كتب

العالم الإسلامي وخريطة التحديات

22/05/2020

Feature image

“العالم الإسلامي ينام على كنوز من الحكمة”[1] وليس على النفط والغاز وحدهما، فمنذ القرون الماضية والمسلمون يسيطرون على أهم التجارات وطرق المواصلات في العالم، إمكانات القوة الكامنة للمسلمين أوجدت ضدهم تحفزات دائمة للعداء، وإغراءات بالسيطرة على مقدراتهم من الثروة والقوة، فأغلب الصراعات خلال القرون السالفة كان المسلمون طرفا فيها، ومازالوا حتى الآن في بؤرة الصراع، فالانتشار الواسع للمسلمين دولا وشعوبا وأقليات على امتداد الخريطة العالمية، أوجد في كثير من المناطق حساسيات وتنازع وصراع.

وفي محاولة لفهم خريطة التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي في الثلاثين عاما الأخيرة التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة عام 1990، جاء صدور العدد السابع عشر من تقرير  “قضـايـا ونـظرات” الفصلي عن مركز الحضارة للدراسات والبحوث، في أبريل 2020، في (123) صفحة، مُعطيا اهتماما خاصا للمسلمين خارج النطاق العربي، فتناول معاناة مسلمي الإيجور من حملات القمع الصينية، ومسلمو الهند ومعاناتهم من تحول الدولة من العلمانية إلى الهندوسية، وقضايا تهم مالي ونيجيريا وأفغانستان وتركيا.

التحديات..رؤية معرفية

هل يمكن قراءة التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب الباردة من منظور وعرفي؟ سؤال طرحه التقرير وسعى للاجابة، مؤكدا أن العالم الإسلامي مفهوم “جيوسياسي”[2] يعبر عن الواقع المعاصر للأمة المسلمة في عيون ومدركات العالم بعد أن تراجعت الأمة حضاريا، وفقدت إطارها السياسي الشامل الجامع بين مكوناتها شعوبا ودولا وجماعات، فمنذ القرن التاسع عشر الميلادي وخريطة الصراعات التي يشهدها العالم الإسلامي، ذات جذور داخلية بالأساس، ومع ذلك فإن الأثر الخارجي لم ينقطع عنها.

مثلت نهاية الحرب الباردة[3]، وتراجع حدة الصراع الأيديولوجي العالمي، وصعود الأحادية الأمريكية، تحديا ووضعا مختلفا للعالم الإسلامي، تجلت ملامحه عبر ثلاث عشريات من السنين متتالية، الأولي: من نهاية الحرب الباردة حتى أحداث سبتمبر 2001، والثاني: من أحداث سبتمبر حتى الربيع العربي 2011، أما الثالثة فامتدت من الثورات وما صاحبها من تغيرات مجتمعية وسياسية حتى العام 2020.

ويلاحظ في العشرية الأولى الأولى تصاعد الرؤى والتحليلات الاستراتيجية العالمية التي ترى في الإسلام “العدو الجديد” للغرب بعد انهيار الشيوعية، لذا احتل “البعد الثقافي” مرتبة متميزة بين الأبعاد الأخرى، وتناغمت الأدوات الدينية والثقافية واندمجت مع الأدوات الاقتصادية والسياسية تجاه العالم الإسلامي في غمار عملية العولمة، ويمكن تحديد السياسات الغربية في الآتي:

السياسات المُستهدفة منظومات القيم المجتمعية: فذخرت الأجندة الغربية بمجموعة من الموضوعات[4]، منها: حوار الحضارات والأديان والثقافات، والحديث المطول عن ثقافة التسامح وقبول الآخر، وحقوق الإنسان والتعددية الثقافية والدينية.

سياسات النظام الدولي لمنع انتشار الأسلحة الشاملة: فأصبحت هناك إشكاليات في تحقيق المكانة والحفاظ على الأمن في مواجهة التدخلات الخارجية والصراعات المختلفة، وأوجدت سياسات التسلح قدرا واضحا من التبعية.

انتقاص السيادة التقليدية للدول في ظل العولمة، فأصبح للدول الكبرى تدخلات كبيرة في أزمات العالم الإسلامي، بعدما  باتت الحركات الإسلامية أحد القوى الفاعلة الكبرى في كثير من البلدان، كذلك لعبت منظمات التمويل الغربية والدولية دورا بارزا، كما تم تشجيع ثقافة الاستهلاك.

إدارة أزمات الأمة المسلمة من الخارج: فتصاعدت سياسات التجزئة وتعمقت مع تراكمها، وفُرضت كثير من العقوبات الغربية على الدول الإسلامية كالعراق وليبيا والسودان تحت غطاء الشرعية الدولية، وطُرحت ترتيبات إقليمية بديلة عن الترتيبات الإسلامية والعربية، وتصاعد الاتهام للمسلمين بالارهاب، ودفع الغرب بمفهوم “الصراع الحضاري” لمواجهة العالم الإسلامي، وأضحى الحوار الحضاري خاضعا للتسييس، ومع ثورات الربيع العربي أضحى العالم الإسلامي في قلب التفاعلات، وأصبحت غاية الاستراتيجية الدولية هي منع التغيير المجتمعي والسياسي الفعال.

مسلمو العملاقين الهندي والصيني

تناول التقرير واقع وتحديات المسلمين في عدد من مناطق العالم، ففي الحالة الهندية  أدى وصول حزب “بهاراتيا جاناتا” BJP أو “حزب الشعب الهندوسي” للسلطة عام 2014 إلى تغيرات وتحولات كبيرة في سياسة الهند تجاه المسلمين الذين يمثلون أكبر أقلية دينية في الهند، وتعمق هذا التحول مع إعاة انتخاب الحزب مرة ثانية منتصف عام 2019، ليتحول الأمر من التصريحات الطائفية ضد المسلمين إلى سياسة فرض الأمر الواقع من خلال إجراءات وتشريعات تمييزية، ووقعت مجاز ضد المسلمين وهدم لمساجد من العصابات الهندوسية.

والسؤال كيف ولماذا حدث هذا التحول؟

يقدر عدد مسلمي الهند بحوالي مائتي مليون (14.3%)، يشكلون نسبة  (11.1%) من مسلمي العالم، ورغم ذلك يعيشون في حالة اضطهاد، إذ لا تتعدى نسبتهم في وظائف الدولة الـ(1%) ويُستبعدون من الجيش والشرطة والوظائف السيادية باستثناء أعداد ضئيلة، رغم أن الممالك المسلمة كانت تحكم الهند لفترة طويلة، ومشاركة المسلمين في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني.

والمعروف أن “حزب الشعب” هو الجناح السياسي للأصولية الهندوسية المعروفة باسم “هندوتفا” Hinduness التي تعني “الهند للهندوس”، ولهذه الحركة أجنحة شبه عسكرية، وهي ذات تاريخ عدائي تجاه المسلمين منذ نشأتها عام 1925 لمواجهة الاحتلال البريطاني والمسلمين معا.

وفي انتخابات 2019 هيمن “حزب الشعب” على المشهد السياسي بحصوله على (55.9%) من مقاعد البرلمان، واستطاع أن يشكل تحالفا كبيرا ليرسم سياسة الهند لمدة خمس سنوات قادمة، تم التركيز فيها على البعد الطائفي الهندوسي المعاي للمسلمين، فتغير وجه الهند العلماني ليصبح طائفيا، ووضعت أيدولوجية الحزب التي توصف بالفاشية موضع التنفيذ، فالحزب يؤمن بأن الهندوسية[5] هي الهوية الوحيدة للهند، وأنه لا مكان للمسلمين فيها، وأن على المسلمين أن يرحلوا إلى باكستان تطبيقا لشعار “الهند للهنود“.

ومن السياسات التي طبقها الحزب: إلغاء الوضع الخاص لولاية جامو وكشمير، الذي أيدته القرارات الدولية في حق السكان في تقرير مصيرهم، وإقرار قانون الجنسية، والذي يحرم ملايين المسلمين من حق التجنس، واعتبار المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية، حيث سيطلب من كل شخص في الهند تقديم ما يثبت إقامة والديه في الهند قبل عام 1971 بالنسبة لولاية “آسام” ذات الأغلبية المسلمة، وقبل سنة 1987 بالنسبة لبقية الولايات، وبناء على هذه الافادات سيتم تجديد سجل الجنسية القومي الهندي، وإذا عرفنا أن ما يقرب من 45%  من الهنود أميون ويقيمون في أماكن نائية، ويشكل المسلمون نسبة كبيرة منهم، فإن ذلك يعني حرمان الملايين من الجنسية وبالتالي حرمانهم من غالبية حقوق المواطنة من تعليم وعلاج وحصول على وثائق.

وقد فرض الحزب تشريعات في الأحوال الشخصية للمسلمين ضد الشريعة، كما تعرض مسلمو الهند لعنف العصابات الهندوسية وصمت الدولة وتواطئها في بعض الأحيان، واللجوء المتكرر إلى استفزاز المسلمين، وهو ما يعني فشل الهند في ظل تلك الحكومة الهندوسية في إدارة التنوع الديني والعرقي واللغوي في البلاد.

أما مسلمو الإيجو في الصين فلا يقلون بؤسا، نظرا لما يتعرضون له من قمع وحشي، ويمثل مسلمو الصين أحد العرقيات ضمن (56) عرقية في البلاد، ويشكلون (2%) من سكان الصين، ويتوزع المسلمون على عشرة أقليات، أبرزها “الهُوي” أو “الهان” و”الإيجور”، وهما يشكلان 90% تقريبا من المسلمين، إلا ان الأيجور الذين يزيد عددهم على عشرة ملايين ويقطن أغلبهم في منطقة “تركستان الشرقية” لم يندمجوا مع الصين، ولم يتنازلوا عن هويتهم الإسلامية لصالح الهوية الصينية، فالصين احتلت أرضهم في منتصف القرن الثامن عشر، ولم ينجح أي من الحكام الصينيين في استيعاب الإيجوريين في الثقافة الصينية، فغالب الإيجوريين لا يتكلمون الصينية، وتستخدم الصين ضدهم أساليب قمعية تحولت إلى سياسة  دولة عام 2014، ثم تزايدت معدلاتها ووصلت إلى احتجاز مليون مسلم من الإيجور ضمن معسكرات الاعتقال منذ منتصف العام 2017، وهو ما أكده تقرير صدر عن لجنة الأمم المتحدة لمكافحة التمييز العنصري عام 2018 مفاده أن الصين وضعت أكثر من مليون إيجوري في معسكرات للتأهيل الفكري لتغيير معتقداتهم، كذلك تقيد الصينُ حرية العبادة فتمنع صوم رمضان، و لاتستهدف الإيجوريين بالتنمية بما يرفع من مستوى معيشتهم ، رغم أن الإقليم يمثل خمس مساحة الصين، وهو غني بالطاقة من الغاز الطبيعي والفحم والنفط.


[1] مقولة للفيلسوف المسلم السيد حسين نصر
[2] مصطلح “جيو سياسي” Geopolitics صاغه لأول مرة العالم السويدي “رودلف كيلين” للدلالة على دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة، بعد ذلك اتخذ معاني مختلفة، ومعناه التقليدي، هو:  تأثير الجغرافيا على السياسة، في مقابل مسعى السياسة للاستفادة من هذه المميزات وفق منظور مستقبلي
[3] الحرب الباردة (Cold War) مصطلح يُستخدم لوصف حالة الصراع والتوتر والتنافس التي كانت توجد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم منذ منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات.
[4] عقد في تلك الفترة عدة مؤتمرات عالمية منها: المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا عام 1993، والمؤتمر الدولي للسكان في القاهرة عام 1994، ومؤتمر المرأة في بكين عام 1995، وصدر القانون الأمريكي ضد الاضطهاد الديني عام 1996
[5] الهندوسية ديانة وثنية يعتنقها أهل الهند وعدد من بلدان جنوب شرق آسيا، وتشكلت عبر مسيرة طويلة من الزمن بدأت منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهي ديانة مرنة سمحت للكثير من الأيديولوجيات والعقائد بالتأثير فيها وتشكيلها، لكنه منذ القرن الثامن قبل الميلاد تطورت على أيدي الكهنة البراهمة، ثم اتخذت اسم الهندوسية.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة