وجهات نظر

الإنصاف.. فيما قيل في الشيخ البوطي من الاختلاف (2/2)

Feature image

للخطأ في الحكم على شيخ في مقام البوطي بأنه خائن، أو مرتد، أو غير ذلك من الاتهامات التي ملأت أركان الشبكة العنكبوتية، أكبر عند الله من الخطأ في أن نحكم بأنه كان معذورا ونتلمس له سائر الأعذار حتى إذا كانت ضعيفة. ولنتذكر قول ابن القيم رحمه الله: زلات العلماء أقذار، والعلماء بحار، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث

ولنصل إلى الخلاصة حول الشيخ البوطي، رحمه الله، نقول:

أولا: لايستطيع أحد أن إنكار مكانة الشيخ وعلمه وسابق عمله للإسلام ودعوته في شتى الميادين.

ثانيا: لا يمكن لأحد عرف الشيخ أن يحكم عليه بالتخاذل أمام الحق أو قول الباطل وهو يعلم يقينا أنه باطل.

ثالثا: موقف الشيخ من الحركات الإسلامية ورؤيته التي كان ينتقد فيها تصرفاتها وعلاقتها مع الحكومات لعب دورا كبيرا في ابتعاده عن دائرتها واستماعه إلى مبررات مواقفها وتصرفاتها، وهي مشكلة كبيرة تمخضت عنها مواقف كثيرة وقف فيها الشيخ ضد الحركات الإسلامية بحق تارة وبباطل لم يتبينه تارات أخرى لبعده عنها.

رابعا: حصر النظام الشيخ في دائرة ضيقة منذ فترة وحددها في بلده ولا يتركونه يتنفس من الهواء الطلق بحرية حتى إذا جاء إلى أوربا حيث يحصرونه في محاضرات ينظمها الملحق الثقافي أو ما شابهه في السفارة السورية، مثل ما حصل في 1999 حيث زار لندن وكانت محاضرة ضيقة جدا في قاعة من قاعات جامعة سووس حضرها عدد قليل جدا من طلبة الجامعة وغيرهم ممن اطلع على الخبر صدفة. وهذا مما جعل الشيخ لا يطلع حتى على الكثير من المنجزات التي وصل إليها إخوانه العلماء المسلمون في الغرب، بل وإذا وصله فينتقده بناء على مسبقات عنده لا تتغير في نظرته إلى كل ما يصدر من الغرب، وأن كل من وصل إليها ينجر إلى فتن فكرها، فمن ذلك مثلا إنكاره على المجلس الأوربي للإفتاء، في مصطلح “فقه الأقليات” واحتج بأن الفقه فقه في كل الأماكن، وأن المسلم في الغرب لا يُخترع له إسلام جديد، وغير ذلك مما ينبئك بعدم تبينه للموضوع.

خامسا: خوف الشيخ من فتنة الخروج على الحاكم التي طالما رددها في خطبه بالأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين العلماء ولم يستطع الاتفاق على إسقاطاتها في واقع الربيع العربي.

فالشيخ حتى في موقفه الأخير من القتال وراء كل بر وفاجر، وهذا ما لا نختلف معه فيه، أسقط النص على القتال وراء الجيش النظامي لما يرى من هجوم دولي على سورية وأن القاعدة وصلت إليها من كل حدب وصوب، فيجب القتال وراء بشار ضد هؤلاء الذين يفسدون في أرض سورية جميعا. لكنه أوضح في فتواه حين سأله بعض الناس أنه يعني من دخل سورية محاربا من القاعدة ولا يعني الثوار.

سادسا: رؤية الشيخ للثورة بأنها ليست نتاجا وطنيا وإنما تدخل من الخارج لإرباك الأمن في سورية الممانعة ضد إسرائيل، وإركاعها أمام عدو الأمة الأول الذي كان النظام السوري في الظاهر من أشرس المقاومين له، وقد بدا ذلك فيما قدمه لحركة المقاومة الإسلامية من إيواء لشخصياتها، ومناصرة واضحة لقضاياها ضد العدو الصهيوني، فهو يرى أن هذا النظام وقف مع الحق في ذلك.

سابعا: مع اتفاق الثوار على الخروج على هذا النظام الجائر، إلا أن كثيرا من بعيدي النظر من العلماء استبعد مسألة الكفر والحكم على الحكومة بالكفر ومن هؤلاء الدكتور عبد الكريم بكار الذي منع جر المسألة إلى الكفر، فنحن أمام نظام مستبد ذاق من ويله كل طوائف الشعب السوري حتى العلويون منهم، فليس من الحكمة صبغ الثورة بصبغة الخروج على الكفر أو خروج السنة على الطائفة العلوية.

