وجهات نظر

مقاربة نقدية للعلاقة مع الغرب (2-2)

30 يونيو, 2013

0
مشاركة

الاستقطاب شرق-غرب بدأ في القرون الوسطى، وحدّد العلاقة بـ”الآخر” وامتدّ عبر الزمان في مسارات كانت في غير صالحنا لأن الطرفين سلكا منحيَين حضاريين على طرفي نقيض، تصاعدي هناك وتراجعي هنا، وتمكّن الغرب من اجتياح العالم كلّه بنظريّتين اثنتين تلخّصان فلسفته النهائية هما العلمانية ومفهوم الدولة القومية، وقد انخرط فيهما أغلبية البشرية طوعًا أو كرهًا، وواجهتهما الأدبيات الإسلامية الأصيلة بالرفض لتمسّكها بالنظرية السياسية الإسلامية التي تعتبر الدين والدنيا وجهين لعملة واحدة، وتؤمن بمفهوم ” الأمة ” المستند إلى العقيدة لا إلى الحدود الجغرافية أو المكوّنات العرقية ونحوها، ولا يمكن مناقشة الغرب في المسألتين إلا بناءً على ظروف نشأتهما في دياره، فهما عنده نتيجة كفاح فكري وشعبي طويل للإنعتاق من قبضة الكنيسة التي كانت تتحكّم في حياة الناس بالإرهاب الفكري والمادّي، وهم ما زالوا لا يفرّقون بين الإسلام والكنيسة، فيسحبون عليه مفاسدها خاصة إبّان القرون الوسطى، وتتمثّل مهمّتنا إذًا في مزيد من الشرح والتفسير والمناقشة والبيان لإقناعهم بالفروق الهائلة ونفي العدوانية بسبب الموقف من اختيارهم لنظامهم الفكري والسياسي، وتجلية موقفنا هذا بالطرق العلمية الواقعية لن يكون إلا في صالح الإسلام ، وهو جهاد ثقافي طويل لأن فريقا من المسلمين – الموصوفين بالمتنوّرين – تصبّ أعمالهم في تأييد العلمانية والدولة القومية وتقوّض جهود الأعمال الإسلامية الأصيلة وتؤسّس لاستمرار الفكر التصادمي عند الطرفين، مع كلّ أسف، لانحيازها إلى الأطروحات الغربية بسب مواقف انفعالية نابعة من الشعور بالدونية والارتماء غير البصير في أحضان الفلسفة الغربية.

حقيقة الغرب

إن الغرب صاحب حضارة عريقة تحكمها النسبية كما هو حال جميع الحضارات، ولو التزم بتعاليم المسيحية لكان ذلك أفيَد له وللبشرية، لكنّه لا يعرف من دين المسيح عليه السلام سوى الانتماء الثقافي و البُعد الكنسي، وعلينا نحن أن نحدّد محطّات الالتقاء والتصادم معه وأن نتجنّب الرؤى الاختزالية التي تتجاوز الحقائق والوقائع سواء في جانبنا أو في جانبه، ونؤسّس لرؤية معمّقة له من حيث كينونته وإسهاماته، فهذا أقرب إلى بناء الثقة بين الطرفين المحكوم عليهما بالتعايش، وعلينا أن نحاكم الغربيّين إلى المنهج والمعرفة، وقد أبدعوا فيهما عبر العصور ونالوا قصب السبق، وندعوهم بالضبط إلى التحرّر المنهجي والمعرفي لتصحيح نظرتهم إلينا والتحرّر من الصورة النمطية التي رسمها ثالوث الإستشراق والاستعمار والتنصير، لنلتقي في ساحة الإنسانية التي تسعُنا جميعًا، فهم لم يُخلَقوا متمّدنين ، ولا نحن بدائيّون بالطبع ، بل نحن جميعًا بشر، ولا شكّ في خطأ نظرية تفوّق ” الإنسان الأبيض ” ولا نظيرتها التي ترسم للتاريخ نهايته بمرحلة الليبرالية والديمقراطية، لأنّ لمختلف الأمم – ومنها المسلمون – فرصا لدخول دورات التاريخ بإسهاماتها المتنوّعة في وقت من الأوقات، وليس من المعقول أن ينتهي تاريخ المرجعيات بالفكر اليوناني-الروماني ولا الديانة اليهودية-المسيحية كما صيغ الغرب منذ قرون، ونحن أصحاب رسالة تخاطب البشر لتضيف إلى الموروث الإنساني الطابع السماوي الخالص، وهذا من أوسع أبواب مخاطبة الغرب، وسيستجيب له حين يلمس منّا حبّ الخير له ويقتنع أننا قوم تسوقنا الرحمة بالخلق لا كراهيتُهم.

رصيد كبير بين أيدينا

 إنّ العلاقة الجديدة مع الغرب التي نتبنّاها خالية من مركّب النقص ومركّب التفوّق، وهي ليست نتاج تسوّل ولا انبهار بمستواه المادي، ذلك أن تسليمنا بقدراته الاقتصادية والعلمية واستقراره السياسي المستند إلى العمل المؤسّسي واحتفائه بالعلم والنظام والنظافة والمنهجية يصاحبه شعور بفقره الروحي المدقع الذي نملك علاجه، فعند الغربيين شرك واستكبار وفحش، وأخلاقهم يغلب عليها الطابع التجاري، ومسيحيتهم أفسدها التحريف حتى فقدت الأبعاد الدينية وغدت شبَحًا، ليس فيها عقيدة واضحة ولا مسحة ربانية فضلا عن الأحكام والضوابط، أمّا نحن فنملك كلّ هذا وما يقتضيه من أخلاق إيمانية ومحافظة على الأسرة وابتعاد عن المنحى البهيمي في علاقة الرجل بالمرأة، وإنما يُغري الأمريكان والأوربيين وغيرهم بالدخول في الإسلام ما يجدون فيه من صلاة وتلاوة وذكر يُشبع نهمهم الروحي وخواءهم النفسي ويُخلّصهم من طغيان المادة الذي يصاحب ما هم فيه من رفاهية ورقيّ، ولا غرو أن العصر يشهد زحف الإسلام على الغرب وليس العكس، ونأمل أن يكون الفتح المعاصر فتحا فكريا روحيا يمهّد له المسلمون بالتواصل مع الشعوب ليتولّى هذه المهمة في النهاية الداخل الغربي ذاتُه، وسيتمّ ذلك إذا أحسنّا مخاطبة جميع الفئات هناك ونوّعنا الأساليب الدعوية لتلامس الجاهلين بالإسلام والمحايدين والمغرورين والمنصفين والعقلاء، وما أكثرهم.

إنّ هذا – في تقديرنا – أفضل وأفيد للطرفين من الإصرار على التقاطع ومزيد من الجفاء – من جهة – ومن حوار الأديان الذي لا يعني في الحقيقة شيئا، لأنه حوار طرشان أو إنفاق للأوقات والأموال في المجاملات.


هذه المقالة تتبع سلسلة " مقاربة نقدية للعلاقة مع الغرب"
  • مقاربة نقدية للعلاقة مع الغرب (2-2)

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2013