن والمستقر بقوله: {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ}؛ لخلودها، ودوامها، ودوام ما فيها. قال ابن عرفة: التمتُّع بالدنيا مانع من الزهد، وكون الآخرة دار مستقر يقتضي وجود الحرص على أسباب الحصول فيها([4]).

فالدنيا وإن كانت دار ممر إلا أنها محل للعبادة، ودار للعمل.. والمحظور هو أن نجعلها دار استقرار وغاية.. وبهذا ينتفي أن يكون الإسلام يحطّ من شأنها؛ إنما يحط من شأن اتخاذها مقرًّا ونهاية.

ثانيًا: أن الإسلام أمر بعمارة الأرض، وجعل ذلك عبادة يتقرب بها المسلم لله تعالى؛ فقال سبحانه: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (هو: 61). قال ابن العربي قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة; والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب([5]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “ما مِنْ مسلمٍ يغرسُ غرسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ؛ إلاَّ كان له به صدقة” (متفق عليه).

فهذه الدعوة إلى عمارة الأرض، وترتيب الثواب عليها، وحثّ الإنسان على أن يمتد عمله ونفعه حتى إلى الطيور والبهائم.. لا تتفق مع الزعم بأن الإسلام يستهين بالحياة، أو لا يعرف لها قدرها؛ سواء فهمنا (الحياة) على أنها حياة الأفراد، أو مجمل حياة البشرية؛ فإن الأولى جزء من الثانية.

وقد فنَّد الشيخ الغزالي هذا الزعم تفنيدًا حسنًا، فقال: ثم إن اتهام الدين- أعنى الإسلام- بأنه سبب فتور المسلمين فى الحياة، سخف يجرى على ألسنة أشباه المثقفين… إن الإسلام يقيم أركان الإيمان على فهم الحياة بصدق، والتصرف فيها بعقل وأمانة، والقيام برسالتها إلى آخر رمق. ولعل أقرب ما يصور هذه الحقيقة قول رسول الله : “إذا قامت الساعة على أحدكم وفى يده فسيلة فليغرسها”!!

وهذا الأمر بغرس الخضر الذى يخرج منه النبات، فى تلك الآونة العصيبة، له دلالة حافلة. إنه أمر بمواصلة أسباب الحياة، فى الوقت الذى تستحصد فيه الحياة. وممن صدر؟ صدر من نبى يوجه البشر للآخرة، ويحث الناس على كره جحيمها وحب نعيمها.

وقد يبدو هذا الأمر متناقضًا فى بواعثه وغاياته. وهو متناقض حقًّا لو أن وظيفة الإسلام بناء الآخرة على أنقاض هذه الحياة. لكن الإسلام ليس كذلك؛ إنه يجعل صلاح الآخرة نتيجة حتمية لصلاح الأولى، أى يجعل الجنة لأُولي الأيدي والأبصار، لا لأولي العجز والحجاب([6]).

ثالثًا: أن الإسلام حرَّم قتل النفس، ونهى عن إزهاق الروح، وعاقب على ذلك عقوبات مغلَّظة، وقرنه بالإشراك بالله؛ أي جعل الاعتداء على حق الخالق سبحانه في العبادة لا شريك له، وعلى حق المخلوق في الحياة، مقترنين.

قال تعالى في صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (الفرقان: 68)

وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ”. قال النووي: “أكبر المعاصي الشرك، وهو ظاهر لا خفاء فيه، وأن القتل بغير حق يليه وكذلك قال أصحابنا: أكبر الكبائر بعد الشرك القتل وكذا نص عليه الشافعي رضي الله عنه في كتاب الشهادات من مختصر المزني”([7]).

وفي الصحيحين أيضًا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : “مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا”.

فمن تقدير الإسلام للحياة أنه أمر بعمارة الأرض وحرم الاعتداء على النفس؛ سواء جاء هذا الاعتداء من الإنسان بحق نفسه، أو من الإنسان بحق الآخرين. وقد التفت لهذا المعنى ابن عاشور فأوضح أن “النظرَ في خَلق هذا العالم يَهدي العقول إلى أن الله أوجد الإنسان; لِيُعَمِّرَ به الأرض، كما قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها}؛ فالإقدام على إتلاف نَفْسٍ هَدمٌ لما أراد الله بِناءَه”([8]).

هذا هو موقف الإسلام من الحياة؛ تعظيمًا واحترامًا واستثمارًا.. سواء في ذلك الحياة في صورتها الفردية؛ أي بالحفاظ عليها وتحريم إزهاقها.. أو الحياة في صورتها العامة؛ أي بعمارة الأرض، واستنباط السنن والقوانين المخبوءة فيها، وتسخيرها لإعلاء كلمة الله ونَفْعِ الإنسان وسائر المخلوقات.


([1]) تفسير الطبري، 18/ 439).

([2]) العقد الفريد، 4/ 235.

([3]) تفسير الطبري، 20/ 329.

([4]) البحر المديد، 5/ 135.

([5]) تفسير القرطبي، 9/ 56.

([6]) الإسلام والطاقات المعطلة، ص: 10، 11.

([7]) شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 81.

([8]) التحرير والتنوير: 15/ 92.