والشيخ البوطي له فتوى قديمة لا أدري هل سمعتها من بعض الأشرطة أم قرأتها له كانت إجابة عن حكم الطائفة العلوية، بين فيها ما هو معروف في الفقه عن الحكم على المعين، ونقل من شيخ الإسلام بن تيمية أنه سئل نفس السؤال فقال ما نصه: من اعتقد أن عليا هو الله فقد كفر. إشارة إلى أن كثيرا من المنتسبين إلى النحل التي تكفر أو المذاهب التي تخرج من الملة لا يعرفون تفاصيل ما ينتمون إليه من مذهب ولا يمكنون من الاطلاع إلا على ما له بريق من القيم المشتركة بين الناس فتحظى عندهم بالقبول أو يكونون هم من العامة الذين ولدوا على مذهب ما لا يعرفون دقائق منهجها ولا يتبعونه إلا تقليدا للآباء والأجداد.

مع اتفاق الثوار على الخروج على هذا النظام الجائر، إلا أن كثيرا من بعيدي النظر من العلماء استبعد مسألة الكفر والحكم على الحكومة بالكفر ومن هؤلاء الدكتور عبد الكريم بكار الذي منع جر المسألة إلى الكفر، فنحن أمام نظام مستبد ذاق من ويله كل طوائف الشعب السوري حتى العلويون منهم، فليس من الحكمة صبغ الثورة بصبغة الخروج على الكفر أو خروج السنة على الطائفة العلوية.

وأنا لا أشك أن الرجل – أعني البوطي رحمه الله- لو ظهر له شيء من الممارسات الكفرية الواضحة أمامه من أحد من “الأسدين” فلم يكن يلزم السكوت حيال ذلك. لكني لا أستطيع أن أعرف أنه ناقشهما في معتقدات الطائفة أم لا. إلا أنه ذكر أنه أهدى لحافظ الأسد كتيبا فيه ورد الإمام النووي وذكر أنه –أي حافظ- ظل ملازما للقراءة منه بل وأنه يقرؤه مع أولاده في بيته.

وهناك تساؤلات لا بد من طرحها حول مواقف مهمة وقفها الشيخ البوطي جعلت الكثير من الناس ينتقد الشيخ انتقادا شديدا ويجعله في مصاف الخائنين لله ولرسوله وللأمة.

ولا غرو أن نمر على بعضها ونرى كيف يمكن تفسيرها:

صلاته على جنازة حافظ الأسد وبكاؤه فيها:

وهنا أنقل من هذا التسجيل في اليوتيوب:

لنرى كيف يفسر فيه الشيخ المشاعر التي انتابته فتفجر باكيا في ذلك الوقت فيقول بداية من الدقيقة الخامسة والثانية السابعة والثلاثين إلى الدقيقة السابعة والثانية الثالثة من (05:37 إلى 07:03):

ما ينتهي عجبي من أولئك الذين تعجبوا من الحالة التي انتابتني عندما كنت أصلي عليه.

يسأله المقدم للبرنامج: البكاء عليه؟

فيرد البوطي: لماذا هذه الحالة ليست عبارة عن حالة عاطفية حب أو ما حب، والدي توفي. زوجتي توفيت. ولي رباطة جأش أنا أعرفها وأتمتع بها. لكن هذه الحالة.. نعم . هي تعلو على المشاعر العاطفية وعلى حب الوالد للولد والولد للوالد والزوج للزوجة.

أنا أنظر الآن إلى إنسان أنا أدرى الناس بمكانته كرئيس، وبحاكميته وبقدرته على إدارة الأمور. الآن لا يملك إلا ذل عبوديته التي يرحل بها إلى الله. وأنا مطلوب مني أن أصلي عليه، كأنه يقول لي: يا هذا .. نعم.. أبق شيئا من حقوق القربى بيني وبينك في الجلسات التي كانت تتم. نعم كن وفيا معي بأن تدعو الله لي فأنا راحل من هذه الدنيا.

هذا المعنى الذي انتابني هو الذي فجر بين جوانحي هذا الشعور. لا علاقة له بحب أو بغير حب.

(وقد نقلت حرفيا ما قاله الشيخ ولم أغير إلا كلمة “شيئا” التي قالها “شي”).

وهذا الكلام مقبول نوعا ما لأن الرجل لم تقم له بينة على كفر حافظ الأسد. وطغيانه لا يمنع الصلاة عليه.

