فكر

هل الدراسة بالعربية في بوركينا فاسو وإفريقيا الغربية دفن الرؤوس في الرمال؟

Feature image

هناك نظامان للتعليم الحديث في بوركينا فاسو، وكلاهما يستعملان لغة وافدة غير محلية:

1 – النظام التعليمي الفرنسي: وهو المتبنى رسميا في الدولة، وموضوع لمحوِ الأمية وتعليم الناس أمور معاشهم المدنية وخدمة الدولة. وهو المعنيّ بتخريج الموظفين والطبقة الراقية وأصحاب النفوذ والسيادة ورجال الحكومة. ونسبة المتعلمين في الدولة بناء على من يلتحق بهذا النظام دون غيره هو 41.22% وفق إحصائيات اليونسكو الأخيرة سنة 2018.

2 – النظام التعليمي العربي: وهو أقدم من النظام التعليمي الفرنسي الوافد، لأنه امتدادٌ لمنهج الكتاتيب وحلقات العلم في المساجد. والأصل فيه تعليم الناس أمور دينهم، وهو البديل الأوحد للمسلمين عن النظام الفرنسي. ويمثّل قرابة 70 % من المدارس الخاصة في البلد على أقل تقدير، وكان قبلة السواد الأعظم من أبناء المسلمين! وهم في عداد غير المتعلمين في إحصائيات الدولة!

يجدر لفت النظر إلى أن هذين النظامين كيانان متباينان تمام المباينة، والقاسم المشترك بينهما قليل، فلا تحسبن أن النظام التعليمي العربي يدرّس ما يدرّس النظام التعليمي الفرنسي بإضفاء بيئة دينية وعلوم شرعية كما هو الحال في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة!

ماهية النظامَين التعليميّين في بوركينا فاسو:

لعل بالتحليل المقارن الآتي يتضح الفرق بين النظامين التعليمين:

– نظام التعليم الفرنسي يدرّس المواد الكونية، وينتهي المطاف بالطالب بالتخصص الأدبي أو العلمي، كما هو الحال في دول العالم بما في ذلك الدول العربية. بينما النظام التعليمي العربي يدرّس المواد الشرعية ولا يلتفت إلى المواد الطبيعية إلا تكملة واضطرارا، فهي من نافلة القول فيه.

– النظام الفرنسي يُعِدّ المواطن لسوق العمل ويَعِدُهُ بالتأهيل الوظيفي، بينما النظام الآخر يتجاهل مستقبل الطالب، ولا يَعِده بوظيفة، بل يتركه مع قدره المجهول! وعليه، فإن ما لا يقل عن 95 % من موظفي الدولة من خريجي نظام التعليم الفرنسي، بينما أقل من 5 % من خريجي النظام التعليمي العربي هم من قد يعمل موظفا في الدولة، وبشرط الاتقان للغة الفرنسية!

– نظام التعليم الحكومي هو العمدة في إحصاء نسبة المتعلمين، ونسبة البطالة في الدولة. مما يعني أن الدولة لا تحسب خريجي النظام التعليمي العربي الديني من المتعلمين وإن كانوا حملة شهادات عُليا من جامعات عربية مرموقة، فازدادت نسبة الأمية بهذا في البلد! ولا تحسب الدولة بطالة خريجي النظام التعليمي العربي مع بطالة الحكومة، (ونسبة البطالة هي 6.26 وفق آخر إحصائية لــ “استَتِستا”؛ سنة 2019.) وتزداد نسبة البطالة بلا شك لو تمّ عدّ خريجي النظام التعليمي العربي!

– نظام التعليم الفرنسي هو الواجهة العلمية للدولة، فهو منظّم تقوم عليه مؤسسات ورجالات، وتموّله الدولة. بينما النظام التعليمي العربي شخصي وفردي في جلّ صوره. تفتقر إلى أسس الحيثيات العلمية، وليس له من يتبناه إلا الجانب الإنساني الخيري الديني غالبا. ونظام التعليم الحكومي قائم بنفسه ولا يحتاج دعم المجتمع إلا نادرا، بينما النظام التعليمي الديني لا يقوم إلا على أكتاف المجتمع وأصحاب الخير.

بل إنه يمكن التفريق غالبا بين ملتحق كل نظام من حيث الشكل أولا وطريقة اللباس وفهم الحياة، ومن حيث الثقافة والفكر. فهذا شرقي غالبا وذاك غربي، ولا يشترط أن يكون أحدهما إسلاميا والآخر لا!

لعل ولاء نظام التعليم الفرنسي هو الاستعمار، أو الغرب المسيحي، أو المدنية والحداثة إن لم نقل العولمة. بينما ولاء النظام التعليمي الديني هو القبلتين والعروبة عامة. فأين تأثير العولمة وأين تأثير العروبة، وأين اهتمام مؤمني العولمة وأين اهتمام الدول العربية؟!

