وجهات نظر

السمات الأخلاقية في خطاب أمير قطر: دراسة وصفية تحليلية

26 يونيو, 2013

0
مشاركة

يكمن عجب أمر هذه الدنيا في أن أذنك تحملك لسماع كل جديد شئت أم أبيت، ليتعايش جسدك وعقلك معه؛ إن لم يتبعهما روحك، وليصبح ذاك الجديد حديث الساعة. وما حديث الساعة عنك ببعيد؛ من حديث الساعة تتولد كل الأديان وتتبعها الفرق والمذاهب، وما ذاك إلا أن كلا من العقل والهوى يقرأ الحدث بعين، ويفسره بعين. ومن هنا يخلق حديث الساعة منارات للناس؛ يُشغلهم برهة، ويجدد لهم نكهة الحياة في حينها لتستمر، ثم يتلاشى فيُنسى ويضاف إلى جملة ما سبقه من أحداث الساعة.

لكن حديث الساعة اليوم في العالم أجمع، وفي العالم الإسلامي بوجه عام، والعربي بوجه خاص يستحق أن يأخذ من صاحب القلم الوقت والجهد ليسطر في التاريخ ويملأ فراغ عقل أو هوى.

إن أمر تنحي أمير قطر عن مقاليد الحكم، وتسليمه لولي العهد أمر جلل، من طبيعته أن يلفت الأنظار والأسماع إلى المتابعة للتسلي والانشغال على الأقل، إن لم يكن للقراءة والتثقيف. وكيف لا يكون أمرا عظيما وهو الأول من نوعه في التاريخ العربي إن لم يخب ظني، وفي تاريخ الخليج بشكل قاطع. لكن يا ترى هل يمكن أن نفهم هذا الحدث على حرفيته فيقدس أم يمكن الذهاب بعيدا في محاولة إدراك المقاصد العليا وراءه، أم هل يمكن ترك هذا وذاك كله لتأويل النص بقرينة جلية أو خفية، أو بدون قرينة حتى؟!

الاحتمالات التفسيرية القائمة

لا يخفى على عاقل ما يمكن أن يحمل مثل هذا الحدث من مواقف وتفسيرات. انطلاقا من حرية التفكير التي يتمتع بها أدنى من يتصف بالإنسانية، وانطلاقا من خلفية التباين الكبير في الفهم والإدراك لدى الناس، وبناء على توفر مزيد أدلة وعلم في الأمر. لذلك يمكن أن يفسر مثل هذا الحدث بواحد من التفسيرات الآتية:

أولا: المذهب الحرفي الظاهري: جاء التنحي بناء على رغبة قوية في أن الوقت قد حان لترك الأمر، وليكمل الجيل الجديد مشوار الحياة. ولعل هذا هو الأقرب للواقع ما لم يأت دليل وقرينة أخرى تصرف الأمر عن هذه الحقيقة!

ثانيا: المذهب المؤامراتي: ومن الناس من يؤمن بإله المؤامرة، وأن ليس للإنسان حرية فعل أو ترك، فهو كالريشة في الهواء، يحركه الصهاينة والغرب وصناع القرار المخفيون يمنةً ويسرة، وأن كل ما يحدث في الدنيا إنما تم رسم ذلك من قبل طاغوت المؤامرة الحي القيوم والذي هو بكل شي عليم وقدير! عجيب! ولا شك أن من غلب هذا المذهب على عقله، يميل لشرح مثل هذا بأن ثمة أوامر خارجية أو داخلية قد فرضت ما فرضت!

ثالثا: المذهب الخارجي: وهم الذين يتركون نتيجة التحكم الظاهري، ليخلقوا فرصا كلامية أخرى؛ بمثل إن الحكم إلا لله. ومن هنا قد يخرج لك صنف من الناس، يبتعد عن الحدث كليا، وبدلا من محاولة فهمه وحسن تفسيره، نجده يذهب بعيدا عن الحدث ليشوه جماله، إذ يمكن اعتبار مجرد هذا الأمر أمرا حسنا وجميلا بحد ذاته (التخلي بدون طمع وجشع، الأنانية في حب البقاء والقيادة أبد الآبدين كما هو الشأن المعهود)! فيقول..ألم يتم فعل هذا وذاك! من الذي أوجد هذا وذاك في المنطقة، ومن الذي موّل وموّل، وماذا عن التدين والمجتمع الإسلامي! فالطائفة القليلة التي تدين بمثل هذا المذهب أيضا موجودة.

التعايش السلمي أفضل سياسة للتعامل مع التعددية

إذن، من الظنيات التي تصبغ على هذا الحدث القطعي تتباين آراء الناس والفقهاء والعلماء إزاءه، وما يهمنا من هذه الاحتمالات القائمة، هو الإقرار بالتعددية في الفهم. وأن التعددية ليسة مشكلة بذاتها، بقدر ما هي واقع معاين ومعاش، إذ بها تستمر الحياة وتحلو، لذلك تُعرف التعددية بسنة الله في الكون، إذ لو شاء ربك لقطع سبيل هذه الاحتمالات الواردة، فلا يبقى إلا فهم واحد لا يصلح بحال أن تتعدد الأذهان في فهمه، لكن “ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم”! ومن هنا يصبح قبول الآخر على ما هو عليه أفضل طريقة للتعامل مع المخالف، ولعل هذا هو ما يدل عليه “لتعارفوا”! ويمكن عد هذا التيار مذهبا رابعا في النظر إلى الحدث وإلى غيره، ويمكن تسميته بمذهب المؤولة.

فالجهل بالنص، أو القرائن الأخرى، أو بسبب النزول أو الورود، من مظان خلق التعددية في الفهم، ولذلك يبقى شعار الفقه الإسلامي أفضل شعار للتعامل مع هذا؛ “مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب.” وكذا شعار: “إذا ثبت الحديث (النص صحيح صريح) فهو مذهبي”.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الدراسة أكاديمية، تحاول التعامل مع الحدث كنص تاريخي، بتتبع أهم ما جاء في الخطاب من سمات أخلاقية جميلة وواضحة، لا تحتمل التأويل ولا مذهبا آخر، بعيدا عن المواقف السياسية، التي لا ناقة للكاتب فيها ولا جمل! وإنما حمله على كتابة ما تقرؤون عن العولمة التي قصرت المسافات وأزالت الحواجز، ولأجل الاشتراك الديني، فهذه القضية واحد من أهم ما يضاف إلى قاموس الأمة الإسلامية وتاريخها، ومن أجل الموضوعية في البحث لتبقى الصورة الوصفية موجودة في التاريخ إلى ما شاء ربك!

السمات الأخلاقية الإنسانية والعالمية في الخطاب

يجدد المتتبع لخطاب أمير قطر الأخير، والذي جاء كله في حدود سبع دقائق أن الخطاب يحمل في طياته –بجانب البيان- قيما أخلاقية جميلة، بدون تأويل، وقد يكون معيار هذه القيم هو الفطرة الإنسانية من حب الخير وكراهية الشر، لذا فهي قيم إنسانية. فالتتبع الموضوعي والعلمي يخرج لنا من هذه القيم الكثير، من أهمها التالي –بعيدا عن الاحتمالات، وتركيزا على النص-:

الحكمة: وهي ما جعل هذا الحدث عالميا، وفريدا في التاريخ. ولو قام بمثل هذا بعض الزعماء والقادة هنا وهناك، لما حدث ما حدث من ملل الناس منهم ومن أسلوبهم القيادية التقليدية. والمدقق للخطاب يجد أنه مصبوغ ومحبوك بحكمة خبير، لا شك أنه أخذ وقتا في الكتابة وطرح ما يجب أن يطرح من فكر ورؤى. فقد جاء الخطاب بالكلام المناسب في الوقت المناسب، حاملا كامل الدلالة مختصرا غير مخل!

فمن دلائل الحكمة في الخطاب: “أتحدث إليكم اليوم ونحن نستعد لدخول عهد جديد في تاريخ وطننا.” وهذا إيحاء بمعرفة الواقع الذي يتسم بالمرونة وعدم الثبات، ليتغير مع تغيير الواقع طريق الحكم والإدارة. لا أدل على هذا أكثر من قوله: “مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة. ولقد حان الوقت أن نفتح صفحة جديدة أخرى في مسيرة وطننا يتولى فيها جيل جديد المسؤولية بطاقاتهم المتوثبة وأفكارهم الخلاقة.” ويؤكد حبكة الخطاب على الحكمة أيضا من إدراك الواقع، واختلاف الحكم باختلاف الواقع، معرفة أن لكل جيل طريقته ورغبته، فالحكمة تقتضي عدم التشبث بالتراث كتراث، بقدر ما يفرض علينا الاستفادة من خبرات التراث بما يفيد الواقع ويسعد الجيل الجديد، يعبر الخطاب عن هذا بـ : يصدق في واقعنا هذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه “علموا أولادكم خير ما عُلمتم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.” وغير ذلك كثير في الخطاب.

المسؤولية والأمانة: يجد الملاحظ أن الخطاب جاء مركزا على المسؤولية النابعة من الإيمان والدين، ومن حب الوطن. وهذا واضح في المقطع الثاني من فاتحة الخطاب حيث قال الأمير: “الإيمان الذي غمر قلبي واستقر في وجداني منذ أن ترعرعت على أرض قطر وبدأت أتولى المسؤوليات في خدمة الوطن وأهله .. والله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت إليها من دوافع شخصية بل هي مصلحة الوطن.” ويؤكد هذا قوله أيضا: “إني لأرجو أن أكون قد وفقت في القيام بالمسؤولية وحملها بما يرضي الله أولا وبما يوازي الأمانة ويستحق الثقة.” وقد أصبحت قطر اليوم واحدة من الدول التي يشار إليها بالبنان، ويهرول إليها؛ بناء على العمل الكبير والإنجاز الضخم الذي هو عليه الآن، في كافة الأصعدة؛ العليمة والثقافية، والدينية الروحية، والرياضية، والسياسية، والاقتصادية. على ما تحمل هذه الإنجازات من بعض الضرائب.

احترام المواطن القطري: لقد جاء في كل مقطع من مقاطع الخطاب ما يدل على أن سمو الأمير يحسب حسابا أخلاقيا عاليا لكرامة المواطن القطري، ما يدل على أنه يحترم كل فرد من أفراد رعيته. ويجدر بالمواطن القطري بهذا أن يحمد الله على هذا! فهو أمر يغبط عليه في العالم اليوم! ومما يستأنس به في هذا الصدد فاتحة الخطاب نفسه: “أيها الشعب القطري الكريم، أيها المواطنون والمواطنات أبناء الوطن .” و “وقد أردت أن أخاطبكم أولا إذ انتم أصحاب هذه الأرض الطاهرة وحماتها وبناة نهضتها وصانعو مستقبلها.. لقد كان هذا أيها الإخوة والأخوات..”. ومن ذلك أيضا قوله: ” أنتم يا أبناءنا وبناتنا ذخر الوطن بناة حاضره وحاملو لواء مستقبله.” ومن ومضات احترام الشعب القطري، واعتبار كرامته، يقرأ الملاحظ بين السطور خلقا آخر لسمو الأمير من التواضع.

الاعتزاز بالدين والعروبة: ومن أهم السمات الأخلاقية التي حملها الخطاب الانتماء الديني. فقد جاء مما لا يدع مجالا للشك أو الريب أو التأويل في الخطاب أن الدين والعروبة من أهم ما يرسم شخصية الأمير ويوجهه في حمل المسؤولية وأداء الأمانة. فهل تريد دليلا على هذا أكثر من البسملة في البدء، والتحية الإسلامية في الختام. علاوة على ما حمل الخطاب في ثناياه الكثير مما يدل على هذا ويؤكده، فمن ذلك مثلا قوله: “الإيمان الذي غمر قلبي.” وقوله: “والله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت إليها من دوافع شخصية.” فقد استدل بشيء مقسما بأعظم ما يمكن القسم به احتراما لمعتقد الشعب ومعتقده. ومما يدل على هذا اقتباسه من سيدنا علي كرم الله وجهه، فلم يقتبس من فيلسوف أو عالم غربي، إضافة على اقتباسه من حديث نبوي شريف: ” “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.” ومن أهم معالم الانتماء الديني والعربي قوله: “ومع ثقتي بإدراككم لانتمائكم وهويتكم العربية المسلمة فإنني أوصيكم بالمحافظة على قيمنا الثقافية والحضارية النابعة من ديننا وعروبتنا وانتماءاتنا الإنسانية فنحن نؤمن بأن…” وآخر الأسطر في الخطاب من خير دليل في تأكيد ما نحن بصدده: “راجيا من الله عز وجل أن يحفظ قطر ويديم عليها الأمن والاستقرار وأن يسبغ على أهلها نعمه ظاهرة وباطنه إنه نعم المولى ونعم المجيب، والسلام عليكم ورحمه الله..”

والانتماء أو الاعتزاز بهوية أو دين يعتبر خلقا، إذ به يتم تحمل المسؤولية والمحاسبة، ويكون دافعا في تقديم شيء وبناء حضارة، وبانعدام الهوية أو الانتماء يهون كل شيء.

العلم ومسؤولية الشعب القطري في النهوض بوطنه: إلى جانب الحكمة، وما تخلل الخطاب من ثقافة عالية، فإن من سمات الخطاب أيضا التركيز على العلم، والإشادة بأهميته في بناء الحضارة، وأن يكون العلم هو النور والمعيار للعمل واتخاذ القرار، بجانب الهمة العالية وعدم الدعه. يبرز هذا جليا في آخر المقطع الوسطي في الخطاب؛ حيث قال: “فإنني أوصيكم بعد تقوى الله بالعلم والعمل فليكن العلم هو النبراس الذي ينير طريقكم ويعينكم في صناعة مستقبل الوطن على خير وجه، فبالعلم تتخرج الأجيال القادرة على تحمل المسؤولية وبه تسلك الطريق القويم وليكن العمل الجاد المخلص ديدنكم في خدمة وطنكم بعيدا عن الاتكالية والتراخي والركون إلى الواقع فلا تبنى الأوطان لأجيال الحاضر والمستقبل إلا بجهد أبنائها وسهرهم ولا تصان من الأطماع وتحمى من المخاطر إلا بعرقهم وتضحياتهم..”

هذا، وقد بدا في الخطاب نبرة حب الوطن، والإخلاص، والعمل بجدية، ومسؤولية الشعب القطر في تحمل مسؤولية بلاده؛ السباب خاصة. ومن السمات العامة أيضا الجودة في العمل، والتجديد والإبداع والتطور، والهمة العالية، والوحدة والمحبة والود، والأصالة، والثبات على الحق، والاستقامة، وغير ذلك مما يصلح اعتباره سمات أخلاقية عامة.

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2013