حكمه لباسل حافظ الأسد بالجنة:

وعند البحث في هذا الموضوع وجدنا أن خيانة النقل، أو تسرع بعض الناس، أو محاولة نقل الكلام بالمعنى. كل هذه العوامل لعبت الدور الأكبر حتى وصل الكلام المشوه إلى بعض العلماء والمشايخ فأخذوه على عواهنه وجعلوه نصا للبوطي فأقاموا عليه الدنيا من أجل هذا النص، ولربما لو كلف بعضهم نفسه بغربلة الرواية والرجوع إلى المصدر الحقيقي لما كان ما كان من نسبة هذا إلى الشيخ.

أما ما حصل من الشيخ هو أنه أثنى على باسل بقدر ما عرف عنه من ظاهره كما ينشر عن أولاد الحكام من حب للمساكين ومبادرة ما في الأعمال الخيرية العامة فتضخم إعلاميا وينسى ما هم عليه من بعد عن الله وفحش وخنا وفجور.

وإليكم هذا الرابط لتروا ما قاله البوطي في هذا الموضوع وفيه أيضا يتبرأ مما افتري عليه من حكمه في آصف شوكت بالجنة.

http://www.youtube.com/watch?v=mQjRsdXGmHk

وهذا ليس الشيخ فيه بدعا من كثير من المشايخ الذين ملأوا الدنيا تقريعا ولوما للبوطي رحمه الله.

وإذا أردنا أن نحكم على علمائنا بما تتناقله وسائل الإعلام من مواقف متباينة ونجتزئ من أقوال العلماء وفتاويهم ما نريد فهناك الكثير مما يجرم الكثير من الأحياء والأموات، ولا تغيب عنا مواقف بعض العلماء من بعض الملوك. إذ يدعون لهم في خطب الجمعة، ولا يفوتون فرصة للإشادة بما يقدمونه من خدمات خيرية للمجتمعات الفقيرة أو الخدمات التي يقومون بها في بلادهم مع أن هذا من بعض واجبهم.

وهم أنفسهم هؤلاء الملوك والحكام الذين يحكم عليهم معارضوهم من الإسلاميين – من نفس البلاد – الذين أذاقوهم سوء العذاب في سجونهم، وفر من فر منهم إلى دول الغرب بعد أن جردوا حتى عن الجنسيات، وهؤلاء المعارضون يرون أولئك الملوك أكبر آلة صهيوأمريكية لتركيع العالم العربي والإسلامي في براثن العدو. مع ما ترى من إشادات هنا وهناك وتضخيم لتبرعات هؤلاء الملوك في أماكن شتى من العالم الإسلامي، ولكن كل ذلك ليس شيئا أمام ما يضيعه هؤلاء وأبناؤهم من ثروة الأمة في موائد القمار وبيوت الدعارة، والملاهي الليلية في أوربا وغيرها مما صار معلوما من الأخبار بالضرورة، ولا يمكن لأحد إنكارها.

لربما أصبح الشيخ البوطي أكبر شخصية إسلامية ثار حولها جدل كبير، واختلفت فيها الآراء بل وتحيرت، وليس ذلك إلا لأنه شخصية مهمة، ذو قيمة بارزة في مصاف العلماء الربانيين الكبار، فلولا ذلك لاطُّرح كما اطرح آخرون من أمثال حسون المفتي، ولم يُذكر إلا لماما لقلة وزنه في رجالات العلم العاملين للإسلام.

بل وهناك الكثير من الاتهامات لهؤلاء الملوك في عقائدهم ودونك انظر في النت عن الملك الذي لبس الصليب ثم انظر ماذا أفتى به من كان في ذلك الوقت مفتيا.

ولسنا هنا بصدد دعوة إلى التمرد أو الخروج على الحاكم في تلك الدول، فنحن نتفهم ما يستند إليه العلماء من المحاذير الشرعية التي تمنعهم أن يأخذوا مواقف معينة خوفا مما سينجم عنها من مشاكل للأمة، وانقلاب الملوك والرؤساء على الدعاة، وإغلاق النافذة الضيقة من هامش الحرية التي يتنفسون من خلالها. لكنا نقول: إن تصريحات بعض العلماء الكبار وكيلهم المديح ليل نهار لهؤلاء مما يمكن أن يدخل في نفس الخانة التي وضعوا فيها الشيخ البوطي رحمه الله.

وأخيرا نقول:

لربما أصبح الشيخ البوطي أكبر شخصية إسلامية ثار حولها جدل كبير، واختلفت فيها الآراء بل وتحيرت، وليس ذلك إلا لأنه شخصية مهمة، ذو قيمة بارزة في مصاف العلماء الربانيين الكبار، فلولا ذلك لاطُّرح كما اطرح آخرون من أمثال حسون المفتي، ولم يُذكر إلا لماما لقلة وزنه في رجالات العلم العاملين للإسلام.