يذكر أن هناك جهودًا فردية عربية إسلامية (شخصية أو مؤسساتية بصورة جمعيات أو جهات غير حكومية) لمساعدة النظام التعليمي الديني، وليس جهود حكومية منظمة ودائمة! بينما يحظى النظام التعليمي الفرنسي بجهود مؤسساتية ودولية لدعمه، مع إمكان الحصول على دعم المؤسسات غير الحكومية!

إشكالية ربط التعليم بالوظيفة وتخلّف النظام التعليمي الإسلامي عن ذلك:

من حقائق تاريخ تطوّر النظام التعليمي الإسلامي ما يأتي:

أ – أنه نشأ غير مرتبط بوظيفة، أو بحث عن عمل بعد التخرج. إذ لم يكن التعليم صناعة وفن آنئذٍ. وكان الناس يعملون غالبا في مهن آبائهم، والأغلب مستقل بعمله الحرّ، ولم تكن شوكة الرأسمالية قد قويت. وكان سبب إرسال الآباء أبناءهم إلى المدارس الدينية تعليم أمور دينهم دونما ربط ذلك بالعمل الحكومي. وأنت خبير بأن النظام التعليمي الفرنسي يهدف إلى تخريج موظفين وأصحاب مِهَن!

ب – فتاوى أغلب المشايخ –قديمًا- تحرّم النظام التعليمي الفرنسي لارتباطه بالمستعمر، فل يبق أمام المسلم الملتزم المحبّ لدينه والغيور عليه إلا النظام التعليمي الديني.

تولّد من هذه الإشكالات أن وجدت الطبقة الثانية فما بعد من أبناء المسلمين أنفسهم بعيدين عن وظائف الدولة، وكلها شاغرة بمن التحق بالنظام التعليمي الفرنسي.

وليس بالضرورة أن يتم شرح هذا الوصف وهذا الواقع بالحرب والمؤامرة والكيد ضد الإسلام والمسلمين. إذ إن النظام التعليمي الإسلامي هدف بكل حرية وإرادة إلى شقّ طريقه بنفسه، ولم يهدف إلى تخريج مهندسين وأطباء ومحامين ومحاسبين وإداريين وشرطة وجيش ومحاضرين لهذه العلوم في الجامعات. لعل الأنسب هنا أن يقال أنه كان بإمكان علماء المسلمين ومشايخهم ضمّ فقه المآلات إلى واقعهم آنئذٍ لدى صناعتهم لفتوى التحريم، وهذا مجال آخر! وليت القارئ يستحضر حقيقة أن المسلمين هم الأغلبية في بوركينا فاسو بغض النظر عن الإحصائية المتبنى.

هل من الانتحار الوظيفي الالتحاق بالنظام التعليم العربي؟

أولا، قد يكون معذورًا كل من التحق بالنظام التعليمي الديني العربي في العقود السابقة منذ تأسيسه في منتصف القرن الماضي، بناء على الوضع القائم آنئذٍ واستجابة لفتاوى أغلب العلماء ولعدم رؤيتهم البطالة في  صفوف خريجيه بعدُ، ولأن أصحاب النفوذ في الدولة ليس من خريجي هذا النظام التعليمي! لكن هل الآباء الغيورون على دينهم معذورون اليوم بإرسال أبنائهم إلى هذا النوع من النظام التعليمي؟

ثانيا، نوّه القرآن الكريم إلى معضلة العبودية وأنها جريمة إنسانية، وسعت إلى حلّها تدريجيا دونما استئصال آني؛ مراعاة لأصحاب الأملاك كما هو معلوم. فالقول بأن الالتحاق بالنظام التعليمي العربي انتحار سيثير حفيظة أصحاب هذه المدارس ومؤسسيها بلا شك، وإن كان باسم التديّن، لكن الواقع هو على الجميع معرفة الحقائق السابقة وأن هناك حلولا أخرى بديلة، وأن الضرر يزال، وأن الإسلام مع الحسنيين! وليس هذا النظام التعليمي السبيل الأوحد لتعليم الناس دينهم، وليس شرطا أن الالتحاق بنظام التعليم الحكومي يوّلد فاجرا كفارا.

أخيرا، إن انصب رحى هذا المقال على بيان الجانب الصعب لنظام التعليم العربي والذي يمثل تحديا، إلا أن هذا النظام لا يخلو من إيجابيات، يذكر منها: المحافظة على الدين، تخريج أئمة ومشايخ، فتح آفاق لم تكن بالحسبان لبعض أفراد من انتسب إلى هذا النظام التعليمي!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة