توسع القرآن الكريم في ذم الهوى واتباعه والميول إليه أو اعتماده مرجعا معارضا أو مناهضا لما جاء به الإسلام، من الشرائع والتكاليف، وأبرز النصوص في تقرير هذا المبدأ وأجمعها ما جاء في سورة الجاثية، يقول االله تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [23]، فقد جمعت الآية بين السبب والنتائج المترتبة  في الواقع، فاتباع الهوى في هذه الآية أصل السبب الذي يوصل إلى الضلال وما ينتج عن ذلك، فوصف الهوى حين يستأثر على العلم والمعرفة والدليل معبودا من دون الله، وذلك مبالغة في الاستنكار، وشناعة هذه الصنيعة، وقد يرى المفسر مثل ابن عاشور أن الهوى في هذه الآية واتباعه أساس الضلالة وأصلها وقوامها، أما ما ذكرت الآية من الأمور الموالية أوصاف ملازمة لهذا النوع من الضلالة.

يقول ابن عاشور: ” معنى أضله الله، أنه حفهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية لها. فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين، وقلوبهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل الأدلة إليها، وأبصارهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلهية الدالة على انفراد الله بالإلهية وعلى أن بعد هذا العالم بعثا وجزاء.”

فكأن الآية تشخص هذا الرجل الذي يؤثر هواه ويستسلم لهدايته في مخالفة العلم ومقتضى الأمر الإلهي، فهو ضال متخبط متجسد فيه جميع الأوصاف المذكورة من ضعف الفكر، والكبر، والجهل المترتب على ضعف النظر، وسلك التأمل والتعلم والبحث عن الدليل.  لهذا المعنى الأصيل يمكن عد هذه الآية القاعدة الأساسية في التحذير عن الهوى والنظر الشرعي عنها، قال ابن عاشور: هذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ويتركوا اتباع أدلة الحق، فإذا كان الحق محبوبا لأحد فذلك من التخلق بمحبة الحق تبعا للدليل.

ومن خلال هذه الآية يمكن إيضاح المقصود بالهوى، وهل هي مناسبة ليكون طريقة مثلى للعلم والاجتهاد؟

عرف ابن القيم الهوى بأنه ميل الطبع إلى يلائمه، وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فولا الميل إلى المطعم أو المشرب أو المنكح لما أكل أو شرب أو ارتبط في نكاح، وحسب هذا الكلام، فالهوى طبع فطري في الإنسان لا يمكن وصفها بالمدح أو الذم مطلقا، لكن غلب ذكرها في مجال الذم والضرر كما فعل الأصبهاني وغيره، لأن الذي يتبع الهوى غالبا لا يعتدل. يقول ابن القيم: “الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده”[1]. فكان القرآن والسنة لا يذكران الهوى إلا للذم والنهي عن اتباعها، وكونها احد أسباب الضلالة والخسارة في الدنيا والآخرة.

وحسب ابن القيم، فإن الهوى يعد ابتلاء خاصا بالإنسان بين المخلوقات، وهو جانب من التكليف أن يسلِّم الإنسان نفسه لداعية العقل والدين، ويتجنب الاتباع المطلق للهوى ودواعيه، وقد شدد على هذا الأمر وحدد ملامح التعامل مع الهوى من كل جوانب الحياة المختلفة، النفسية منها وهي المرتبطة بالصيانة والتزكية وتربية النفس، والدينية أو الشرعية، وهي المتعلقة بمجال أفعال الإنسان الظاهرة الخاضعة للحكم الشرعي، فالتركيز هنا أن نقتصر على الرعاية الشرعية المطلوبة في التعامل مع الهوى، ومن ذلك:

أولا – الهوى سبب الفساد: أن يعلم الإنسان أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة، وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور.

ثانيا – الهوى تعارض الشرع والدين، أن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى مضادا لما أنزله على رسوله وجعل اتباعه مقابلا لمتابعة رسله وقسم الناس إلى قسمين أتباع الوحي وأتباع الهوى وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ).

ثالثا – مخالفة منهج أهل الهوى، فإن متبع الهوى ليس أهلا أن يطاع ولا يكون إماما ولا متبوعا فإن الله سبحانه وتعالى عزله عن الإمامة ونهى عن طاعته أما عزله فإن الله سبحانه وتعالى قال لخليله إبراهيم {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي لا ينال عهدي بالإمامة ظالما وكل من اتبع هواه فهو ظالم كما قال الله تعالى {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وأما النهي عن طاعته فلقوله تعالى {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}.

رابعا – الهوى يعارض مقتضى العقل، فلا يجوز الخلط بينهما، فالرأي الذي لا يستند إلى الحجة والبرهان يعد هوى، ومن هنا يقع بعض الخلط، فالرأي المجرد تلمنافي للدليل هو هوى، وليس رأيا معتدا، قال ابن القيم: “ما من يوم إلا والهوى والعقل يعتلجان في صاحبه فأيها قوي على صاحبه طرده وتحكم وكان الحكم له”.

خامسا  – الهوى قرينة الخطأ، تبعث على الخطأ في التصور والعمل، فالله سبحانه وتعالى جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين، كما قال بعض السلف إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيها أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى

أثر اتباع الهوى في التسليم للنص الشرعي   

وفي إطار الوصف المتقدم نستنتج أبرز المشاكل التي يقع لبعض المعاصرين من الحداثيين وغيرهم، حين يعرض بعضهم قضية او مسألة من القضايا الفقهية أو الشرعية الكبيرة أو المصيرية التي يفترض الحسم فيها بالدلائل والبراهين العلمية، بناء على الهوى والأدلة الضعيفة سعيا منه لتحقيق الرغبة الشخصية أو الفوائد المادية، فيفسر النص الشرعي ببعض أوهامه، ويلتمس الرخص في موضع العزائم مثلا، فهذا يؤثر على قضية التسليم للنص الشرعي والخطاب الأصولي في الإسلام.

إن كمال العمل والإيمان الاستسلام المطلق للنص الشرعي وهذا ما عهدنا من السلف حيث يتوقفون على النص إذا بلغهم، لا يقدر أحدهم على مجاراته أو مجاوزته، وهذا تبعا للخطاب القرآني: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [الأحزاب: 36]. حتى صار أمرا مجمعا عليه بين فقهاء الأمة، أنه لا يجوز أي مخالفة عند حضور النص، قال الشافعي: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن ليدعها لقول أحد من الناس). [إعلام الموقعين: 16].

ومن معالم التسليم للنص الشرعي التحذير من اتباع الهوى ، لان الهوى كما سبق بيانه لا يعين على فهم النص والتسليم له، بل يخلق للباحث الفوضي والتشهي والشخصانية على حساب المنهجية والموضوعية ، فيحيد عن الحق والعدل، لأن الهوى مضل عن الحق، وتحقق مقصد النفس ورغباتها وبسبب هذا التحذير، منع أهل العلم مسائل متعلقة بالفتوى قد تؤثر على الجدية والصوابية في منهاج التلقي والبحث من ذلك:

1 – نهى العلماء عن تتبع الرخص، لانه يستند في الأساس على الهوى باختيار الأقوال الفقهية التي تميل إلى التيسير مما يوافق هوى النفس ورغباتها.

2 – النهي عن الحكم في الأمور الشرعية بالهوى والشهوة والاختيار المبني على رغبات النفس، وينطبق هذا الأمر على المفتي والقاضي، والعالم والعامة ، وسائر الناس على حد سواء، يقول ابن القيم: (لا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر)

3- الاختلاف الفقهي ليس سببا يبرر اختيار الإنسان ما يشاء من الأقوال مما يوافق هواه وأغراضه النفسية.


[1]  روضة المحبين (469).