وإنه لمن الصعب بمكان الوصول إلى كلمة عدل يتفق عليها الجميع في شخص ما أو موقف ما. لكننا نذكر الخائضين في الموضوع أن يتسموا بالحياد والعدل:”ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

ولتكن مواقفنا من هذا الإنسان موقف المسلم العدل الذي لا يجره خطأ شخص إلى أخطاء أكثر منه، فإن كان الشيخ البوطي قد أخطأ بل أخطأ خطأ يصل إلى الإجرام، فلا ننسى سابقته في دين الله، ولنا في رسول الله أسوة في موقفه من حاطب بن بلتعة – وقد كان من أصحاب بدر- حين قام بما يمكن تسميته بالخيانة العظمى ثم قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أضرب عنقه. فما كان من المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن قال: “إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”.

Albotiثم إن الرجل أفضى إلى ما قدم حتى إن شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي مع تباين مواقفهما حيال الثورة، ورغم نقده الشديد له وصفه بأنه صديقه، وقال إنه لا يسعه إلا أن يدعو له بالمغفرة والرحمة. وهذا هو الموقف السديد وإن كان بعض المغرضين اجتزأوا بعض كلمات للشيخ يوسف القرضاوي في حلقة من حلقات برنامجه “الشريعة والحياة” يحكم فيها بقتال كل من يقاتل مع النظام، وحاولوا أن يلصقوا بالشيخ فتوى بقتل العلامة الدكتور البوطي، وليس مثل شيخنا القرضاوي من يهاب أن يقول الحق إذا اعتقده أو يحاول إخفاءه في ثوب آخر، فهو قد أفتى واضحا في قتل القذافي، فماذا يمنعه من ذلك إذا كان يعتقده في شيخنا البوطي رحمه الله.

الشيخ البوطي الآن بين يدي ربه الذي يعلم السر وأخفى، وهو سبحانه الحكم العدل الذي رحمته بضحايا الإجرام البعثي أكبر من رحمة من يقولون إن الشيخ البوطي يتحمل عبء هذه الدماء، وهو حسيبه سبحانه، فإن كان يعرف أنه أخذ ما أخذ من المواقف وصرح بما صرح مما كان يردد أنه ما أوصله إليه اجتهاده في دين الله. فإن كان الله يعرف أن الشيخ البوطي كان يعرف الحق ويخفيه خوفا أو حقدا على الثوار لمصلحة شخصية أو غير ذلك، فهو الآن أمامه وبين يديه وقد خرج من أحكام الدنيا ووقف بين يدي ربه، فلنمسك نحن عنه ولندع له بالرحمة، فوالله للخطأ في الحكم على شيخ في مقام البوطي بأنه خائن، أو مرتد، أو غير ذلك من الاتهامات التي ملأت أركان الشبكة العنكبوتية، أكبر عند الله من الخطأ في أن نحكم بأنه كان معذورا ونتلمس له سائر الأعذار حتى إذا كانت ضعيفة. ولنتذكر قول ابن القيم رحمه الله: زلات العلماء أقذار، والعلماء بحار، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث.

ولن تستفيد الثورة من التشفي في قتله قدر ما تستفيد من وقوفها موقف المسلم المحترم لنفسه الذي لا يشمت بأحد، بل كم كنت متمنيا أن تنتصر الثورة، ثم يؤتى بالشيخ فيرى كل ما كان ينكره على الثوار، ويرى عيانا ما كان يفعله بشار وشبيحته المجرمة، ثم يعامل الشيخ معاملة طيبة تبدأ بجلسة مصالحة بينه وبين حكومة الثورة بعد انتصارها ونرى الشيخين القرضاوي والبوطي جنبا إلى جنب، لترسم صورة النهاية لهذا المسلسل الحزين. وإنه لحلم نسأل الله أن يحققه حتى في غياب الشيخ عنا.

اللهم ارحم شيخنا، وتقبله عندك في الشهداء، واجعل عمله خالصا لك، واغفر خطاياه وزلاته، واخلف الأمة بخير في علمه وجهاده فيك.

اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. اللهم إنا نقدم إليك شهادتنا فيه أنه كان يعمل لدينك، فتقبل منه صوابه، وتجاوز عن خطئه.

  • الإنصاف.. فيما قيل في الشيخ البوطي من الاختلاف (2/2)

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة